أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من البقاء إلى الأخلاق: كيف قيّدت الجماعة الإنسان..















المزيد.....

من البقاء إلى الأخلاق: كيف قيّدت الجماعة الإنسان..


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 23:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن مفهوميّ الشر والخير، وكذلك مفهوم العنف وما يدور مدار هذه المفاهيم، إنما هي مفاهيم خلقتها الجماعة. وهي مفاهيم بالرغم من واقعيتها حديثا الا انها اقحمت قسرا لتوصيف سلوك الإنسان. فالإنسان بمعزل عن الجماعة وهو ينتهج هذه السلوكيات التي نعرفها اليوم بالشر والعنف، هو ليس شريرا ولا عنيفا وانما يمارس السلوك الذي خلق عليه أو اكتسبه تطوريا نتيجة رحلة تاريخية تطورية طويلة كان الإنسان فيها يبتغي البقاء فقط، ولم يكن المعنى حاضرا. لكن مع حضور المعنى أصبحت سلوكياته تتحدد وفق مفاهيم الخير والشر والعنف والسلام. ولا نجزم أن هذه المفاهيم هي وليدة حقبة الحضارة والمجتمع الواسع فقط، بل نعتقد كثيرا- وإن لم تصنف بهذه المفاهيم ولا بهذه الحدة والتقيد- أنها ولدت أيضا بين الجماعات القديمة قبل التأريخ وقبل الحضارة اي منذ الجماعة الصيادة، حيث ستقوم الجماعة بوضع محددات لسلوك الفرد بما يخدم كيان الجماعة من التفتت والتفكك. لكن لم تكن هذه المحددات إبان حقب الجماعات الصيادة القديمة بتلك الصرامة التي تكبت فردانية أو أنانية الفرد. اذن مفاهيم الشر والخير والعنف وغيرها هي مفاهيم الجماعة والتي خدمتها مقابل تقييد الأفعال الفردية. يمكننا تشبيه ذلك بوحش كاسر مقييد بسلاسل ثقيلة تزداد يوما بعد آخر، ولكن إذا رفعت السلاسل عن الوحش ماذا يفعل؟ من المؤكد أنه سيعود لانتهاج العنف والتدمير!!
هكذا تفعل المنظومة القيمية مع الإنسان أنها تقييد أفعاله وسلوكه، وهي منظومة ترتكز على ثلاث عناصر ضبط رئيسية يمكن تسميتها؛ بالعيب والحرام والممنوع، فالممنوع هو القانون والعيب هي الاعراف والحرام هو الدين. حيث ستعمل هذه العناصر منذ نشأت الطفل وحتى بلوغه مراحل متقدمة من العمر على خلق الضمير عند الانسان. قد يظن البعض أن الضمير أو الخير عند الانسان هو حالة فطيرة يولد الإنسان عليها!! ولكن هذا غير صحيح باعتقادي، فالإنسان يكتسب هذه الأفعال كما قد يكتسب بعضا من أفعال الشر نتيجة التنشئة الاجتماعية، وان كانت الأفعال التي نصفها بالشر في أغلبها هي الأفعال والسلوكيات الفطرية والتي أن برزت في شخصية فرد ما فإن ذلك يدل على تفكك أسري وتنشئة ضعيفة وعوامل اجتماعية اخرى سمحت لها بالظهور!!
لو افترضنا أن هنالك مدينة أو إقليم ما تعرض لظروف خارجية وداخلية قاهرة كالحروب أو الوباء أو الأزمة الاقتصادية أو السياسية أو الخراب فمن المؤكد أن أول ما يسقط هو القانون في تلك البقعة الجغرافية، وهنا ستسقط اول القيود عن كاهل الفرد الذي ينتمي إلى هناك. لكن هل سنجد في هذه الحالة أن جميع أفراد تلك المدينة سيتخلون عن منظومتهم القيمية سريعا وينتهجون الشر والعنف؟
اكيد لا، لكن الأمر يتعلق بالنسب ليس إلا، اي نقول نسبة من الأفراد ستفعل ذلك ونسبة أخرى ستميل وربما لم تفعل ونسبة لن تقدم ولا تفكر ونسبة تستهجن وترفض وربما نسبة تحارب تحافظ على المكتسبات الأخلاقية والقانونية. ولنتكلم بلهجة اللغة الفصيحة ونقول شطرا، اي شطرا من الناس في تلك المنطقة سوف تختل لديهم المنظومة القيمية نتيجة سقوط أغلال القانون وربما مارست الشر والعنف والجريمة، ونعتقد أكثر أن هذه الشريحة- أو الأصح والادق هذا الشطر- من الناس ربما سيكون من الشرائح الاجتماعية الدنيا التي تعاني عوامل عدة مثل الفقر المدقع والجهل والتفكك الأسري. فهذا الشطر هو أكثر الشرائح أو الفئات الاجتماعية عرضة لانتهاك القيم وسلوك العنف والجريمة في حالة سقوط القانون والذي يسقط نتيجة غياب أو فراغ السلطة في تلك المدينة المفترضة نتيجة ظرف قاهر خارجي او داخلي.
