أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتصم الصالح - البجع القبيح















المزيد.....

البجع القبيح


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 22:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أعماق النفس البشرية، حيث تتشابك ظلال الخير والشر في رقصة أبدية، يقبع سؤال لم يجد له الفلاسفة إجابة شافية، ولم تهدأ عنه أقلام الشعراء والكتاب: كيف يتحول الإنسان العادي إلى حاكم، وكيف يتحول الحاكم إلى صنم، ثم إلى طاغية، وأخيراً إلى ذكرى ملعونة في تاريخ الشعوب؟
الحقيقة التي تخفيها الأنظمة ولا يجرؤ على البوح بها سوى العظماء هي أن الشر ليس كائناً غريباً حلّ علينا من خارج الكون، بل هو جزء منا. "إن قاتلها لم يسقط من غيمة، ولم يأت من عالم الأحلام... لقد خرج من أحشائنا"، كما قالت الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، حين كشفت النقاب عن وجه القاتل الذي ارتدى عباءة النبي ليقتل كويتها.
إنها مسرحية كونية عظيمة، لكن الأداء فيها سيء للغاية، لأن الأدوار موزعة من دون عدل ولا إنصاف. يقول دانييل خارمس في حكمته الساخرة: "حسناً فعل الممثلون! إنهم يختارون ما يمثلون... لكن في الحياة، ليس الأمر كذلك. فالرجال والنساء يُجبرون على أداء أدوار لا تناسبهم. إن غيلدينسترنزنا يمثلون هاملت، وهاملتزنا يمثلون دور المهرج الأمير هال". وهكذا نجد أنفسنا، شعوباً وأحكاماً، نؤدي مسرحية عبثية لا نعرف فيها من نحن، ولا من يفترض أن نكون.
ازدواجية المثقفين... من المديح إلى الهجاء
ولعل أغرب فصول هذه المسرحية هي تلك التي يؤديها المثقفون أنفسهم. أولئك الذين يفترض فيهم أن يكونوا شهود الحقيقة، نراهم يتقلبون بين النقيضين كمن لا يملك إرادة. ها هو نزار قباني، شاعر المرأة والحب، يكتب رسالة مديح بخط يده إلى صدام حسين يقول فيها: "جئتُ إلى بغداد مكسوراً، فإذا بصدام حسين يُلصق أجزائي.. وجئت كافراً بممارسات العرب وإذ بصدام يردَ إليَّ إيماني".
لكن سرعان ما تنكشف الحقيقة، وتأتي هزيمة الخليج لتكشف العورة، فيتحول المديح إلى هجاء لاذع، فيكتب قباني:
"في كل عشرين سنة...
يأتي إلينا نرجسي عاشق لذاته...
ليدعي بأنه المهدي... والمنقذ"
ثم يوجه السؤال الأقسى، السؤال الذي يجرح كبرياء الأمة بأكملها:
"هل النظام في الأساس قاتل؟...
أم نحن مسؤولون عن صناعة النظام؟"
هذا التحول المذهل ليس مجرد نزوة شعرية، بل هو مرآة تعكس أزمة المثقف العربي الذي يمدح اليوم ما سيلعنه غداً، لأنه لم يمتلك في البداية الشجاعة ليكون صادقاً.
سعاد الصباح... حين تحولت القصيدة إلى سكين
وبينما كان قباني يهجو من مدح، كانت سعاد الصباح، التي كانت قد مدحت صدام في وقت سابق، تكتب قصيدتها الشهيرة "من قتل الكويت؟"، لتتحول القصيدة إلى محكمة أخلاقية تحاكم فيها ليس الغازي فحسب، بل الذات العربية جمعاء.
تقول في ذروة اتهامها:
"ألم نكن نحن الجوقة التي تغني لهذه الأنظمة؟
ألم نهتف نحن للزعيم؟
ألم نلمع بأشعارنا ونثرنا أحذية حكامنا؟
ألم نجعل أخطاءهم تبدو أجمل بأقوالنا الرقيقة والكاذبة؟
ألم نتبع دوماً كالخراف موكب الحجاج؟"
ثم تصل إلى ذروة الاتهام حين تكشف أن القاتل لم يأت من خارج التاريخ العربي، بل هو امتداد بشع له:
"إنه الاستمرار البشع لفكرة كربلاء، وعنف كربلاء، والموت الإجرامي للحسين المطعون في الظهر على رمال كربلاء!
ما قتله هو ثمرة أرضنا. إن الذي قتله ليس إلا مغامراً، ارتدى عباءة النبي!"
وتكرر الاتهام بصورة أقسى:
"الذي قتل الكويت لم يولد من لا شيء... لقد خرج من أحشائنا، من وجوهنا الشاحبة، من عاهاتنا، من خياناتنا...
نحن من صنعناه، وصنعناه على صورتنا."
عبقرية الشر... وصراع الموت والحياة
في هذا السياق المأساوي، يتجلى عمق رؤية أندريه تاركوفسكي، المخرج والمفكر الروسي الكبير، الذي قال: "الشر ليس كائناً مستقلاً، بل هو غياب الخير، كما الظل غياب النور. الإنسان يحمل الشر في داخله كما يحمل الخير. ومعنى وجودنا هو أن ننتصر على الشر في أنفسنا. ولكن الأخطر على الإطلاق هو أن نبدأ في محاربة الشر ليس داخلنا، بل داخل الآخرين".
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: حين يمتلك الحاكم السلطة، يُصبح محاربة الشر في الآخرين وظيفته الأولى، متناسياً أن الشر الأكبر يكمن في قلبه هو. وفي هذا الصراع بين الخير والشر، بين الحياة والموت، يبدو المشهد كما وصفه خارمس: "سأرى صراع الحياة والموت. المعركة ستكون غير طبيعية، مع فرص متساوية، لأن الموت هو المنتصر الطبيعي، والحياة، المحكوم عليها بالموت، لا تكف عن الكفاح ضد عدوها حتى اللحظة الأخيرة، دون أن تفقد أملها العبثي".
الحقيقة محجوبة... والقليلون يبحثون عنها
وهنا نعود إلى الحقيقة التي لا يُريد الحكام أن يعرفها أحد، والتي وردت في ذلك النص المجهول المصدر، الذي يبدو وكأنه مقتطف من فلسفة ستروغاتسكي: "جميع الناس ينقسمون إلى ثلاثة أجزاء: الناس الذين لن يعرفوا الحقيقة أبداً، والقادة الذين يعرفون الحقيقة لكنها فظيعة وبعيدة عن الواقع لدرجة أن همهم الرئيسي هو ألا يعرفها أحد غيرهم، وهناك عدد قليل من الناس يحاولون معرفة الحقيقة".
هذه الحقيقة التي يخفيها الحكام هي أن شرهم ليس سوى انعكاس لشرنا، أن طغيانهم هو ابن طاعتنا العمياء، وأن كرنفال العبث الذي نعيشه هو نتاج تخاذلنا الجماعي عن قول "لا" في الوقت المناسب.
وكما قال غوستاف لوبون: "الجماهير تحترم القوة فقط، واللطف لا يمسها... التماثيل الأعلى ترفع للطغاة، وعندما يسقط الطاغية تدوسه الجماهير بأقدامها، ليس لأنه ظالم، بل لأنه أصبح ضعيفاً".
وهذا يقودنا إلى حقيقة أعمق: أن الشعوب تحصد ما تزرع. حين تخلع ثوب الكرامة وتلبس ثوب الخنوع، لا ينبغي لها أن تندهش حين يمتطي الحاكم رقابها.
خاتمة... وقصيدة منسية
في كتابه "الجزيرة المأهولة"، يضع الأخوان ستروغاتسكي على لسان أحد حكامهم كلمات تجمع كل ما سبق:
"لا يمكنك أن توحي لرجل جائع بأنه شبعان لفترة طويلة، فالنفسية لا تحتمل ذلك. والحكم بشعب مجنون هو متعة صغيرة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن المجانين لا يتأثرون بالإشعاع..."
وهنا يتجلى السؤال الأبدي: هل الجنون في الشعوب، أم في الحكام، أم في العلاقة المسمومة بينهما؟
ويبقى المشهد الأكثر إيلاماً هو مشهد الإنسان العادي الذي يريد فقط أن يُترك في سلام، كما يقول ستروغاتسكي في "البجع القبيح": "مرة أخرى، هم لم يتفقوا على شيء... ونحن، الذين لا نريد هؤلاء ولا أولئك، بل نريد فقط أن نُترك في حالنا، نُضطر للانطلاق من أماكننا، ودهس بعضنا البعض، والهرب، والنجاة بأنفسنا... أو الأسوأ، أن نختار جانباً دون أن نفهم شيئاً... نطلق النار على بعضنا البعض، ونلتهم بعضنا البعض".
في النهاية، تبقى الحقيقة التي لا مفر منها، تلك التي عبّر عنها ببلاغة من قال:
(قليلون هم الذين، حين يتوجون، يبقون بشراً).
في ذكرى الثاني من اب 1990



