أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟














المزيد.....

لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 11:30
المحور: الادب والفن
    


لن أذهب لمشاهدة أحدث أفلام كريستوفر نولان، "الأوديسة". وليس في الأمر أي تظاهر بالنخبوية الفكرية، فأنا من حيث المبدأ، أقاطع دائما الاقتباسات السينمائية للكتب التي تحتل مكانة مقدسة في مكتبتي الشخصية. إنه مجرد إجراء احترازي مني. فلا رغبة لدي في أن أعيد يوما قراءة الأوديسة وقد حلت صورة مات ديمون محل صورة أوليس التي شيدها عقلي، عبر سنوات من القراءة، قطعةً قطعة. تلك الصورة ملك لي وحدي؛ إنها فريدة، وهي ثمرة حساسيتي وشخصيتي، وتجربتي الحياتية، وكل ما أنا عليه وما لست عليه. لقد قرأت هوميروس قبل هذا الفيلم، وسأقرأه بعده، وأريد أن يظل هذا الفعل نقيا من أي تأثير خارجي.

ولذلك، سأحرص على ألا أحكم على جودة فيلم نولان، فضلا عن مدى وفائه للنص الأصلي؛ فهذا شأن المؤرخين وعشاق السينما. ثم إن السؤال نفسه لا أهمية له؛ إنه جدل فارغ لا معنى له. فرؤية نولان هي رؤيته هو، تخصه بكل جوارحه. قد يراها البعض موفقة أو هزلية، مقنعة أو في غير محلها، لكن جوهر المسألة في مكان آخر: فالأوديسة كتاب كوني، لا يمكن للشاشة أن تجد له معادلا حقيقيا.

خذ أي تحفة من روائع الأدب العالمي، وستجد أن تحويلها إلى فيلم محكوم عليه، في الغالب، بأن يكون أقل من الأصل. فإن التزم المخرج بروح الكتاب حرفيا، فسيخفق لأنه لن يستطيع نقل لغته وأسلوبه وسحر عبارته وغموضها. وإن تحرر من النص، فلن يعود يقدم اقتباسا، ولكن مجرد تأويل شخصي. وفي كلتا الحالتين، لن يبلغ أبدا القوة الأصلية للرواية. ومهما بلغ المخرج من موهبة، فلن يستطيع أن يرتقي إلى مستوى الكتاب.

وهذا صحيح بالنسبة للكلاسيكيات كما هو صحيح بالنسبة للروايات الكبرى في الحداثة. لقد شهدنا عددا لا يحصى من الاقتباسات السينمائية لـالبؤساء وآنا كارينينا ومدام بوفاري. وبعضها لا يخلو من القيمة، لكن أيا منها لم يبلغ كثافة الكتاب الأصلي أو عمقه أو جماله أو رقته. سيظل هناك دائما شيء ناقص: ذلك السحر الخاص الذي تبثه اللغة بين يدي الكاتب، ذلك السر الغائر في فعل السرد نفسه، سر الكلمة، واللفظ، والاندفاع الذي لا يمكن التعبير عنه نحو اللغة، ذلك "الشيء الذي لا يسمى"، الكامن في أصل كل رواية عظيمة.

إن الأدب لم يُنقل إلى الشاشة يوما بنجاح حقيقي؛ فهذه مهمة محكوم عليها بالفشل. أعمال دوستويفسكي، وكافكا، وبروست، وفرجينيا وولف، وفوكنر، وكثيرون غيرهم، وهي روايات تقوم على العالم الداخلي، والاستبطان، وتفكيك البنية التقليدية للرواية، والنظر إليها بوصفها وسيلة لترويض الفكر في تدفقاته الفوضوية، لا يمكن تحويلها إلى السينما دون أن تفقد معظم جوهرها. فلا يمكن تصوير دوار الشمس لفان غوخ، كما لا يمكن تصوير تجوالات ليوبولد بلوم في شوارع دبلن في عوليس لجيمس جويس، أو تيه القنصل المدمن على الكحول في تحت البركان لمالكولم لوري، أو الدوخة الميتافيزيقية التي يعيشها كوينتن كومبسون في الصخب والعنف لفوكنر.

وهذه كلها أسباب كافية لأن أحجم عن مشاهدة أوديسة نولان، ويضاف إليها سبب آخر، هو ما أراه من تضخم في نزعة نولان إلى تمجيد ذاته. صحيح أنني أحببت كثيرا أفلامه الأولى، لكنني لا أستطيع أن أقول الشيء نفسه عن أعماله الأخيرة. فدانكيرك لم يقدم جديدا يُذكر إلى أفلام الحرب، وتينيت بدا أشبه بمحاكاة ساخرة ومبتذلة لمقال فلسفي لفيتغنشتاين أعاد إخراجه مخرج يخلط بين الميتافيزيقا وتعاطي الأمفيتامينات، أما أوبنهايمر فكان بالغ الملل، ثقيل الإيقاع، متكلفا في طموحاته، إلى درجة أنني غادرت قاعة السينما قبل أن ينتهي.

وأستطيع أن أفهم جيدا ما الذي دفع نولان إلى إخراج الأوديسة: ذلك التحدي المجنون المتمثل في إضفاء صورة على الكتاب المؤسس للفكر والأدب الغربيين. كأنه يقول لنا: "هذا تحدٍ لا يليق إلا بعبقريتي. أنا وحدي القادر على تجسيد تلك المشاهد الملحمية الراسخة في لاوعينا بوصفها ركائز لذاكرتنا الجماعية. ابنوا لي سفنا أضخم من الواقع، وشيدوا لي ديكورات لم يرها أحد من قبل، واتركوني أصور كل شيء من جميع الزوايا الممكنة حتى أبلغ أقصى درجات الوفاء لحقيقة هذه الرحلة الأسطورية التي يجسدها أوليس". لكن النتيجة المتوقعة، في المقابل، هي أن يفوته جوهر الموضوع تماما.

لقد ابتعد كثيرا عن أفلامه الأولى، عن الابتكار العبقري في ميمينتو، وعن ذلك التمرين السينمائي البديع في السير أثناء النوم الذي مثله إنسومنيا، وعن كل تلك الجرأة التي جعلت من نولان فنانا حقيقيا في الفن السابع. أما اليوم، فيبدو مخرجا يسعى إلى الضخامة، وإلى الإنجاز الاستعراضي، وإلى كل ما هو هائل، على حساب البحث الفني الحقيقي. إنه يربح من الشعبية بقدر ما يخسر من الأصالة والابتكار الحقيقي. وكأن غايته لم تعد إلهام العقول، ولكن إبهارها وترك أثر مدو فيها. ومن هنا جاءت تلك الأفلام المتورمة بادعاءات فارغة، التي لم يعد واضحا ما الذي يطمح إليه نولان من خلالها، سوى تشييد صروح تمجده.

ومن يدري ما سيكون مشروعه القادم؟ هل سيكون الكتاب المقدس بتقنية الأبعاد الخمسة؟ أم هاملت بلغة الإشارة؟ أم ربما، بكل بساطة، سيرة سينمائية للإله نفسه؟!



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأَثَر
- المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
- سلامٌ لراشيل
- ابنُ بابين لا يُغلقان
- البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
- ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
- 19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
- رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:
- راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن ...
- سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
- رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
- ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
- برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد


المزيد.....




- مهرجان -نافذة على أوروبا- يفتتح دورته الـ34 في فيبورغ بعشرة ...
- ليلة الوداع-.. حين تتحول الذاكرة إلى خشبة والمسرح إلى محاكمة ...
- وثيقة عربية مخبأة داخل غلاف مخطوطة تكشف أسرار حكم خان القرم ...
- روسيا تطلق سلسلة روايات تستند إلى ملفات رُفعت عنها السرية لج ...
- معماريون ماليزيون يجسدون أفكارهم بالفن.. إيحاءات فلسطين والن ...
- -قد أزور السعودية قريبًا-.. فنان أمريكي مراهق يكشف لـCNN بال ...
- خمس حقائق غير معروفة عن مارينا تسفيتايفا.. الشاعرة التي جعلت ...
- ساحة الملحمة في جرش تحيي صناعات أردنية تراثية
- مواهب من روسيا والعالم تجتمع في موسكو ضمن المنتدى الثقافي ال ...
- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