محمد اسماعيل السراي
الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 22:17
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم تكن العصبية القبلية في أصلها مجرد تعصب أعمى للقرابة أو انحياز عاطفي للدم، كما تُقدم غالبا في التفسيرات الأخلاقية أو الأدبية الشائعة، بل كانت – في جوهرها العميق – آلية بقاء جماعية فرضتها البيئة الرعوية القاسية على الإنسان البدوي. فالرجل الذي يعيش في الصحراء أو البرية المفتوحة، في فضاءٍ قليل الموارد، متقلب المناخ، ضعيف الحماية، لا يستطيع النجاة منفردا. ولهذا لم تكن القبيلة ترفا اجتماعيا، بل ضرورة وجودية. ومن هنا يمكن فهم العصبية بوصفها (عصبية بقائية) اي رابطة اجتماعية ودَموية هدفها النهائي حماية الجماعة وضمان استمرارها في بيئة لا ترحم الضعفاء والمنعزلين.
إن الإنسان البدوي يشبه – من زاوية عميقة – الجماعات الصيّادة الأولى التي عاش فيها الإنسان القديم قبل الزراعة والاستقرار. فالجماعة الصيّادة لم تتماسك لأنها (تحب) بعضها بعضا فحسب، بل لأن الصيد، والدفاع، وتقاسم الغذاء، وحماية الأطفال، كانت جميعها شروطا لا تتحقق إلا جماعيا. ومن هنا يمكن النظر إلى الجماعة الرعوية البدوية بوصفها امتدادا تاريخيا متطورًا للجماعة الصيّادة، لا قطيعة معها.
فالبدوي لا يعيش باعتباره فردا مستقلًا، بل باعتباره جزءا من جسد قبلي أكبر. الماء جماعي، والحماية جماعية، والثأر جماعي، والغزو جماعي، وحتى الشرف يتحول إلى مؤسسة دفاع اجتماعي. إن الفرد خارج القبيلة يكاد يكون مكشوفا بالكامل: معرضا للسلب، والعطش، والضياع، والقتل. أما داخل القبيلة فيصبح محميا بقوة الجماعة وعددها وتماسكها. ولهذا فإن العصبية لم تكن في أصلها (حبا للقرابة) بل ضرورة فرضتها شروط البقاء نفسها.
وقد أدرك عبد الرحمن بن خلدون هذه الحقيقة جزئيا حين جعل العصبية أساس الملك والدولة، وعدَّها القوة التي تمنح الجماعة قدرتها على الغلبة والسيطرة. يقول ابن خلدون: (الملك إنما يحصل بالتغلّب، والتغلّب إنما يكون بالعصبية)١. غير أن ابن خلدون، رغم عبقريته، ركّز على الوظيفة السياسية للعصبية أكثر من جذورها البيئية والاقتصادية. فالعصبية لا تنشأ أولًا من الرغبة في الحكم، بل من الحاجة إلى البقاء في بيئة غير مستقرة. أي أن السياسة هنا تأتي لاحقا، بعد أن تكون البيئة قد صنعت الجماعة المتماسكة أصلا.
لقد فرضت البيئة الرعوية على الإنسان البدوي نوعًا خاصا من الاقتصاد يمكن تسميته بـ(اقتصاد البقاء الجماعي). وقد أشار إبراهيم الحيدري إلى أن البيئة البدوية بطبيعتها المتحركة والهشة تفرض أنماطا من التضامن والعلاقات العصبية تختلف عن المجتمعات الزراعية المستقرة٢. فالموارد في الحياة البدوية ليست مستقرة كما في الزراعة، بل متحركة ومتقلبة. المطر موسمي، والمراعي تظهر ثم تختفي، والقطعان معرضة للهلاك، والتنقل ضرورة دائمة. ولهذا يصبح التعاون الجماعي شرطا اقتصاديا مباشرا. فالقبيلة ليست مجرد رابطة نسب، بل مؤسسة حماية وإنتاج وتوزيع معا.
وفي هذا النمط من الحياة تصبح الشجاعة والقتال والاندفاع صفات اجتماعية مكتسبة، لا خصائص وراثية أو جوهرية. فالبدوي لا يولد شجاعا بطبيعته، بل تُنتج البيئة هذه الشجاعة بوصفها أداة بقاء. إن الطفل الذي ينشأ في فضاء مفتوح، تسوده الغزوات والثأر والتنقل والخطر، سوف يتعلم مبكرا أن الضعف قد يعني الفناء. ولهذا كانت الشكيمة البدوية انعكاسًا لشروط البيئة أكثر مما هي (جوهر عرقي) أو (فضيلة أخلاقية).