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- DNA الامهات
- على كفَّة الميزان
- دهشة خفيفة وديجافو ثقيل
- حين يلتقي الأدب بالعلامات العالمية: من موبي ديك إلى ستاربكس
- اليوان يعبر مضيق هرمز... والدولار يتلقى إشارة إنذار
- الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى
- «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)
- انتظرني... وسأعود
- كازينو
- خربشات صيف لم ينساب بعيدا
- مزين بغداد
- علاقة غريبة
- متاهة
- فينيرا: الرحيل نحو العالم الحقيقي
- حين يكره العبد حريته
- ترسيم الحدود العراقية-الكويتية: من التخطيط الاستعماري إلى ال ...
- عبث الجهد واليأس من المعنى
- رسالة من المدينة
- عندما أصبح البَسَطَاء هم القادة
- بين السماء والطين


المزيد.....




- إسرائيل تعلق بعد إصابة 5 أفراد من الجيش اللبناني إثر انفجار ...
- سفن راسية في مضيق هرمز وسط نفي إيراني لاتفاق إعادة فتح الممر ...
- صناعة المحتوى: هل تصير العُزلة أسلوب حياة يُطمح إليه؟
- إيران تقترب من اتفاق مع عُمان بشأن مسار الملاحة عبر هرمز
- بسبب البيانات المنشورة.. هل كتبت المعاناة على ضحايا إبستين؟ ...
- وكالة -إفي-: أكثر من ألف مهاجر يتجمعون أمام مركز إيواء في سب ...
- هل أخفى فاوتشي ما كان يعرفه؟.. مقال يثير تساؤلات جديدة حول ج ...
- الخارجية الإيرانية: اتصالات من إنجلترا وبلغاريا وأوكرانيا تؤ ...
- قيادي في -حماس-: إسرائيل غير معنية باتفاق وطالبنا الوسطاء با ...
- وزارة الدفاع الإيطالية: تفتيش ناقلة نفط ترفع علم الكاميرون ب ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتصم الصالح - البجع القبيح