أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج














المزيد.....

امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 11:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رغم ما يجمع دول الشرق الأوسط من الجغرافيا والتاريخ، وروابط اللغة والدين والمصالح الاقتصادية، فإنها ما تزال من أكثر مناطق العالم افتقاراً إلى منظومة أمنية إقليمية مستقلة. والمفارقة أن المنطقة التي تنتج جانباً مهماً من طاقة العالم وتعبرها أهم الممرات البحرية، ما زالت تعتمد، حتى عام 2026، على مظلات أمنية خارجية، وفي مقدمتها المظلة الأمريكية، لضمان استقرارها.

غير أن التجارب المتراكمة خلال العقود الماضية أثبتت أن الأمن المستورد يوفر حماية مؤقتة، لكنه لا يبني استقراراً دائماً. فالأمن الحقيقي لا يصنعه وجود قوة كبرى في الخارج، بل قدرة دول الإقليم على إدارة خلافاتها من الداخل.

تعود صعوبة بناء نظام أمني إقليمي إلى أسباب متداخلة، أولها تعدد الهويات والمشاريع القومية. فالمنطقة ليست كتلة سياسية متجانسة، بل تتقاطع فيها المشاريع العربية والتركية والإيرانية، بينما تتباين داخل العالم العربي نفسه أولويات دول الخليج والمشرق والمغرب العربي. ونتيجة لذلك يختلف تعريف "التهديد" من دولة إلى أخرى؛ فما يمثل أولوية أمنية لدولة ساحلية قد لا يشكل هاجساً لدولة تواجه تحديات مائية أو حدودية.

ويزيد العامل المذهبي من تعقيد المشهد. فالانقسام السني-الشيعي تجاوز منذ زمن حدوده الدينية ليصبح أداة في الصراع السياسي والإقليمي. كما أن التنافس بين التيارات القومية والإسلامية أضاف طبقة جديدة من الاستقطاب، لتتحول الخلافات الفكرية إلى منافسة على النفوذ والتحالفات، وهو ما ظهر بوضوح في أزمات اليمن وسوريا والعراق ولبنان.

أما الإرث التاريخي فيظل عاملاً لا يقل تأثيراً. فقد تركت الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية نزاعات مستمرة على الأراضي والمياه والجزر، كما خلفت الحروب والانقلابات والتدخلات الخارجية ذاكرة سياسية مثقلة بالشكوك، تجعل بناء الثقة بين الجيران مهمة شاقة وبطيئة.

وسط هذا الواقع، وجدت معظم دول المنطقة في التحالف مع القوى الكبرى حلاً عملياً لتغطية فجواتها العسكرية والتقنية، وللحصول على مظلة ردع سريعة في مواجهة الأخطار الإقليمية. غير أن هذا الخيار لم يخلُ من إشكالات بنيوية.

فالسياسة الأمريكية، على سبيل المثال، لم تعد تمنح الشرق الأوسط الأولوية التي كانت تحظى بها في العقود السابقة، بعدما تحول الاهتمام الاستراتيجي نحو المنافسة مع الصين وروسيا. وأرسل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 رسالة واضحة مفادها أن الالتزامات الأمنية الطويلة لم تعد خياراً مفضلاً لدى واشنطن، وأن مستوى الانخراط العسكري أصبح أكثر ارتباطاً بحسابات الإدارات المتعاقبة.

إلى جانب ذلك، لا تتطابق دائماً أولويات الولايات المتحدة مع أولويات دول المنطقة. فبينما تركز واشنطن على أمن إسرائيل، وضمان تدفق الطاقة، ومنع الانتشار النووي، ترى كثير من دول الشرق الأوسط أن أمن الحدود، وحماية الموارد المائية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، ومنع التدخلات الخارجية، تمثل أولويات أكثر إلحاحاً. وعندما تتعارض هذه المصالح، تكون كفة القوة غالباً لصالح الطرف الأكثر نفوذاً.

كما أن المظلة الأمنية الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع منع جميع أشكال التهديد الحديثة؛ فهي قد تردع حرباً تقليدية واسعة، لكنها أقل قدرة على مواجهة حروب الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والصراعات منخفضة الحدة التي أصبحت السمة الغالبة للنزاعات المعاصرة.

