|
|
قراءة في -العقل والثورة- -2
نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري
(Nayf Saloom)
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 22:07
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
الباب الأول؛ الفصل الثاني نحو المذهب الفلسفي (1800-1802) 1-الكتابات الفلسفية الأولى 1801 هيغل يبدأ حياته الأكاديمية في "يينا" التي كانت عندئذ المركز الفلسفي لألمانيا. فيشته يقوم بالتدريس في جامعة يينا حتى 1799 . يعين شيلنغ أستاذاً في نفس الجامعة سنة 1798 نشر كتاب "ميتافيزيقا الاخلاق" لكانت سنة 1799 حيث يتضمن فلسفة كانت الاجتماعية والحقوقية (القانونية). الحياة العقلية في ألمانيا ما تزال تحت تأثير ثلاثية كانت: نقد العقل الخالص (1781)، نقد العقل العملي (1788)، نقد ملكة الحكم (1790) كان من الطبيعي أن تنشغل أولى كتابات هيغل بهؤلاء الثلاثة (كانت، فيشته، شيلينغ)، حيث صاغ مشكلاته على أساس هذه التيارات السائدة في الفلسفة المثالية الألمانية ونقدها. يرى هيغل أن الفلسفة تنشأ من المتناقضات الشاملة التي يغوص بها وجود الانسان. وهذا الوجود عيني، أي وجود للإنسان الألماني في نهاية القرن الثامن عشر. "إن المتناقضات الشاملة التي يرى هيغل أنها تشيع في الفلسفة تتمثل بصورة عينية في العداوات وذلك التفرق الذي يسود بين الدويلات والامارات الألمانية المتعددة، وبين كل من هذه والدولة الكبرى (الإمبراطورية؛ أو الرايخ)، حيث يشير مصطلح "الرايخ الألماني" (الذي يعني الإمبراطورية الألمانية في الفترة ما حول عام 1800م تحديداً إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي عُرفت لاحقاً باسم الرايخ الأول)، والتي كانت تضم مئات الدويلات والكيانات تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية ومملكة بروسيا قبل أن يتم تفكيكها في عام 1806م بفعل هجوم قوات نابليون الفرنسية. إن "العزلة" أو الأشياء المعزولة التي كشف عنها هيغل في مقالاته الفلسفية تتمثل في أسلوب العناد الذي تتمسك به كل مقاطعة وتحرص، بل كل فرد تقريباً، على تحقيق مصالحه الخاصة دون اعتبار "للمصلحة الكلية العامة". "كان أول تصور أعاد هيغل تفسيره هو تصور العقل Reason. ولقد سبق أن أقام كانت تمييزاً أساسيا بين العقل Vernunft والفهم Verstand وجاء هيغل وأضفى على التصورين معنى جديداً، وجعل منهما نقطة البداية لمنهجه" تؤدي عمليات الفهم إلى نفس نوع التفكير الذي يسود الحياة اليومية فضلا عن حياة العلم (الجزئي)، إذ ينظر إلى العالم على أنه كثرة من الأشياء المحددة التي يستقل كل منها عن الآخر. مثلها في ذلك مثل الفُرقة التي تسود واقع الامارات والدويلات الألمانية. كان مفهوم (الفهم) قبل هيغل يشير إلى أن كل شيء عبارة عن كيان متميز محدد المعالم، يرتبط عبر هذا الوصف بكيانات أخرى محددة المعالم على نفس النحو. ومن هذه البدايات تتكون تصورات، كما تتألف من هذه التصورات أحكام، تشير كلها إلى أشياء منعزلة وإلى علاقات ثابتة بين الأشياء، تعمل التحديدات الفردية على استبعاد بعضها البعض كما لو كانت ذرات أو مونادات (ذرات روحية)؛ وحدة غير قابلة للانقسام ليست هي الآخر، ولا يمكن أبداً أن تصبح هي الآخر" لكن ألمانيا المجزأة والمقاطعات المنعزلة كانت على ما يبدو تخفي ميلاً نحو الوحدة، تماماً كما كان هيغل يأتي بمعنى جديد مفاده أن "الفهم" حلقة أو لحظة في حركة الوجود التاريخي نحو الكلية العينية، وأن التناقضات في مفهوم المتناهي الذي يقاربه الفهم تدفع للتحرك من الفهم إلى العقل كمفهوم للكلية العينية الجامعة للمتناقضات. قد تتغير بعض مواصفات أو خصائص هذه الأشياء المتناهية لكنها تحافظ في طريقها هذا على ذاتها، أي تبقى هي ذاتها بالرغم من التغيرات الكثيرة التي تطرأ عليها. (مثال ذلك الرأسمالية في أشكالها التاريخية: التجارية، الصناعية، والمالية). الفرد المتناهي (الرأسمالية) هو الوجود بالذات Self وأشكاله التجارية والصناعية والمالية هي ذوات Selves للرأسمالية، فهي تشير إلى تعدد جوانب الذات داخل الفرد الواحد الذي لم يزل هو هو. أي الكثرة من أسمائه وصفاته من غير زوال للذات، إنما يكون الانتقال والتغاير للذوات لا للذات. يطلق هيغل على الكيان الذي هو منفصل ومنعزل على هذا النحو اسم المتناهي Das Endliche. هذا المتناهي يمتلك كيفاً نعرفه بمقابلته بالمتناهيات الأخرى: الرأسمالية مقابل الاقطاعية. المتناهي من الداخل يتكثر إلى ما لانهاية، حين نجرده من علاقة التقابل، وينكفئ إلى الداخل منهمكاً بمقولة الكم وهي متكثّرة إلى ما لانهاية وهنا يشتمل المتناهي على اللامتناهي. والمحدود على اللامحدود. من هنا نلاحظ التفاوتات الكميّة الهائلة واللانهائية بين البلدان الرأسمالية سواء المركزية منها أو الطرفية. وكما أن المقابلة بين الأشياء الفردية تخلق تعدداً كيفياً لا نهائياًً للأشياء يسميه هيغل "باللانهائي الرديء" لصعوبة القبض عليه، كذلك الانكفاء إلى حدود الشيء ذاته يخلق هذا التكثر الكمّي اللانهائي وهو ما يسميه هيغل "باللانهائي الجيد" لأن لا نهائيته محدودة بالمتناهي ذاته إن اللامتناهي الكيفي يتكثر حتى في الشيء ذاته كأن نقارن بين طاولتين متماثلتين لكن واحدة بنية اللون وأخرى بيضاء، أو واحدة مربعة وأخرى مستطيلة، إلى ما لانهاية. وهنا حتى لا تغدو الأمور اعتباطية بما يخص تحديد صورة الشيء كاستعداد، علينا دراسة شروط تجلي هذه الصورة بالتحديد، كأن يقال إن الماء ينزل بطبعه من الأعلى إلى الأسفل وهذ هو عين صورته، قلنا إنه يمكن للماء أن يصعد من أسفل إلى أعلى إذا اختلف الشرط كأن تكون درجة الحرارة عالية أو يكون الماء نسغاً ناقصاً في جذع الشجرة فنقول إن عين صورته مشروط، وأن الشرط يخرج إمكانية الماء في الاستجابة. إن دراسة الشروط ورؤية عين صورة الشيء المتجلية هو الديالكتيك مقابل الانتقائية والاعتباط والاختيارية التي تتجاهل الشرط ولا تعيره أي أهمية، وهو نقاش "حول الديالكتيك والاختيارية" جرى بين لينين وبوخارين في كراس لينين "مرة أخرى عن النقابات" 1920-1921 قلنا في أحاديث اليوم الآخر: كيف يكون استعداد الماء للحركة إلى فوق إذا أفرطنا عليه بالتسخين وكيف ينزل إذا أفرطنا عليه بالبرودة وكيف يكون تجلي ذلك الاستعداد هو عين صورته وأن الأفعال الصادرة عنه ليست في الحقيقة له إنما هي لفاعل يفعل به وهو فعل الشرط ودراسة الأشياء في شروطها الزمانية والمكانية، وفي توسط العقل هي سجية ماركسية أساسية، على أساسها تكون الماركسية في العمق علم التوسطات التاريخي. وهذه التوسطات التاريخية هي في أساس ماديتها التاريخية. فلا يمكن عقل أي شيء (الإنتاج الرأسمالي) من دون معرفة شروطه الاجتماعية والتاريخية. إذن الفهم يدرك عالماً من الكيانات المتناهية المشروطة في الزمان والمكان، والتي