وفي المقابل، يختلف المجتمع الزراعي المستقر جذريا عن المجتمع الرعوي. فالفلاح المستقر لا يعتمد في بقائه على القبيلة بالدرجة نفسها، لأن شروط الحياة قد تغيرت. لقد امتلك أرضا ثابتة، وبيتا، ونظام ري، وملكية خاصة، ثم جاءت الدولة لتؤدي جزءا كبيرا من الوظائف التي كانت تؤديها القبيلة قديما. فالدولة أصبحت هي الحامي، والقانون أصبح بديلا عن الثأر، والمؤسسة الإدارية حلت محل الجماعة المسلحة.
ومن هنا يمكن فهم ضعف العصبية نسبيا في المجتمع الزراعي مقارنة بالمجتمع البدوي. فالفلاح يعتمد في بقائه على ملكيته الخاصة وأسرته الصغيرة أكثر من اعتماده على القبيلة الكبرى. وهذا لا يعني اختفاء الروابط القرابية تماما، خصوصا إذا تذكرنا أن كثيرا من الفلاحين في العراق والشام كانوا في الأصل جماعات بدوية استقرت تدريجيا وتحولت إلى الزراعة، ولهذا بقيت آثار العصبية والقرابة ظاهرة لديهم بدرجات متفاوتة. لكن التحول الكبير حدث عندما بدأت الدولة تحل تدريجيا محل القبيلة في أداء وظائف الحماية والتنظيم.
إن ما يمكن تسميته بـ(تعويض السلطة) يمثل هنا نقطة تحول مركزية في التاريخ الاجتماعي. وقد ناقش فالح عبد الجبار هذه الفكرة بصورة غير مباشرة حين أشار إلى أن ضعف الدولة في العراق كان يؤدي غالبا إلى عودة البنى الاجتماعية الأولية، كالقبيلة والطائفة والعشيرة، لتملأ الفراغ الأمني والتنظيمي٣. فكلما كانت الدولة قوية، تراجعت الحاجة إلى العصبية القبلية، لأن الإنسان لم يعد مضطرا لحماية نفسه عبر الجماعة المسلحة. أما عندما تضعف الدولة، فإن المجتمع يرتد سريعًا نحو الجماعات الأولية: القبيلة، والطائفة، والعشيرة، والجماعات المغلقة. أي أن العصبية ليست بقايا ماضٍ فقط، بل آلية دفاع اجتماعي تستيقظ كلما انهارت السلطة المركزية.
ولعل العراق يمثل النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الحركة التاريخية المتكررة بين البداوة والحضارة. فقد عاش العراق قرونا طويلة على تخوم عالمين متناقضين:عالم الزراعة والدولة والمدينة، وعالم البداوة والرعي والقبيلة. وكانت بادية الشام والجزيرة الفراتية تمثلان المجال الحيوي الذي تتحرك فيه القبائل بين العراق والشام وشمال الجزيرة العربية. وهذه (الجزيرة) التي تحدث عنها علي الوردي ليست جزيرة بحرية، بل منطقة ما بين دجلة والفرات في شمال العراق وشرق سوريا، وهي منطقة انتقالية بين البداوة والاستقرار ٤.
وقد لاحظ علي الوردي أن العراق ظل تاريخيا يستقبل موجات متكررة من القبائل القادمة من البادية، وأن هذه القبائل كانت تستقر تدريجيا في أطراف المدن والقرى ثم تندمج بالمجتمع الزراعي والحضري. وهذه الفكرة تتقاطع أيضًا مع ما عرضه حنا بطاطو لاحقا حول تشكل العلاقة بين الشيخ والفلاح والسلطة داخل المجتمع العراقي الحديث، بوصفها امتدادا لتحولات تاريخية أعمق بين البداوة والاستقرار ٥. ولهذا رأى أن الشخصية العراقية تشكلت على تخوم البداوة والحضارة معا ٦.
إن فهم هذا التوتر بين المجتمع الرعوي والمجتمع الزراعي يفسر جانبا مهما من تاريخ العراق الاجتماعي والسياسي. فالعراق الزراعي كان غنيا بالمياه والزراعة والمدن، لكنه كان هشا أمنيا إذا ضعفت السلطة المركزية. أما القبائل البدوية فكانت أقل استقرارا اقتصاديا، لكنها أكثر تعبئة وتماسكا وقدرة على الحركة والقتال.
ولهذا تعرضت مدن العراق وأريافه مرارا لغزوات قبلية، خصوصا في فترات ضعف الدولة. ولم يكن هذا الصراع مجرد صراع سياسي، بل كان صراعا بين نمطين مختلفين من الوجود: نمط يريد تثبيت الماء والأرض والحدود، ونمط يعيش على الحركة والمرعى والانتقال.
ولهذا نجد إشارات تاريخية متكررة إلى الصدام بين البدو والمزارعين حول منشآت الري والسدود والقنوات. فالمزارع يريد ضبط المياه لحماية حقوله، بينما كان انتشار المياه والفيضانات الموسمية يمنح البادية والمراعي حياة جديدة تستفيد منها القبائل الرعوية. وفي أزمنة ضعف الدولة كان تخريب السدود أو إهمالها يؤدي إلى خراب الزراعة واتساع المجال الرعوي من جديد.
وقد وصف الجغرافيون والمؤرخون المسلمون هذا التوتر مرارا. فالمسعودي، وابن حوقل، وياقوت الحموي، تحدثوا عن حركة القبائل بين البادية والعراق، وعن هشاشة العمران الزراعي عندما تضعف السلطة أو تتخرب منشآت الري٧. وكان انهيار السدود والقنوات يعني غالبا عودة الأرض المزروعة إلى فضاء رعوي مفتوح، أي ارتداد المجتمع من منطق الاستقرار إلى منطق الحركة.
إن ما يفسر قوة القبائل البدوية تاريخيا ليس (التفوق العرقي) ولا (النبل الفطري)، بل طبيعة شروط البقاء نفسها. فالجماعة التي تعيش في بيئة قاسية، وتعتمد على التعاون والقتال والحركة المستمرة، سوف تنتج تلقائيا أفرادا أكثر استعدادا للمواجهة والتضحية الجماعية. أما المجتمع المستقر، فإن الرخاء النسبي والاستقرار والملكية الخاصة والدولة المركزية تجعل الإنسان أكثر ميلا إلى السلامة وأقل اعتمادا على العصبية المسلحة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت القبائل البدوية، في أزمنة ضعف الدولة، قادرة على فرض سطوتها على المدن والقرى الزراعية، ليس لأنها (أقوى حضاريا)، بل لأنها أكثر تعبئة من الناحية العصبية والبقائية. فالمجتمع الزراعي يحتاج إلى الأمن كي يستمر، بينما تستطيع الجماعة البدوية أن تعيش وسط الاضطراب بدرجة أعلى. ولهذا كان انهيار السلطة المركزية في العراق يؤدي غالبا إلى عودة الروابط القبلية وارتفاع منسوب العنف الجماعي، وكأن المجتمع يعود مؤقتا إلى شروطه الأولى.
إن العصبية القبلية، بهذا المعنى، ليست بقايا ماضٍ متوحش فقط، بل ذاكرة بقاء قديمة ما تزال كامنة داخل البنية الاجتماعية للإنسان. وكلما ضعفت الدولة، أو انهار القانون، أو شعرت الجماعات بالخطر، استيقظت هذه الذاكرة من جديد. ولهذا فإن فهم العصبية لا يكون بإدانتها أخلاقيا فقط، بل بفهم الشروط التاريخية والبيئية التي صنعتها.
ولعل هذا ما يفسر جانبا من التكوين العميق للشخصية العراقية نفسها. فالعراق لم يكن يوما مجتمعا زراعيا خالصا، ولا بدويا خالصا، بل فضاء متوترا بين عالمين: عالم الدولة والنهر والزراعة، وعالم القبيلة والبرية والرعي.
ولهذا ظل الإنسان العراقي يعيش تاريخيا بين منطقين متصارعين: منطق الجماعة البقائية المغلقة، ومنطق الدولة المدنية المنظمة.
وحين تضعف الثانية، تعود الأولى إلى السطح بسرعة مدهشة.
---
المراجع
١ ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دمشق: دار يعرب، ٢٠٠٤، ج١، ص ٢٨٩.
٢ إبراهيم الحيدري، البداوة والحضارة: جدلية التكوين الاجتماعي في العراق، بيروت: دار الساقي، ٢٠٠٣، ص ٧١١٠٢.
٣ فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٥، ص ٢١٤٩.
٤ علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد: مطبعة الإرشاد، ج١، ص ٤٥٥٢.
٥ حنا بطاطو، الشيخ والفلاح في العراق ١٩١٧١٩٥٨، ترجمة: عفيف الرزاز، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ١٩٩٢، ص ٣٣٦١.
٦ علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد: مطبعة العاني، ١٩٦٥، ص ٦٧٨٩.
٧ المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: المكتبة العصرية، ٢٠٠٥، ج٢، ص ١١٢١١٨.
#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