لكن سيأتي هنا الحالمون أو المثاليون أو ممن تكون نظرتهم قاصرة ومثالية ومتعالية عن الواقع والعلمية، فيقولون اذن هاهو الخير كامن في الإنسان وفطري وان الشر طارئ على الإنسان. ودليلهم أن الظرف الخارجي أو الداخلي القاهر لم يكن عاملا مؤثرا الا في شطر معين من الأفراد وبالذات لما تتظافر عوامل أخرى معه لإبراز شر وعنف ذلك الشطر وهي عوامل اجتماعية أخرى مثل الفقر والجهل والتفكك الأسري، أما الأفراد الآخرين - الاغلبية- فإن الفطرة السليمة الموروثة فيهم جعلتهم بمنأى عن الشر والعنف والجريمة!!!
هذا كلام وجيه لكن في ظرف معين فقط وفي مرحلة معينة ما. صحيح أن الظروف الاجتماعية الواقعية كان لها أثر كبير في شر وعنف الاشرار لكن هذا لم يكن لولا وجود الشر الفطري سابقا عند الفرد، ثم جاءت ظروف خارجية مساعدة مثل الفقر والتفكك الأسري والجهل لتغذي هذا السلوك وتعجل به. وهذا ايضا ينطبق على الشرائح أو الأشطر الأخرى من المجتمع التي لم تنتهج سلوك الشر والعنف والجريمة، فالظروف المساعدة على ذلك لم تتوفر على العكس توفرت الشروط المانعة أو المنفرة من الجريمة وهي قد تكون التعليم الجيد والحالة الاقتصادية الجيدة والتنشئة الاجتماعية السليمة. اذن فهنا العوامل المؤثرة أيضا دفعت إلى منع الأفراد من الجريمة وهنا ليس خيرية الإنسان أو فطرته السليمة هي من منعت وانما الظروف الخارجية المساعدة.
لكن هذه الشرائح الاجتماعية أو الأشطر من افراد المجتمع الخيرين هل سيصمدون إلى النهاية ؟؟
أننا لازلنا في طور سقوط القانون نتيجة غياب السلطة، وهذا يعني أن مكونات أو عوامل الضمير لازال بعضها مترسخا في شخصية الأفراد الآخرين الخيرين- حاليا فقط- مثل الحرام والدين والأخلاق والعيب والعرف الاجتماعي.
لكن متى ما ظلت الظروف القاهرة ضاغطة على هذا المجتمع فهل سيظل الأفراد الآخرين خيرين الى النهاية!!؟
انا اعتقد اننا بتقادم الايام وضغط الظروف وربما يخيم الظروف الاقتصادي القاهر خصوصا على المجتمع فإن بقية المنظومة القيمية أو الأخلاقية ستتآكل شيئا فشيئا وسنرى كثيرا من الأفراد الآخرين يتخلون عن قيمهم الأخرى اي ستسقط أغلال أخرى مثل الظمير الديني أو الحرام ثم ستسقط الاعراف الاجتماعية شيئا فشيئا وسنرى كثيرا من الأفراد من شرائح أخرى أو اشطر أخرى من المجتمع المفترض أعلاه ستسقط في امتحان الخيرية وتضطر تحت ضغط الظرف القاهر إلى انتهاج ما يؤمن عيشها بعيدا عن مفاهيم الخير والشر وربما نتهتك اخلاقها عودا إلى مفهوم البقاء بعد أن فقد مفهوم المعنى قيمته ظرفيا. هنا يمكن أن نعتمد كثيرا على مفهوم سقوط الجدار الاجتماعي حيث أن الظروف القاهرة تعمل على خلخلة المنظومة القيمية وربما نكون هنا إزاء ظاهرة الانومي التي أشار لها العالم الاجتماعي اميل دوركهايم.
ربما، ونحن هنا لاننفي ولا نجزم ، أن أفرادا من المجتمع ربما ظلت محافظة على خيريتها رغم كل الدمار الذي سيحصل، لكن السؤال يكون هل أن هولاء الأفراد- الابطال الاجتناعيون- الذين نفترض بقاءهم خيرين رغم كل شيء، هل أن ذلك السلوك هو سلوك فطري دفعهم إلى ذلك أم هو سلوك مكتسب؟
هل تصح هنا اليقظانية- نسبة لفرضية ابن الطفيل عن فطرية الخير في الشخصية المفترضة حي ابن يقظان- أم تصح الموغلية- نسبة الى الشخصية الجدلية الافتراضية موغلي فتى الاحراش الذي وجد متحررا من المنظومة القيمية البشرية نتيجة تنشئته الوحشية في الغابة خارج المجتمع البشري وخارج منظومته الاجتماعية- !!!!؟
ان الأمر لا يتعلق بالفضيلة، بل بالبقاء...



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأنياب إلى الجينات: كيف حكمت الكائنات المجهرية تاريخ الح ...
- السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي
- الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة
- لمَ توصف الشخصية العراقية بأنها شخصية: متمردة، وعنيفة، ومقلق ...
- ((الهامش الحضري المنهار: نموذج تطبيقي من الواقع العراقي))
- الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...
- هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئ ...
- عن العائلة البشرية قديما..
- الصور الذهنية.. وآلية اشتغال الدماغ البشري..
- احفاذ الشمبانزي، واحفاذ الاورنجاوتان( انسان الغاب)
- الانسان.. ذلك الحيوان النرجسي، والتافه..


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من البقاء إلى الأخلاق: كيف قيّدت الجماعة الإنسان..