يحكمها مبدأ الهوية والتضاد (التقابل) opposition مع الكيانات المتناهية الأخرى. كل شيء يكون في هوية مع ذاته مضاد لجميع الأشياء الأخرى، مع أنه يمكن الربط والجمع بينه وبينها على أنحاء شتى وبشكل لانهائي، لكنه مع هذا، لا يفقد أبداً هويته، ولا يصبح أبداً شيئاً غير ذاته. هكذا فإن عمليات الفهم تقسم العالم إلى أقطاب لا حصر لها (لا نهائية سيئة). يعلق ماركوز بالقول: يستخدم هيغل تعبير الفكر (الانعكاس) المنعزل Isolierte Reflection للدلالة على الطريقة التي يكوّن بها الفهم تصوراته المستقطبة (القطبية) ويربط بينها" يرى هيغل أن الأصل في ظهور هذا النوع من التفكير وانتشاره، هو ظهور مجموعة من العلاقات المعينة في الحياة البشرية وسيادة هذه العلاقات" أي لم يصل التفكير إلى فهم العالم على أنه نظام ثابت من الأشياء المنعزلة ومن الاضداد الدائمة إلا بعد أن أصبح العالم كياناً فعلياً منعزلاً عن الحاجات والمطالب الحقيقية للبشر" أي أصبح الانسان في غربة عن عالمه. وقد يوحي القول أن هذه كانت مرحلة غابرة وانقضت، مع أن الامر ليس كذلك فحسب، بل هو وجود عيني مرهون بالشروط، فقد أعادت الشروط الألمانية نهاية القرن الثامن عشر، التي هي خليط هجين من بروز الفردية البورجوازية وبقايا التجزئة الاقطاعية وأنانية الدويلات المنعزلة والامارات كالجزر في البحر، أعادت هذا التناقض إلى الواجهة ما استدعى قول ماركس في مقدمة الطبعة الألمانية الأولى لرأس المال: "إن الأوضاع أسوأ بكثير عندنا في ألمانيا، حيث بلغ الإنتاج الرأسمالي درجة النضج، كما هو الحال في المصانع الحقيقية، ومرد ذلك غياب التأثير المخفف لقوانين المصانع الإنكليزية. وفي جميع الميادين الأخرى، لا نعاني من تطور الإنتاج الرأسمالي فحسب، بل من نقص هذا التطور أيضاً، شأننا في ذلك شأن بقية بلدان غرب أوروبا. فبالإضافة إلى شرور العصر الحالي، ترهقنا سلسلة من الشرور الموروثة الناجمة عن بقاء أنماط انتاج بالية عفا عليها الزمن، مع ما يرافقها بالضرورة من علاقات سياسية واجتماعية تنتمي إلى عصر غابر. إننا لا نعاني من الاحياء، بل من الأموات أيضاً. فالميت يمسك بتلابيب الحي" (رأس المال 19 طبعة الفارابي). وهذا هو حال البلدان الرأسمالية المتخلفة اليوم. لكن الوضع الألماني لم يكن ساكناً، خاصة والعواصف الثورية البورجوازية تزمجر من حوله. لذلك نسمع هيغل يقول: الانعزال والتضاد ليسا هما الوضع النهائي. فما يجب أن يكون (واجب الوجود) ألا يظل العالم نظاماً من المتفرقات الثابتة المتقابلة عصياً على العقل. لا بد للعقل أن يدرك الوحدة الكامنة من وراء الاضداد ويحققها. وحين يتم تحقيق مهمة العقل يكون ذلك في الوقت ذاته استرجاعاً للوحدة المفقودة في العلاقات الاجتماعية بين الناس. هنا نلاحظ تزامن حركة العقل المنطقي الديالكتيكي وحركة الوجود الانطولوجي الاجتماعي لدى هيغل. نقرأ في مقدمة المترجم العربي لكتاب ماركوز "نظرية الوجود عند هيغل": "والاسهام الهيغلي من حيث نواته العقلية ماثل هنا في إبراز حقيقة أن التعيينات الانطولوجية (الوجودية) للواقع، أي المقولات التي تصف الواقع باعتباره كلاً، وحركته وتطوره ليست مبادئ جاهزة نهائية، بل هي معرفة متطورة بالعالم. وتلك المعرفة عملية تاريخية، ومقولاتها لا تشير فقط إلى النشاط المعرفي للذات الإنسانية، بل تشير أيضاً إلى الوجود الموضوعي" [نظرية الوجود عند هيغل: ترجمة إبراهيم فتحي ص5] وكما أن البشر يناضلون عادة للخروج من "العزلة" والاغتراب كذلك تكون "القوة الدافعة للعقل، متميزاً عن الفهم، هي الحاجة إلى "استعادة الكلية"" العينية. من الصحيح القول إن البشر يميلون لعبادة القياس ومحاباة الوضع القائم، حسب الرأي المشترك أو موقف الحس العام لدى الجمهور، وهي نظرة تتسم باللامبالاة وبالأمان الكاذب. إن الرضا عن الحالة الراهنة للواقع وقبول علاقاته الثابتة المحددة، تجعل الناس غير مكترثين بالإمكانات التي لم تتحقق بعد. والتي لا تكون معطاة "بنفس اليقين والثبات" الذي تعطى به موضوعات الحس. هنا يتوجب علينا التشديد على الفرق بين الوعي القائم والذي مجاله كل من الحس العام ومقولات الفهم، وبين الوعي الممكن، أي وعي الكلية العينية بالعقل وصياغة مقولاتها ومفاهيمها نظرياً، جامعاً في وحدة بين الوجود المباشر والموجودات المتعينة من جهة وبين ماهية هذه الموجودات. يقول ماركوز: إن الرأي المشترك أو الحس العام (الوعي المبتذل السائد) يخلط بين المظهر العارض للأشياء وبين ماهيتها، ويظل دائباً على الاعتقاد بأن هناك هوية مباشرة بين الماهية والوجود (المباشر)"، أي أنه يلغي المسافة القائمة بين الوجود ووعي الوجود أومعرفة حقيقته. أي يوحّد من دون وساطة العقل بين الواقعة الحادثية والواقعة الحقيقية، بحيث يغدو الجهد العلمي التاريخي نافلاً. وهو فحوى قول ماركس: لو كانت ظواهر الأشياء وبواطنها متطابقة لغدا العلم نافلاً" إن الفارق الحاسم بين المنطق الديالكتيكي أو منطق العلم التاريخي والذي يسميه هيغل (بالفكر النظري التأملي) وبين الفكر الانعكاسي المفرِّق (الفهم)، أنه ينقض الاضداد الثابتة التي يخلقها الفهم ويتجاوزها (احتفاظ ورفع إلى مستوى أعلى)، ويهدم "أمان" الحس المشترك الزائف المخادع، ويثبت أن ما يعدّه الرأي المشترك (الحس العام) يقينياً على نحو مباشر ليست له أية حقيقة بالنسبة إلى الفلسفة" إن فقدان الثقة في سلطة الأمر الواقع (الوضع القائم) هو نزعة الشك الحقيقية التي يصفها هيغل بأنها "الشطر الحر" في كل فلسفة حقة". إن صورة الواقع الحادثية المعطاة صورة "رديئة" للواقع، وعالم من المحدودية الغبية والخنوع والعبودية. إن الكلية العينية ومعها الحرية بمعرفة الضرورة هي الهدف الباطن للعقل الديالكتيكي الذي لا يمكن بلوغه كما ظن كانت وفيشته، بوضع الذات في مقابل العالم الموضوعي، ووهم الذات بالتحرر من التاريخ والواقع التاريخي بالهروب منه نحو الانطواء الباطني على الذات كما فعلت المسيحية المكرّسة، و كما يفعل المتصوف، بحيث يترك العالم الخارجي مجالاً للضرورة العمياء وعرصة لتهتك الطغاة. يقول ماركوز: لقد هاجم هيغل أسلوباً هاماً هو أسلوب "الاتجاه إلى الباطن"، أو الانطواء، الذي تمكنت به الفلسفة والادب عامة من أن تجعل الحرية قيمة باطنية تتحقق داخل الروح وحدها" وابتعدت عن النضال المكشوف السافر. يقول ماركوز: في الواقع النهائي لا يمكن أن يكون هناك انعزال للذات الحرة عن العالم الموضوعي، ولا بد من رفع هذا التضاد، ومعه كل الاضداد الأخرى التي خلقها "الفهم" إلى مستوى العقل والكلية التاريخية العينية. يطلق هيغل على المرحلة الأخيرة لحركة المحتوى الديالكتيكي للموجودات اسم "المطلق" أو الفكرة المطلقة. إنه يقدمها بطريقة سلبية قبل أن تتعين. إنه السلب الكامل لذلك الواقع الذي يدركه الحس المشترك والفهم. بحيث لا يكون هناك أي وجه للتشابه بين الممكن المطلق وبين العالم المتناهي القائم. إن المطلق هنا في لحظته السلبية متعال ومفارق للواقع القائم. أما في حالة تعين العقل كمقولة عينية أو وحدة أضداد، وعلى حين أن الرأي المشترك والفهم يدركان كيانات منعزلة يقف كل منها في مقابل الآخر، فإن العقل يدرك "هوية أضداد". العقل هنا لا ينتج الهوية الجامعة بعملية ربط أفقية بين الاضداد، بل يرفعها إلى مستوى أعلى ويحولها إلى وجوه لعملية عينية واحدة شاملة. بحيث يحتفظ بمضمونها في شكل أعلى وأكثر واقعية من أشكال الوجود التي يقدمها الفهم والحس المشترك. لنأخذ وجود البضاعة، ووجود العامل أو قوة عمله. بحسب الفهم والحس المشترك اليومي هما نقيضان أو شيئان متقابلان مختلفان تماماً. لكن إذا تم عقلهما ضمن حركة رأس المال الشاملة الكلية العينية تظهر البضاعة والمال وقوة العمل على كون كل منهما بضاعة واحدة حية وأخرى ميتة، أي تظهران كلحظتين من لحظات حركة رأس المال. حتى المال يظهر كمقولة بسيطة ضمن العملية المركبة للرأسمال. وهكذا بعد أن يكون العقل الديالكتيكي قد "نظّم" الكل (هنا يوجد إعادة ترتيب للعناصر يقوم بها العقل كفاعلية ذاتية)، بحيث أن كل جزء (مقولة بسيطة) لا يوجد إلا في علاقته بالكلية العينية (المقولة العينية المركبة)، ولا يكون لكل كيان فردي من دلالة ومعنى إلا في علاقته بالكل". إن الكيان الفردي الذي كان كياناً كلياً في (الفهم) يأخذ كامل دلالته من وجوده الفردي، بات بعد رفعه من قبل العقل الديالكتيكي جزءاً من كيان مركب يأخذ موضعه ودلالته بحسب موقعه في الكل المركب. لم يعد يظهر كضد مقابل للكيان الفردي الآخر، بل يظهر كلحظة في عملية معقدة شاملة. (المال ورأس المال). إن كلمة "كل" اسم موضوع للإحاطة والشمول وتستخدم لأفراد الأشياء تارة وللجمع بينهم تارة أخرى. نقول كل شيء، وكل الأشياء. هكذا يكون المجموع الكلي لتصورات العقل ومعارفه (رأس المال عند ماركس) هو وحده الذي يمثل الكلية العينية (بينما نترك المطلق ليقوم بسلب عظيم تاريخي للكلية، وهيغل يسميه "العدم")، الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه" "إن العقل الديالكتيكي لا يكون ماثلاً أمامنا على نحو كامل إلا على صورة تنظيم شامل للقضايا والحدوس" أي على صورة نسق. (نسق رأس المال). إن الصراع ضد الرأي المشترك (والذي هو غالبا أيديولوجيا الطبقة السائدة)، هو كما رأينا من قبل بداية التفكير النظري التأملي. وعدم الثقة بالحياة اليومية وأمانها هو أصل الفلسفة. يقول ماركوز: يزيد هيغل موقفه إيضاحاً في مقال "الايمان والمعرفة" الذي يضع فيه استنتاجاته في مقابل استنتاجات كانت في "نقد العقل الخالص" ويعلن هيغل أن العقل عند كانت مقتصر على عالم الذهن الباطن ولا يصبح له سلطان على "الأشياء في ذاتها". بعبارة أخرى، ليس العقل، وإنما الفهم، هو المهيمن في الفلسفة الكانتية." يحرص هيغل على أن يذكر أن كانت تغلب بالفعل على هذا القصور في نقاط متعددة عبر الوحدة التركيبية الاصلية للوعي الذاتي " إن الوحدة التركيبية نشاط للذهن يتغلب بواسطته على التضاد بين الذات والموضوع وتجاوزه في الوحدة التركيبية كوحدة أضداد. إذن ففلسفة كانت تنطوي على الصور الصحيحة للفكر، أعني الذات والموضوع ومركبهما (صيرورتهما مركباً ثالثاً). يذهب هيغل إلى أن هذا الثالوث هو الصورة الصحيحة للفكر الموضوعي. وهو لا يتحدث عنه بوصفه إطاراً فارغاً من المحتوى العلمي، بل بوصفه الوحدة الدينامية للأضداد. وحدة الذات العارفة والموضوع وصيرورتهما جوهراً عبر الانتقال والعبور من الحدس المباشر للمعطى الحسي إلى الماهية ومعرفة جوهر الشيء. المنطق التقليدي يعترف بهذه الحقيقة بقوله: لكي نعرف ما يكونه الشيء حقيقة، يتعين علينا أن نتجاوز حالته المعطاة مباشرة، وأن نتتبع العملية التي يتحول فيها إلى شيء غير ذاته. إنه بهذه العملية الديالكتيكية يتحول من معطى حسي جزئي إلى كيان عقلي كلي. ومع ذلك يبقى الحسي، أي لم يزل هو ذاته حتى بعد تحوله إلى صورة عقلية. كذلك الامر حين تجري الحركة الديالكتيكية من المقولة البسيطة إلى المقولة العينية المركبة، الانتقال من مقولة المال إلى الرأسمال، حيث لم تزل النقود نقوداً حتى بعد أن ظهرت كلحظة من لحظات عملية رأس المال المعقدة. وكما تشرق الشمس على الموجودات وتفيض عليها بنورها فإنها لا تزيلها، بل تُظهر أعيانها بعد أن كانت خفية كامنة ممكنة. 2-الكتابات السياسية الأولى إن فقدان الوحدة وحالة التجزئة والعزلة والتنازع بين الدويلات في ألمانيا جعل الرايخ أو السلطة الإمبراطورية عاجزة تماماً، خاصة في حربها الفاشلة مع الجمهورية الفرنسية. هذا الحال الضعيف للدولة الألمانية كان له تأثيره المتغلغل في كتابات هيغل الأولى. يكتب في "دستور ألمانيا؛ كتابات في السياسة وفلسفة القانون": "إن ألمانيا لم تعد دولة.. ولو شئنا أن نسمي ألمانيا دولة لما أمكن أن توصف حالة الانحلال الراهنة التي تمر بها إلا بأنها فوضى، لولا أن الأجزاء المؤلفة لها قد جعلت من نفسها دولاً" قاد ضغط الأوضاع الفرنسية الجديدة إلى نوع من الانحلال والتفكك في ألمانيا. ينتقل هيغل إلى اختبار أساس هذا الانحلال، فيجد أن الدستور الألماني لم يعد يتماشى مع الحالة الاقتصادية الاجتماعية الفعلية (الجديدة) للأمة.. فهذا الدستور أثر من آثار نظام اقطاعي غابر حل محله منذ عهد بعيد، نظام مختلف، هو نظام (المجتمع البورجوازي الليبرالي) ذي النزعة الفردية" ويضيف هيغل في "دستور ألمانيا" قائلاً: "إن استبقاء شكل قديم للدستور في وجه التغير الجذري الذي طرأ على كل العلاقات الاجتماعية ليعني الاحتفاظ بحالة موجودة لمجرد كونها موجودة. ولكن مثل هذا السلوك مضاد لكل معيار وقاعدة عقلية (وجود لا عقلي). فالتنظيم السائد للحياة يتعارض تعارضاً أساسياً مع رغبات المجتمع وحاجاته، وهو قد فقد "كل سلطته وكل هيبته" وأصبح "سلبياً خالصاً" أي فائتاً ". وقد صاغ هيغل هنا سلفاً عبارة انجلس التي قيلت لاحقاً في كتاب "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية "في نقد هيغل والتي مفادها: أن الموضوعة التي تقول بأن كل ما هو واقع، هو معقول، تتحول وفقاً لجميع قواعد طريقة التفكير الهيغلية (الديالكتيك الهيغلي)، إلى موضوعة أخرى، هي أن كل ما هو قائم يستحق الزوال" حسب عبارة غوته في "فاوست"" (لودفيغ فيورباخ، مدخل نقدي ص11) إن عبارة انجلس: " كل ما هو واقع في مجال التاريخ الإنساني يغدو مع مرور الزمن منافياً للعقل، فهو إذن في طبيعته بالذات غير معقول، مطبوع مسبقاً بخاتم اللاعقلية " يمكن صياغتها على النحو التالي: إن طبيعة ما هو واقع هو عين صورته، وهذه الصورة مشروطة تاريخياً، فتارة تكون عقلية، وما أن تتغير الشروط التاريخية حتى تغدو لا عقلية ويتوجب عليها مغادرة المسرح. إن