ورغم تكرار الدعوات إلى إنشاء منظومة أمن إقليمي، فإن هذا المشروع ما زال يواجه عقبات كبيرة. فبناء قدرات دفاعية مشتركة يتطلب استثمارات ضخمة وثقة سياسية طويلة الأمد، بينما تظل مبادرات الحوار الإقليمي، رغم أهميتها في تخفيف التوتر، عاجزة حتى الآن عن التحول إلى نظام أمن جماعي ملزم.

أما الاتجاه نحو تنويع الشركاء الدوليين، عبر توسيع التعاون مع الصين أو روسيا أو غيرهما، فإنه يخفف من الاعتماد على طرف واحد، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: من يضمن أمن المنطقة عندما تقع الأزمة؟ فتنويع مصادر السلاح لا يعني بالضرورة تنويع الضمانات الأمنية.

إن الجغرافيا لا تمنح دول الشرق الأوسط فرصة اختيار جيرانها، ولذلك فإن مستقبل أمنها سيظل مرتبطاً بقدرتها على إدارة خلافاتها بنفسها. ويمكن لأي مشروع واقعي أن يبدأ بخطوات تدريجية، أهمها فصل الخلافات الأيديولوجية عن المصالح الحيوية، وإنشاء آليات دائمة لإدارة الأزمات بين الدول المتجاورة حتى في أوقات التوتر، والعمل على تقليل الاعتماد الأمني الخارجي بصورة متدرجة، بالتوازي مع بناء الثقة والتكامل الاقتصادي.

لقد أثبتت العقود الماضية أن المنطقة لا تعاني نقصاً في التحالفات الخارجية بقدر ما تعاني غياب الثقة بين دولها. ولذلك فإن الأمن المستدام لن يُستورد من وراء البحار، بل سيولد عندما تدرك دول الشرق الأوسط أن كلفة التفاهم أقل بكثير من كلفة الصراع، وأن استقرار الإقليم يبدأ دائماً من داخله، لا من خارجه.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟
- الامريكان في بيتي وصراع الحضارات
- الاردن بين التحالف والاستهداف
- ٢ اب ١٩٩٠ .. قرار غير وجه المن ...
- من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟
- أزمة صحافة أم أزمة انتباه ؟
- 100يوم لا تصنع طالبا
- هل انتهى زمن الممرات الآمنة؟
- المواطنة اولا
- اليوم العالمي الصداقة
- الكتاب العراقي ازمة الصناعة وضعف النشر
- طريق التنمية وأهميته للعراق
- الصين والوساطة بين أمريكا وإيران
- مي زيادة وجبران خليل ..حب عاش في الرسائل اكثر من الواقع
- رقعة الشطرنج العربية
- الفساد ... دولة موازية
- الرئيس والتصفيق
- ساعي البريد الأخير
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة
- الدولة الوطنية بين الثورة والدين


المزيد.....




- غزّة تشيّع 112 جثماناً من عائلتين في واحدة من أكبر جنازات ال ...
- مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وحزب يقول إنها ستجلب -الع ...
- ألمانيا: اكتشاف أجسام مضادة قد تغيّر مستقبل مكافحة الإيدز
- لماذا تتأخر ألمانيا في براءات الاختراع وسباق الابتكار العالم ...
- لبنان.. عائلة رياض سلامة تندد بظروف احتجازه وتتحدث عن -محاول ...
- بين الذعر والسخرية.. ظواهر أغسطس الفلكية النادرة تثير جدلا و ...
- قيادي في -حماس-: لسنا راضين عن الاتفاق.. وإسرائيل جوهر المش ...
- كييف: روسيا دمّرت 80 بالمئة من محطات الكهرباء ومواقع الطاقة ...
- غرب ليبيا على صفيح ساخن.. اشتباكات في الزاوية وصرمان وإغلاق ...
- واشنطن بصدد إغلاق 5 بعثات دبلوماسية ضمن حملة ترامب لخفض البي ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج