أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - الصورة التي تقاوم غيابهات















المزيد.....

الصورة التي تقاوم غيابهات


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 07:07
المحور: الادب والفن
    


إلى أميمة ملاك: عندما يتحول المنفى إلى صورة ويصبح الغياب شكلًا آخر للحضور


لم تكن السينما منذ ظهورها مجرد تقنية لإعادة إنتاج الحركة أو وسيلة لتثبيت ما يمر أمام العين. فاختزال السينما في فعل التسجيل يعني إلغاء بعدها الأنطولوجي، أي قدرتها على إنتاج نمط خاص من الوجود. إن السينما لا تنقل العالم كما هو، بل تكشف عن الإمكانات الخفية التي تسكن العالم قبل أن تتحول إلى شكل نهائي.

الصورة السينمائية لا تأتي بعد الحدث بوصفها أثرًا تابعًا له، بل تدخل في علاقة مع الحدث تجعلها قادرة على إعادة تشكيل معناه. إنها لا تحفظ ما حدث فقط، بل تفتح داخل ما حدث منطقة افتراضية، فضاءً من الاحتمالات التي لم تجد طريقها إلى التحقق بعد. لذلك فالصورة ليست ذاكرة للماضي فقط، بل جهازًا لإنتاج مستقبل ممكن.

إن الحركة في السينما لا تعني انتقال جسم من مكان إلى آخر، بل تعني تحرر الزمن من خضوعه للتتابع الخطي. فعندما تتحول الحركة إلى صورة، لا تبقى مجرد حركة منجزة، بل تصبح قوة زمنية مستقلة تكشف عن علاقات جديدة بين الحاضر والماضي والمستقبل. السينما لا تصنع نسخة عن العالم، بل تجعل العالم يرى نفسه بطريقة لم يكن قادرًا عليها خارج الصورة.

لهذا فإن المقاومة ليست موضوعًا خارجيًا يمكن أن تحتويه الصورة أو تخلو منه، بل هي نمط وجود الصورة نفسها. فالصورة تقاوم لأنها ترفض أن تُختزل إلى لحظتها الأولى، وترفض أن تكون مجرد أثر منتهٍ لشيء غائب. إنها تستعيد الغياب لا باعتباره فراغًا أو فقدانًا، بل باعتباره طاقة كامنة، قوة لم تستهلك إمكاناتها بعد.

كل صورة تحمل داخلها توترًا بين ما تكشفه وما تخفيه، بين حضورها المادي وغيابها الداخلي. وهذا التوتر هو ما يمنحها قدرتها على البقاء. فالصورة لا تعيش لأنها تحافظ على شيء ثابت، بل لأنها تستمر في إنتاج علاقات جديدة مع كل عين تواجهها، ومع كل زمن تدخل إليه.

من هنا يصبح التكرار السينمائي مفهومًا مختلفًا عن مجرد إعادة الشيء نفسه. فالتكرار لا يعيد الهوية، بل ينتج الاختلاف. اللقطة حين تعود لا تعود بوصفها نسخة عن نفسها، لأنها تدخل في سياق جديد، وفي وعي جديد، وفي زمن جديد.

التكرار يقاوم التكرار.

إن كل مشاهدة جديدة للصورة تحررها من أصلها الأول، وتجعلها تنتمي إلى حاضر آخر. لذلك لا تكون السينما أرشيفًا للماضي، بل فضاءً لإعادة خلق الماضي داخل الحاضر. إنها لا تقول لنا فقط: هذا حدث، بل تسأل: كيف يستمر هذا الحدث في التشكل بعد أن انتهى؟

فالسينما لا تسكن ما يظهر فقط، بل تسكن الفاصل بين الظهور والاختفاء؛ تلك المنطقة التي تفقد فيها الأشياء يقينها الأول وتبدأ في اكتشاف إمكانات أخرى. هناك تصبح الصورة أقل شبهًا بموضوعها وأكثر اقترابًا من قوتها الخفية، من قدرتها على خلق معنى يتجاوز الشيء الذي صورته.

الصورة ليست شيئًا نراه، بل حدث رؤية يتشكل داخلنا. فهناك عين أولى تستقبل العالم، وعين ثانية تراقب عملية استقبال العالم نفسها. عين ترى، وعين تفكر في معنى الرؤية. ومن هذا الانقسام الداخلي تنشأ التجربة السينمائية؛ لأن السينما ليست مجرد رؤية الأشياء، بل وعي الإنسان بأنه يرى.

لهذا يمكن القول إن السينما عزلة مفكرة. لكنها ليست عزلة الذات المنغلقة التي تنسحب من العالم، بل عزلة الصيرورة؛ المكان الذي تتحرر فيه الصورة من مركز ثابت لكي تعثر على إمكانات أخرى للوجود. فالمخرج لا يفرض على العالم شكله النهائي، بل يخلق شروطًا لكي يكشف العالم عن وجوهه غير المرئية.

يا أميمة

لم تكوني صورة محفوظة في الذاكرة، لأن الذاكرة وحدها مكان غير كافٍ للحضور. كنتِ صورة-زمن، نقطة التقاء بين ما كان وما لم يحدث بعد. لم تكوني شيئًا أستعيده من الماضي، بل قوة تستمر في إنتاج الحاضر من خلال غيابها.

لقد تحولتِ من شخص داخل الزمن إلى زمن داخل الصورة. لم تعودي موضوعًا للذكرى، بل أصبحتِ طريقة أخرى لرؤية الأشياء. كل ما يمر عبر العين يحمل شيئًا من أثر تلك الصورة الأولى، وكل مشهد يفتح سؤالًا عن ذلك الحضور الذي لا يحتاج إلى جسد لكي يستمر.

الحب حين يدخل مجال السينما لا يبحث عن الخلود بوصفه إيقافًا للحركة، لأن ما يتوقف يموت. إنه يبحث عن تحرره من الزمن الخطي، عن وجود آخر لا يخضع للقبل والبعد، بل يعيش في تلك المنطقة التي تتجاور فيها اللحظة مع احتمالها.

الحب يصبح منفى، لكنه ليس منفى الفقد، بل منفى التحول. إنه يترك المكان لكي يصبح قوة عابرة للأمكنة، قوة لا تستقر في شيء لأنها تحمل داخلها حركة مستمرة.

فالسينما تحمل منفاها معها، وأنا أحمل منفاي معي.

ليس لأنني فقدت مكانًا محددًا، بل لأن المكان نفسه لم يعد مجرد جغرافيا، بل أصبح صورة تبحث عن زمنها الخاص. لقد تغير معنى الانتماء؛ فلم يعد مرتبطًا بالوجود في مكان، بل بالقدرة على حمل أثر المكان داخل الذات.

أعيش في حضن شمس لم تشرق بعد؛ في تلك المنطقة الافتراضية التي تسبق اكتمال الوجود. هناك لا يكون المستقبل انتظارًا لما سيأتي، بل قوة حاضرة تعمل في داخلنا. أحمي نفسي بطفولتي لا باعتبارها ماضيًا مغلقًا، بل باعتبارها صيرورة مستمرة، منطقة لم يخضع فيها الزمن بعد لقانون الفقد.

أحمل هاويتي كما تحمل الصورة زمنها الخفي. فالهاوية ليست نهاية فقط، بل عمق لا ينكشف إلا لمن يجرؤ على النظر فيه. والمنفى ليس غياب المكان، بل اكتشاف أن الذات نفسها أصبحت مكانًا متحركًا.

لا أبحث عن خلاص من المنفى، لأن المنفى أصبح شكل حضوري الوحيد. فالسينما ليست طريقًا إلى العالم، بل الطريق إلى تلك المنطقة التي يختبئ فيها العالم قبل أن يولد؛ المنطقة التي يلتقي فيها الضوء بالعدم، والحركة بالسكون، والغياب بالحضور.

وحيث تمر الصورة لا تترك أثرًا فقط، بل تفتح إمكانية أخرى للوجود. إنها لا تعيد ما فقدناه، بل تمنح الفقد شكلًا جديدًا يجعل الغائب قادرًا على الاستمرار.

في النهاية لا تبقى الصورة لأنها انتصرت على الموت، بل لأنها تعلمت أن تجعل الموت جزءًا من حركتها. إنها لا تلغي الغياب، بل تمنحه لغة. ولا تهزم الزمن، بل تكشف عن طبقاته الخفية.

سأبقى محاطًا بذاتي، لأن الذات نفسها أصبحت شاشة لا تنتهي؛ شاشة لا تعرض الماضي فقط، بل تواصل خلق ما لم يولد بعد.

الدار البيضاء



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميتافيزيقا الميم الثانية
- الكتابة إلى امرأةٍ لم أكتب اسمها، حتى لا يصبح أقلَّ اتساعًا ...
- محو الكتابة كي تظهر الكتابة دفاتر الأثر الأول
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملحوظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- Casablanca
- من البنية إلى ضدّ البنية: تفكيك مركزية النموذج المسرحي وإعاد ...
- البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية: نحو نقد إبس ...
- بيان أكاديمي ضد الاستعمار المسرحي للعقل العربي
- ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغر ...
- تامغارت
- ماذا سيقول القارئ عند قراءة هذا النص
- كازابلانكا بين الأمكنة المتداخلة دفتر الأماكن المستحيلة
- من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك
- ضد غباء السينما يا اميمة
- قصيدة حب ميتافيزيقية
- La main d’Emma
- إنها الساعة الخامسة في الأبدية
- «علمتني امرأة أمازيغية»،
- «علمتني امرأة أمازيغية: ثلاث ساعات في مطار محمد الخامس»/توضي ...


المزيد.....




- موسكو.. اكتشاف آلات موسيقية أثرية وصفارة نادرة تعود إلى القر ...
- شاهد.. حِرفي سوري يحمي تراثا عمره 1400 عام من الاندثار
- رواية جديدة حول استهداف حراس أحمدي نجاد وتفنيد لمزاعم -نيويو ...
- دعوى تهز عالم الموسيقى والذكاء الاصطناعي في أمريكا.. اتهام ز ...
- نماذج اللغة الضخمة للذكاء الأصطناعي
- مشروع -إنسانيات عربية في الترجمة-.. نافذة فرنسية لتجسير الفج ...
- بمشاركة 16 دولة.. افتتاح الدورة الأولى لمهرجان دمشق الدولي ل ...
- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - الصورة التي تقاوم غيابهات