المثال الهام الذي يعطيه انجلس لمقولة هيغل يبين كيف تتحول العبارة وفقاً للديالكتيك الهيغلي من عبارة تكرس الواقع القائم الفاسد إلى عبارة ثورية هدامة للواقع الفاسد القائم. وهذه العبارة مفادها: “كل ما هو واقع معقول، وكل ما هو معقول واقع" تتحول إلى العبارة الثورية: "كل ما هو واقع في مجال التاريخ الإنساني يغدو مع مرور الزمن منافياً للعقل، فهو إذن في طبيعته بالذات غير معقول، مطبوع مسبقاً بخاتم اللاعقلية، وكل ما هو معقول في رؤوس الناس (ممكن)، محكوم عليه بأن يغدو واقعاً مهما كان مناقضاً للواقع المتصور القائم. ص 11 يواصل هيغل كلامه: إذا لا بد من تحطيم النظام السياسي القائم وتحويله إلى نظام عقلي جديد. ولا يمكن انجاز تحول كهذا بدون عنف (ثورة عنيفة). من هنا نفهم قول انجلس: ومثلما كانت فلسفة التنوير الفرنسية مقدمة لثورة 1789 البورجوازية في فرنسا، كانت الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ونقدها مقدمة للانقلاب السياسي سنة 1848. "ومثلما جرى في فرنسا في القرن الثامن عشر، كانت الثورة الفلسفية في ألمانيا، في القرن التاسع عشر، مقدمة للانقلاب السياسي" ص 10 يتابع هيغل القول: لا يمكن تبرير الفكرة بالعنف إلا بقدر ما تكون معبرة عن قوة تاريخية فعلية نضجت في حضن النظام القائم (هيغل هنا ضد التآمر والعصبوية الارهابية). فالفكرة تناقض الواقع حين يكون هذا الأخير مناقضاً لذاته (واستهل تشققه). وفي عبارة مادية تاريخية لامعة يقول هيغل: إن الفكر لا يمكنه أن يهاجم الشكل الاجتماعي القائم بنجاح إلا إذا كان هذا الشكل قد أصبح متناقضاً على شكل صريح مع "حقيقته" الخاصة (التاريخية)". ويرى هيغل أن هذه هي حالة ألمانيا بداية القرن التاسع عشر. يكتب ماركس في "الأيديولوجية الألمانية": "لا يصبح تقسيم العمل فعلياً إلا من اللحظة التي يحدث فيها تقسيم للعمل المادي والفكري. وابتداء من تلك اللحظة يستطيع الوعي أن يتباهى فعلاً بانه شيء يختلف عن وعي الممارسة القائمة ، وأنه يمثل فعلاً شيئاً ما من دون أن يمثل شيئاً فعلياً؛ إن الوعي هو من الآن فصاعداً في مركز يستطيع فيه أن يتحرر من العالم، وأن ينصرف إلى تكوين النظرية "الصرفة" اللاهوت والفلسفة والأخلاق (تكوين صورته المفارقة للعالم القائم) لكن حتى إذا دخلت هذه النظرية من لاهوت وفلسفة واخلاق في تناقض مع العلاقات القائمة ، فإن هذا لا يمكن أن يحدث إلا لأن العلاقات الاجتماعية القائمة قد دخلت في تناقض مع القوى المنتجة القائمة، وإن هذا ليمكن أن يحدث فضلاً عن ذلك ، في مجال وطني معين من العلاقات لأن التناقض في هذه الحال يحدث ليس ضمن هذا المجال الوطني ، بل بين هذا الوعي الوطني وممارسة الأمم الأخرى" (الأيديولوجية الالمانية) الموقف الذي يدافع عنه هيغل هو أن النظام القديم ينبغي أن يحل محله شمول حقيقي Allgemeinheit (ألغيمينايت) وهذا اللفظ الأخير يعني في وقت واحد مجتمعاً يتم فيه تكامل كل المصالح الخاصة والفردية في الكل، بحيث أن الكيان الاجتماعي العضوي الناجم يتفق مع الصالح العام (العمومية الاجتماعية)، كما يعني كلاً (مفهومياً) تندمج فيه وتتكامل كل تصورات المعرفة المنعزلة المختلفة على نحو تستمد معه دلالتها من علاقتها بالكل أو المقولة المركبة العينية. واضح أن طموح هيغل هو أن يجمع في عبارة واحدة نزوع الواقع الألماني نحو العمومية، ونزوع فلسفته النظرانية نحو مقولة الكلية العينية. فكما أن فكرة التفكك في مجال المعرفة تعبر عن التفكك القائم في العلاقات الإنسانية في المجتمع، فكذلك يناظر التكامل الفلسفي تكاملاً اجتماعياً وسياسيا.. فشمول العقل وكليته، التي يمثلها المطلق (الفكرة المطلقة الهيغلية) هي المقابل الفلسفي للعمومية الاجتماعية التي تتواجد فيها كل المصالح الخاصة في الكل. هل كان ماركس أهمَّ نقاد هيغل وأقساهم؟ ألم يجانب الصواب في قراءة جوانب رئيسة في فكر هيغل؟ في أي نقطة كان ماركس هيغليًا أكثر مما ظنَّ هو نفسه؟ عند فحصنا عن الأسس الهيغلية التي استند إليها فكر ماركس، علينا أيضًا أن نسأل أنفسنا: أي هيغل بالضبط استند إليه ماركس؟ الجواب المقترح، والذي يقتضي قلب التسلسل الزمني، هو أن ماركس استند إلى هيغل الماركسي. كيف يمكننا أن نعيد قراءة هيغل باتباع الطرق التي شقها ماركس؟ كيف سيبدو النقد الذي يمكن تصويبه نحو ماركس استنادا إلى هيغل اليوم؟ أي مكان يمكن أن نسنده إلى هيغل في الفكر النقدي المعاصر؟ نأخذ المقتطف: معظم الاتجاهات الماركسية ترى في القلب الذي أحدثه ماركس في ديالكتيك هيغل تطورًا تقدميًا، إنه في نظر هذه الاتجاهات قلبٌ ترك وراءه مثالية هيغل وحوّل روحها إلى نقد مادي للاقتصاد السياسي. تُجادل المقاربات الماركسية الأخرى بأن ماركس الناضج انفصل تمامًا عن هيغل، أو على الأقل ترى أن من الواجب تنظيف الماركسية من أي آثار هيغلية عالقة. وعلى خلاف هذه المقاربات يَرى بعض المفكرين الماركسيين، الذين يُعنون بهيغل أيضا، أننا يجب أن نُقلع عن النظر إلى هيغل من جهة كونه مثاليًا ميتافيزيقيًا، ويدافعون عن قراءة أخرى لفكر هيغل يَبرُز فيها هذا الأخير في صورة مُنظّر، مطلعٍ تجريبيًا، تناول بالرصد والتحليل العالم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، أي أن فلسفته كانت فلسفة "مادية" أكثر مما يعتقد المخالفون. تركز الأبحاث التي يضمها هذا الكتاب على هذا الاتجاه الأخير وتنكب كلها على رصد النزعات المادية التي وقع إهمالها أو القفز عليها في فكر هيغل.. From Marx to Hegel and Back: Capitalism, Critique, and Utopia. Victoria Fareld, Hannes Kuch (editors). Bloomsbury Academic (2020). 280 pages. معنى هذا أن العلاقة بين ماركس وهيغل ليست في اتجاه واحد، بل هي في اتجاهين. لذلك أول عودة إلى هيغل كانت من قبل ماركس نفسه في مقدمات رأس المال بعد ثلاثين عاماً، حين انتقد فلسفة هيغل بشكل عام في " المخطوطات الاقتصادية الفلسفية " سنة 1844 يقول: لقد انتقدت الجانب الصوفي من ديالكتيك هيغل قبل زهاء ثلاثين عاماً يوم كان يمثل الموضة السائدة.. لقد أصبح الديالكتيك، في شكله الصوفي، موضة ألمانية، لأنه بدا وكأنه يمجّد ما هو قائم. أما في شكله العقلاني فهو شيء فاضح بغيض في نظر البورجوازية ومفكريها النظريين، لأنه ينطوي على فهم إيجابي لما هو قائم، ونفي هذا الوضع القائم وانهياره المحتوم في آن واحد. لأن هذا الديالكتيك يرى الاشكال القائمة من منظور الحركة المتدفقة، أي من جانبها الزائل أيضاً، لأنه غير هيّاب، ولأنه في جوهره نقدي وثوري" ويتابع القول: وعلى الرغم أن الديالكتيك قد عانى على يد هيغل من الصوفية، فإن ذلك لم يمنع هيغل من أن يكون أول من عرض الاشكال العامة لحركة الديالكتيك بأسلوب شامل وواع" (تعقيب على الطبعة الألمانية الثانية 1873) في رسالة انجلس في 16 حزيران 1867، وفي سياق مراسلاته مع ماركس بخصوص المجلد الأول من رأس المال وصياغاته التجريدية الصعبة يقول فيها: "ولقد ارتكبتَ في هذه الشروح الأكثر تجريداً خطيئة كبرى إذ لم تجعل تسلسل الأفكار واضحاً بفضل عدد أكبر من الأقسام الصغيرة والعناوين المنفصلة. كان ينبغي لك أن تعالج هذا الجزء على طريقة موسوعة هيغل (موسوعة العلوم الفلسفية)، بفقرات قصيرة، مع تعليم كل انتقال جدلي بعنوان خاص" (مراسلات ماركس-انجلس: ص 218) وفي رسالة ماركس إلى انجلس بتاريخ 22 حزيران 1867 يقول: "إنك على صواب كلياً بشأن هوفمان. ولسوف ترى كذلك من خاتمة الفصل الثالث عندي (رأس المال المجلد الاول) حيث أتطرق إلى تحول المعلم الحرفي إلى رأسمالي-كنتيجة لتبدلات كمية خالصة- إنني أشير في ذلك النص إلى اكتشاف هيغل –قانون التبدلات الكمية الخالصة المنقلبة إلى تبدلات نوعية- على اعتباره صالحاً في التاريخ وفي العلوم الطبيعية على حد سواء" (مراسلات: 221) وفي رسالة ماركس إلى انجلس في 14 كانون الثاني 1858 يقول: "لقد رميت بكل مذهب الربح كما كان موجوداً حتى الآن. وفي منهج المعالجة، فإن نظرية جديدة ألفيتها بمحض الصدفة في منطق هيغل أدت لي خدمة جليلة- لقد عثر فرايليغراث على بعض المجلدات لهيغل كانت في الأصل تخص (ميخائيل) باكونونين وأرسلها إليّ كهدية. وإذا ما سنحت لي ذات يوم الفرصة من أجل مثل هذا العمل مرة ثانية، فلشد ما سوف أود أن أضع في متناول الذكاء الإنساني العادي، في ملزمتين أو ثلاث ملازم مطبوعة، ما هو عقلاني في المنهج الذي اكتشفه هيغل لكن لفّه بالصوفية في الوقت ذاته" (مراسلات: 109) [التشديدات من ماركس] العودة الثانية إلى هيغل كانت من قبل لينين في دفاتره الفلسفة عندما عاد ولخص منطق هيغل بشكل كامل بين الأعوام 1914-1916 منجزاً المهمة التي تعهد بها ماركس ولم ينجزها. يكتب لينين في الدفاتر الفلسفية: "من المستحيل فهم كتاب ماركس "رأس المال" وتحديداً المجلد الأول، من دون قراءة ودراسة منطق هيغل بأكمله بعناية واحكام، وهكذا بعد نصف قرن لم يفهم الماركسيون ماركس". يقول الياس مرقص مترجم دفاتر لينين إلى العربية: لقد "بعث ماركس ديالكتيك هيغل من بين ركام المثالية والصوفية والأسلوب. وكذلك فعل لينين" (الدفاتر ص 11) ففي وقت كانت فيه الماركسية الارثوذوكسية كلها (بليخانوف، كاوتسكي، الخ.) تعاني من نقص فادح في الديالكتيك، وفي لحظة الانهيار الكبير لأوروبا وأحزابها العمالية والعالم (1914) واحتدام وتجدد وتغير التناقضات، أكبّ لينين على هيغل والديالكتيك. إن الطريق الذي قاد إلى أوكتوبر الروسي مر بـ "المنطق الكبير" لهيغل. وفي مجادلات لينين اللاحقة مع "الماركسية اليسارية" ، مع روزا لوكسمبورغ، مع بوخارين، وبياتاكوف، حول المسألة القومية، والامبريالية، (والنقابات العمالية)، قانون تفاوت النمو، تأكيد المسألة القومية، تأكيد عالمية الرأسمالية، المرونة المطلقة والصرامة المطلقة، الحسم، يحتل الديالكتيك مكاناً بارزاً " (12) ثم كانت عودة جورج لوكاش في عمله الكبير "التاريخ والوعي الطبقي" حيث نُشر بالألمانية سنة 1923. يقول لوكاش: "إن كثيرا من المظاهر، الجد أساسية لمنهجية ماركس، وبالأخص تلك المهمة، وباتت أقوى تقريراً، لتفهم المنهجية في تواؤمها المنتظم والفعّال وقد وقعت طي النسيان، وإن تفهّم المركز الحيوي لهذه المنهجية، أعني الجدلية، بات صعباً وشبه مستحيل. على أنه من المستحيل معالجة معضلة الجدلية الملموسة والتاريخية، دون أن ندرس عن كثب مؤسس هذه المنهجية، أعني به هيغل وصلاته مع ماركس. إن تنبيه ماركس كي لا نعتبر هيغل "كلباً فاطساً" ظل حرفاً ميتاً، حتى للكثيرين من الماركسيين الصالحين (إن جهود انجلز وبليخانوف، هي أيضاً ظلت قليلة النتائج) مع أن ماركس دلل بشدة على هذا الخطر، وهكذا فقد كتب بالنسبة لديتزغن "من سوء حظه أنه لم يدرس هيغل بدقة " (رسالة لأنجلس 7/11/1868)"" (من مقدمة "التاريخ والوعي الطبقي") بعد ذلك كانت عودة الفيلسوف الألماني ماركوز التي هي موضوع بحثنا ودراستنا في "العقل والثورة" 1941 باللغة الإنكليزية. إن سوء فهم ماركس في حوار قرن ونيف معه ناجم أصلاً عن إهمال دراسة منطق هيغل كله من قبل محاوريه. يقول ماركوز: يفسر هيغل انهيار الدولة الألمانية عن طريق التقابل بين النظام الاجتماعي الاقطاعي والنظام الجديد الذي أعقبه، أعني المجتمع (البورجوازي) الفردي النزعة. كما يفسر النظام الاجتماعي الأخير (البورجوازي) من خلال تطور الملكية الخاصة. " إن التعيين بالتقابل يعني أنه بات لدينا نظامان اجتماعيان مختلفان كيفياً. وعلى أرضية تشقق المجتمع الاقطاعي بفعل نمو الملكية الخاصة للأفراد برز المجتمع الجديد. فالنظام الاقطاعي بمعناه الصحيح قد أدمج المصالح الخاصة للمقاطعات المختلفة في وحدة مشتركة حقيقية.. ولم تكن حرية الجماعة أو الفرد متعارضة أساساً مع الكل " أي مع النظام القائم، لأن الوحدة المذكورة هي وحدة الجماعات أو العائلات الاقطاعية التي لا يتم التعبير عن مصالحها بشكل فردي، بل بشكل جماعات عائلية أو تحالف عائلات. ولم تظهر النزعة الفردية إلا بعد أن بدأ النظام الاقطاعي بالتفسخ والنبلاء بالإفلاس المالي والمعنوي. أما في العصر الحديث البورجوازي فإن "ملكية الاستحواذ" (حق التصرف) قد أسفرت عن عزل تام للحاجات الخاصة (للأفراد) بعضها عن بعض" (دستور المانيا) يقول ماركوز وهو يقتطف من هيغل: إن الناس يتحدثون عن شمول الملكية الخاصة، كما لو كانت مشتركة بين المجتمع كله (وكأن الجميع يملكون بالفعل أو أن الملكية معممة على الجميع) وبالتالي وحدة يندمج فيها الكل" غير أن هذا الشمول كما يقول هيغل، ليس إلا وهماً قانونياً مجرداً، وحقيقة الامر إن الملكية الخاصة "تظل شيئاً منعزلاً" لا تربطه علاقة بالكل" فالوحدة الوحيدة التي يمكن تحقيقها بين أصحاب الملكية هي الوحدة المصطنعة لنظام حقوقي (قانوني) يطبق على نحو شامل. غير أن القوانين تقتصر على تثبيت وتقنين الأوضاع الفوضوية السائدة للملكية الخاصة، ومن ثم فهي تحيل الدولة (البورجوازية) إلى مؤسسة توجد من أجل مصالح خاصة" لقد كان الامتلاك موجود قبل القانون، وقد جعل ما تم تملكه تملكاً خاصاً، حقاً قانونياً" وعلى ذلك يضيف هيغل: أن القانون الدستوري الألماني هو في معناه الصحيح قانون خاص، والحقوق السياسية صور للتملك ولحقوق الملكية أضفيت عليها صبغة شرعية. والدولة التي تصبح فيها المصالح الخاصة المتعارضة مسيطرة على هذا النحو في كل الميادين لا يصح أن تسمى مجتمعاً مشتركاً (فضاء عاماً) بالمعنى الصحيح. لهذا يصرح هيغل: "أن الصراع من أجل استغلال سلطة الدولة في الملكية الخاصة يؤدي إلى تحلل الدولة ويجلب لسلطتها الدمار" إن مبدأ حق الملكية يسري في النظام الجديد كمبدأ حقوقي دون أن يعني أن الجميع يملك فعلياً، بل نلاحظ أن الملكية (ملكية وسائل الانتاج) تتركز عند القلّة. ولذلك فإن الدولة التي تستحوذ عليها المصالح الخاصة، ينبغي على الأقل أن تتخذ مظهر العمومية الاجتماعية الحقيقية لكي تخمد أوار الحرب العامة، وتدافع بالمثل عن حقوق الملكية لدى أفرادها جميعاً. وهكذا تصبح هذه العمومية الاجتماعية سلطة مستقلة ترفع فوق مستوى الافراد.. إن كل فرد يريد أن يحيا بفضل سلطة الدولة آمناً على ما يملك، وتبدو سلطة الدولة في نظره شيئاً غريباً يوجد خارجه. وهكذا نجد أن هيغل قد سار في هذه الفترة في نقده لبناء المجتمع الحديث (البورجوازي) إلى حد أنه وصل للاستبصار بالطريقة التي تصبح بها الدولة كياناً مستقلاً يعلو على الافراد" يعلق ماركوز بالقول: أعاد هيغل كتابة مؤلفه "عن الدستور الألماني" مرات متعددة. ولكن الشكل النهائي الذي اتخذه ينم عن حدوث ضعف ظاهر في اتجاهه النقدي" ما يشير إلى تحسسه تجاه الضعف التاريخي للبورجوازية الألمانية وميلها لإجراء تسويات مع اليونكر، وهم طبقة ملاك الأراضي الأرستقراطيين والنبلاء في بروسيا (أبرز الولايات الألمانية قديماً). سيطرت هذه الطبقة المحافظة بشدة على السياسة، والجيش، والاقتصاد الألماني لقرون، ولعبت دوراً كبيراً في توحيد ألمانيا ورفض الأفكار الديمقراطية البورجوازية. إن فكرة هيغل عن الدولة القوية ذات السلطة المركزية كانت في ذلك الوقت فكرة تقدمية، تهدف إلى تحرير القوى الإنتاجية المتوفرة، التي كانت الاشكال الاقطاعية القائمة تعترض طريقها. وقد أكد ماركس بعد ما يقارب من أربعين عاماً، في تاريخه النقدي للدولة الحديثة، أن الدولة المركزية ذات السلطة المطلقة تمثل تقدماً ملحوظاً بالقياس إلى أشكال الدولة الاقطاعية وشبه الاقطاعية. ومن ثم فإن اقتراح إقامة دولة ذات سلطة مطلقة ليس في ذاته علامة على ضعف الاتجاه النقدي عند هيغل، بل إننا نلاحظ هذا الضعف في النتائج (التعميمات) التي يستخلصها هيغل من مفهوم الدولة المطلقة عنده. يقول ماركوز: في المقال الذي كتبه هيغل عن الدستور الألماني يظهر لأول مرة في كتاباته اتجاه متميز لإخضاع الحق للقوة." هذا يعني كما أفهمه إخضاع المجتمع المدني لسلطة دولة شمولية استبدادية بسبب الافتقار إلى وجود طبقة حديثة قادرة على الهيمنة والسيادة عبر دولة ديمقراطية بورجوازية حديثة. إن ضعف البورجوازية الألمانية واحتفاظ اليونكر بالسيطرة على البنى الفوقية جعل من الدولة تظهر وكأنها كيان مستقل تماماً عن المجتمع المدني ومتسلط عليه ولا مصالح لفئات وطبقات فيه. هذا كله نتيجة تعادل قوة الطبقات القديمة والجديدة وضعف الاخيرة. هذا التسلط واستقلالية الدولة رفع من شأن المثل الأعلى للأمة الألمانية، وأبرز الأمة كوجه خارجي قومي، خاصة وأن التنافس والتناحر بين البورجوازيات القومية كان في طريقه إلى الازدهار، حيث يجري ترحيل النضال الطبقي الداخلي بعد كمونة باريس إلى صراع خارجي بين الأمم (الصراعات الطبقية في فرنسا). الصراع الفرنسي الإنكليزي والصراع الفرنسي مع بروسيا وروسيا لاحقا. في هذه الحالة تغلب فكرة القومية فكرة الديمقراطية وتنحّيها، حيث يظهر مفهوم الشعب منسوباً إلى الامة ويجري تهميش مفهوم الشعب أو الجماهير الشعبية المنسوب إلى الدولة. كان هيغل حريصاً على أن يحرر دولته ذات السلطة المركزية من أية قيود قد تقف في وجه فعاليتها، ومن ثم فقد جعل مصلحة الدولة تعلو على مشروعية الحق (المدني) في ملاحظاته عن السياسة الخارجية لدولته يقول ماركوز على لسان هيغل: إن الحق كما يقول هيغل ينتمي إلى "صالح الدولة"، الذي تحدده للدولة وتمنحه لها عقود مع دول أخرى". وخلال نشاط الدولة لتحقيق مصالحها "القومية" "لا بد أن يتعارض صالح دولة، إن عاجلاً أو آجلاً مع صالح دولة أخرى". إن ما كان يتجلى في الإمبراطورية الفرنسية من انحطاط سريع للديمقراطية البورجوازية عبر تحويل الصراع الطبقي في الداخل بعد هزيمة الكمونة 1871 إلى صراع بين الأمم، كان يعمل كدولة تسلطية في الإمبراطورية الألمانية من البداية، بحيث كان يحل محل التضامن الاممي التعصب القومي الشوفيني الاعمى أحياناً. "حق يقف في مواجهة حق آخر" هو التعبير عن المواجهة بين الأمم في أوروبا نتيجة الانانية البورجوازية والتي كلفت أوروبا نتائج كارثية لحربين عالميتين. وفاشية عنصرية في كل من ألمانيا وإيطاليا. "وحينئذ لا بد للحرب أن تقرر، لا إن كان هذا الحق صحيحاً وعادلاً، "إذ أن كلا الجانبين له حق صحيح"، بل أن تقرر أي حق ينبغي له أن يستسلم للآخر" هذا ما يقوله هيغل بما يشبه النبوءة وليست بنبوءة لأن المدافع الفرنسية كانت تدك بروسيا، بينما هيغل منكب على كتابة فينومينولوجيا الروح (علم ظهورات الروح 1807). بدأ "الغزو الفرنسي لألمانيا عام 1807" وهو المرحلة الحاسمة من حرب التحالف الرابع؛ حيث هزم جيش الإمبراطور نابليون بونابرت القوات البروسية والروسية على الأراضي الألمانية وبولندا، مما أدى إلى انهيار مملكة بروسيا وفرض هيمنة فرنسا الكاملة على أوروبا الوسطى. يقول ماركوز: سوف نصادف هذا الرأي نفسه (لهيغل) معروضاً بتوسع كبير في "فلسفة الحق (القانون)". حيث نشرت "أصول فلسفة الحق" لهيغل في برلين صيف 1821 " يقول ماركوز: هناك نتيجة أخرى تستخلص من فكرة دولة القوة، هي وضع تفسير جديد للحرية. وهو يحتفظ بفكرة أن الحرية النهائية للفرد لن تتحقق إلا داخل الكل ومن خلاله. وعلينا ألا نخلط هذه الفكرة بفكرة ماركس في الأيديولوجية الألمانية التي مفادها أن لا معنى لحرية الفرد إلا ضمن الجماعة. وكان هيغل قد أكد هذه النقطة بقوة في مقاله عن الفرق بين مذهبي فيشته وشيلنغ، الذي قال فيه إن المجتمع الذي يتمشى مع معيار العقل ينبغي تصوره "لا على أنه قيد على حرية الفرد الحقيقية، بل على أنه توسيع لها.. وأرفع المجتمعات هو أرفع الحريات، في سلطته وفي ممارسته لها". إن فكرة هيغل هنا تلتقي مع فكرة ماركس لكنها تتعارض مع فكرته عن "دولة القوة" ففي دراسته للدستور الألماني وفي طبعة متأخرة يقول: "إن العناد الذي يتسم به الطبع الألماني لم يسمح للأفراد بأن يضحوا بمصالحهم الخاصة من أجل المجتمع (الدولة) أو بأن يتحدوا في صالح مشترك، ويجدوا حريتهم في الخضوع الكامل للسلطة العليا للدولة." لم تكن دولة هيغل سوى دولة تسويات طبقية تاريخية، بالتالي دولة امتيازات لجماعات نافذة في الدولة (اليونكر). هنا يطغى العنصر الجديد، عنصر الخضوع والتضحية على مذبح الدولة المتسلطة، على الفكرة الأسبق عند هيغل والقائلة إن صالح الفرد يحتفظ به احتفاظاً تاماً في الكل.. وهنا قد خطا هيغل الخطوة الأولى (حسب ماركوز) المؤدية إلى التوحيد بين الحرية والضرورة، مع سيطرة الضرورة ، أي الخضوع للضرورة في مذهبه النهائي ، والذي جعل منه كما يقول ماركس لاحقاً موضة ألمانية ترمز للخنوع بدل أن ترمز للجانب الثوري في مذهبه. مذهب الاخلاق: تعتبر المسودة الأولى لذلك الجزء من مذهب هيغل، المسمى بفلسفة الروح، أو "نسق الاخلاق"، من أصعب الكتابات في الفلسفة الألمانية. وكون فلسفة الروح سوف تناقش بإسهاب في الفصل الثالث (مذهب هيغل الأول: مذهب يينا 1802-1806) فسوف نعلق بملاحظات مقتضبة سريعة على هذه الفقرة التي تشير إلى الاتجاهات العامة في فلسفة هيغل. نسق الاخلاق شأنه شأن المسودات الأخرى لفلسفة الروح، يبحث في تطور الثقافة culture، التي قصد بها الكل الشامل لأوجه نشاطات الانسان الواعية الهادفة في المجتمع. والثقافة تنتمي إلى مجال الروح. إن موضعة أو محايثة النشاط الثقافي للإنسان تعني تحول الفعالية الذاتية إلى شيء موضوعي (تشييء الروح أو موضعتها). أي الحضارة بوصفها نواتج فعالية البشر الروحية التي تؤلف عالم موضوعي أو طبيعة جديدة. وهذه الأشياء الجديدة من الجهة الأخرى الأساسية مخلوقات للفعالية الذاتية الروحية للبشر. هي إذن "الوحدة الممكنة بين الذات والموضوع.". إن الأشياء التي خلقها البشر بفعاليتهم الاجتماعية التاريخية تغدو شرطاً جديداً لهم وقد تقف ضدهم كقوة موضوعية غريبة خارجة عن سيطرتهم. يكشف تطور التاريخ والثقافة عن مراحل ومستويات مختلفة للعلاقة بين الانسان وعالمه (شرطه)، مستويات ومراحل مختلفة لفهم العالم والسيطرة عليه وتكييفه تبعاً لحاجات الانسان وامكاناته. وباعتبار هذه المسيرة البشرية تتضمن وعي البشر بتطورهم التاريخي، وتتضمن نضالات البشر لتغيير عالمهم الفاسد المعوج، فإن هيغل ينظر إلى العملية ذاتها على أنها عملية انطولوجية، أساسها تفسير ما هو كائن من وقائع حادثية، فضلاً عن كونها تاريخية، فهي تطور فعلي للنضالات العملية للبشر. وباعتبار أن مسيرة هيغل الفلسفة كانت ترفع شعار التفسير أولاً، أي رفع الواقعة الحادثية إلى مستوى الوعي الفلسفي والواقعة الحقيقية العينية، يصبح مفهوماً لديناً قول ماركوز: "تكتسب العملية الأنطولوجية (وعي الوجود وتفسيره) خلال التطور التدريجي لفلسفة هيغل، أهمية متزايدة بالقياس إلى العملية التاريخية، إلى أن يأتي وقت تنفصل فيه، إلى حد بعيد، عن جذورها التاريخية الاصلية". وهذا ما يصرح به هيغل بشكل واضح في أصول فلسفة الحق 1521 بالقول: "فمهمة الفلسفة هي أن تفهم ما هو موجود، لأن ما هو موجود هو العقل" (أصول فلسفة الحق: 116) يقول هيغل بما معناه: تختلف أشكال التجمع البشري (الجماعات البشرية) باختلاف درجات التكامل (تقسيم العمل) التي يتم بلوغها فيها.. وتكون وسيلة التكامل في البداية هي الاسرة (الإنتاج العائلي أو الاسري)، ثم النظم الاجتماعية للعمل، والملكية والقانون (المجتمع المدني)، وأخيراً الدولة السياسية. واضح أن المجتمع المدني عند هيغل يشغل الفضاء الخاص ما بين الاسرة والدولة أو الفضاء العام. وهذا الانتقال أو "الامتداد" من العائلة أو الاسرة إلى المجتمع المدني جرى في أوروبا الغربية "بشكل سلمي"، بعكس ما جرى عندنا نحن العرب حيث جرى الانتقال من الاسرة إلى المجتمع المدني البورجوازي بشكل عنيف وقسري غير سلمي عبر التدخل الاستعماري الغربي الامبريالي المباشر وفرض الوصاية والانتداب على المنطقة العربية. من هنا لا يوجد تماثل في التطور المادي التاريخي للأقاليم العربية مع الأقاليم الاوربية الغربية في انتقالها إلى النمط الرأسمالي، بل يوجد اختلاف وتميّز ضمن التطور الكوني الرأسمالي في الانتقال من الاسرة (الإنتاج الاسري) إلى الإنتاج الرأسمالي الاجتماعي الشامل والمجتمع المدني البورجوازي. يكتب هيغل: "امتداد الاسرة بانتقالها إلى مبدأ جديد، هو في بعض الأحيان امتدادها السلمي في العالم الخارجي حتى تصير شعباً، أعني أمة (أمة-دولة)" (أصول فلسفة الحق: 429) وأقول: وفي أحيان أخرى امتدادها غير السلمي العنيف بفعل التدخل الامبريالي الاستعماري المباشر في الأقاليم العربية، حيث تحولت المنطقة إلى إدارات قطرية مجزأة فرضها تنوع القوى المستعمرة. إن المفاهيم الاقتصادية الاجتماعية العينية التي يردها هيغل في هذه الفصل تبلورت بعد قراءته للاقتصاد السياسي الإنكليزي. حيث طالع أعمال آدم سميث وجون ستيورات ميل بشكل مكثف بين 1803-1806 خلال فترة تدريسه في جامعة "يينا". وقبل تأليفه كتابه الشهير "ظاهريات الروح" 1807 يقول ماركوز: لن نتناول هنا بالبحث المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية العينية التي يملأ بها هيغل هذا الإطار، ما دمنا سنصادفها مرة أخرى في مسودات فترة "يينا" التي وضعها لفلسفة الروح" يصف هيغل مختلف النظم والعلاقات الاجتماعية بأنها نسق أو وحدة من القوى المتناقضة، التي تنبثق من شكل العمل الاجتماعي (النظام الذي يحكم العمل الاجتماعي). فشكل العمل هذا يحور المجهود الخاص للعامل، وهو المجهود الذي يقوم به لإشباع حاجات الخاصة، إلى "عمل عام" يؤدي إلى انتاج سلع للسوق" يطلق هيغل على هذا العمل الأخير اسم "العمل المجرد والكمي" وهو ما أسماه ماركس في رأس المال: "القيمة المجردة" أو القيمة التبادلية ذات الطابع الكمي (أي يمكن قياسها كمياً)، وهي قوة عمل متحولة إلى قيمة تبادلية. في مقابل القيمة الاستعمالية النوعية أو الكيفية التي هي موضع الاستهلاك والطلب. يضيف ماركوز القول: يذكر هيغل أن هذا التحول من العمل الخاص (الإنتاج الاسري) إلى العمل العام (العمل المأجور في المجتمع المدني البورجوازي) هو علّة اللامساواة بين الناس وبين الثروات. حيث يقترح ما يشبه دولة رعاية اجتماعية للتخفيف من حدة التفاوتات الاجتماعية الطبقية. يقول ماركوز ملخصاً موقف هيغل: "ليس في وسع المجتمع أن يتغلب على التعارضات الناشئة عن هذه اللامساواة، ومن ثم فإن من واجب "نظام الحكومة" أن يركز جهوده على هذه المهمة." سوف يتحول "هذا العمل العام إلى قوة غريبة عن الفرد، لا سلطان له عليها " وهو ما يسمى بالـ "الاغتراب الاجتماعي الاقتصادي" للفرد في المجتمع الرأسمالي، حيث ينفصل منتوج الفرد عنه ويغدو قوة غريبه تقف في مواجهته وتقهره وهي تحت تصرف الرأسماليين. هذه القوة الغريبة (الشرط) هي التي تحدد إن كانت حاجاته ستلبى أم لا. وقيمة نتاج العمل "مستقلة عن الفرد، ومعرضة لتغير دائم" وكان ماركس قد حدد هذه القيمة لاحقاً في الرأسمال بـ "وقت العمل الضروري اجتماعياً لإنتاجها"، ووقت "العمل الضروري اجتماعياً" هذا يختلف من مجتمع لآخر حسب درجة التطور الصناعي والتقني. يضيف هيغل: "ونظام الحكومة ذاته هو من هذا النوع الفوضوي (الاعتباطي)" فما يحكم في الرأسمالية "ليس إلا المجموع الاعمى اللاواعي للحاجات وطرق اشباعها" وقد يقال إن الرأسمالية الاحتكارية أكثر تبصراً وتنظيماً، وهذا وهم على مستوى الاقتصاد القومي الكلي والعالمي، ولكنه صحيح على مستوى عمل الشركة الاحتكارية وتنظيمها. يصل هيغل في استنتاجاته إلى تخوم الدعوة لإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ بالتالي إلى تخوم الدعوة الشيوعية. يقول ماركوز ملخصاً هيغل: "لا بد للمجتمع من أن يسيطر على "مصيره اللاواعي الاعمى" غير أن هذه السيطرة تظل ناقصة مادامت الفوضى العامة في المصالح سائدة.. فالغنى المفرط يسير جنباً إلى جنب مع الفقر المفرط، والعمل الكمي البحت يدفع الانسان إلى "حالة من البربرية المتطرفة" ولا سيما ذلك الجزء من السكان "الخاضع للعمل الآلي في المصانع" يقترح هيغل هنا مرحلة في الحكم أو ما يسميه "نسق أو نظام للعدالة"، حيث يوجد توازن بين المتناقضات أو العداوات القائمة، مع الإبقاء على علاقات الملكية السائدة (دولة رعاية اجتماعية) لا تفعل ذلك إلا من خلال علاقات الملكية السائدة. هنا ترتكز الحكومة على ممارسة العدل وفقاً لمساواة جميع المواطنين أمام القانون بشكل تجريدي. أي تطبق القانون بشكل عام "دون أي مراعاة للعلاقة التي تربط بين الشيء وبين حاجات أي فرد بعينه" إذن من المستحيل حسب هيغل أن يتحقق مبدأ الحرية، أعني "المبدأ القائل أن المحكومين يصبحون هم ذاتهم الحاكمين" تحقيقاً تاماً لأية حكومة لا تستطيع التخلص من المنازعات القائمة بين المصالح الخاصة" وعلى ذلك فالحرية لا تظهر إلا في المحاكم والحقوق المجردة وباعتبار أن هناك تعادل لقوة الطبقات في ألمانيا بحكم الضعف التاريخي للبورجوازية الألمانية وقوة اليونكر فإن هيغل يميل في هذه المجموعة من كتاباته إلى مفهوم "النظام والانضباط" وإلى الدكتاتورية العسكرية والفاشية المعبئة للجماهير. يقول: "إن النظام العظيم يعبر عنه في الاخلاق العامة، وفي التدريب على الحرب، وفي اختيار القيمة الحقيقية للفرد في الحرب" إنه يدعو إلى نظام اسبارطي عسكري سياسي صارم يعلي من شأن قوة الدولة العسكرية على حساب الحياة المدنية ورفاهية الفرد. وهكذا ينتهي الامر بهيغل إلى دولة تسلطية تعمل على قمع العداوات المتزايدة في المجتمع ذي النزعة الفردية. يقول ماركوز: والواقع أن مناقشة هيغل لمختلف مراحل الحكم إنما هي وصف عيني للتطور من نظام سياسي ليبرالي إلى نظام تسلطي، وهو وصف ينطوي على نقد ضمني للمجتمع ذي النزعة الليبرالية، إذ أن مؤدى تحليل هيغل هو أن المجتمع الليبرالي تتولد عنه بالضرورة دولة تسلطية. إن طابع هذا النظام البورجوازي الليبرالي سلبي في أساسه، إذ أن نفس طبيعة البناء الاقتصادي (القائم على الملكية الخاصة والإنتاج الكمي) تحول دون قيام صالح مشترك حقيقي" بقول آخر إن النظام البورجوازي بكافة أشكاله التجارية والصناعية والمالية نظام برزخي انتقالي للبشرية، لا يصلح للعيش المشترك وإقامة مجتمع مشترك عاقل ولا يقيم اعتباراً للحياة العامة وحياة الحرية، لكنه يؤسس سلبياً لهذه المرحلة الموعودة، وهي الشيوعية. يهاجم هيغل فكرة القانون الطبيعي وينتقدها بشدة (عند هوبز وجون لوك) ومعها نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، لأنها على حد قوله تبرر كل الاتجاهات الخطرة التي تهدف إلى اخضاع الدولة للمصالح المتعارضة للمجتمع ذي النزعة الفردية. مثال ذلك أن نظرية العقد الاجتماعي لا تدرك أن الصالح العام يستحيل أن يستمد من إرادة أفراد متنافسين ومتنازعين". لا ينظر القانون الطبيعي إلى الانسان ككائن تاريخي عيني، بل يبدو في نظرية القانون الطبيعي ككائن مجرد، يصبح فيما بعد مزوداً بمجموعة اعتباطية من الخصائص. ويتغير اختيار هذه الخصائص تبعاً للاتجاه الذي ترمي النظرية الخاصة إلى تبريره والدفاع عنه" إنها تحول الفردية إلى صنم والديالكتيك إلى اختيارية. ومما يؤكد الوظيفة التبريرية لفكرة القانون الطبيعي أنها لا تعمل حساباً لمعظم الصفات التي تميز وجود الانسان في المجتمع الحديث (كالعلاقات العينية للملكية الخاصة، والاحوال السائدة للعمل [العمل الأجير] وغير ذلك). لقد نادت المسودة الأولى لفلسفة هيغل الاجتماعية بالفكرة التي تكمن وراء مذهبه كله، وهي أن النظام الاجتماعي الموجود، المبني على نظام العمل الكمي المجرد (القيمة التبادلية)، وعلى تكامل الحاجات عن طريق تبادل السلع (تقسيم العمل)، عاجز عن تأكيد وإقامة مجتمع مشترك عاقل. هذا النظام يظل في أساسه نظاماً من الفوضى واللامعقولية، تحكمه آليات اقتصادية عمياء، وهو يظل نظام من العداوات تتكرر دوماً، والتي لا يكون كل تقدم فيها سوى توحيد مؤقت للأضداد. وهكذا فإن مطالبة هيغل بدولة قوية مستقلة (متسلطة) كانت مستمدة من استبصاره بالمتناقضات التي لا يمكن التوفيق بينها في المجتمع الحديث. ولقد كان هيغل أول من توصل إلى هذا الاستبصار في ألمانيا. لم يكن نمو الطبقة العاملة الجديدة قد ظهر سياسياً بعد بالشكل الذي يدفع نحو تخوم الدعوة الشيوعية ومعها إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الاجتماعية. فقد توفي هيغل سنة 1831 وكان أول ظهور سياسي نضالي للبروليتاريا الباريسية سنة 1830 حيث شكلت الطبقة العاملة قوة ضاربة في الأيام المجيدة الثلاثة الأولى، لكن ثمار الانتصار كان بصالح البورجوازية الليبرالية التي نصّبت لويس فيليب "كمواطن ملك" لحماية مصالح الأثرياء"
#نايف_سلوم (هاشتاغ)
Nayf_Saloom#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
-
الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
-
قراءة في -العقل والثورة- 1
-
استهلال كتاب -العقل والثورة-
-
-العَلْمانيّة- من منظور جديد
-
قراءة في رواية -سيدهارتا-*
-
محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
-
-الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات - سر البناء النظري
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي -بسِمات تاجر
...
-
الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة المدنية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-حاشية نقدية رقم 5
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات حاشية نقدية رقم 4
المزيد.....
-
إسرائيل تعلق بعد إصابة 5 أفراد من الجيش اللبناني إثر انفجار
...
-
سفن راسية في مضيق هرمز وسط نفي إيراني لاتفاق إعادة فتح الممر
...
-
صناعة المحتوى: هل تصير العُزلة أسلوب حياة يُطمح إليه؟
-
إيران تقترب من اتفاق مع عُمان بشأن مسار الملاحة عبر هرمز
-
بسبب البيانات المنشورة.. هل كتبت المعاناة على ضحايا إبستين؟
...
-
وكالة -إفي-: أكثر من ألف مهاجر يتجمعون أمام مركز إيواء في سب
...
-
هل أخفى فاوتشي ما كان يعرفه؟.. مقال يثير تساؤلات جديدة حول ج
...
-
الخارجية الإيرانية: اتصالات من إنجلترا وبلغاريا وأوكرانيا تؤ
...
-
قيادي في -حماس-: إسرائيل غير معنية باتفاق وطالبنا الوسطاء با
...
-
وزارة الدفاع الإيطالية: تفتيش ناقلة نفط ترفع علم الكاميرون ب
...
المزيد.....
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
المزيد.....
|