أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بين الشهادة والمعرفة الشعرية، حين يقرأ شاعرٌ شاعراً: علي جعفر العلاق واستعادة عبد الوهاب البياتي بوصفه ظاهرة شعرية وإنسانية















المزيد.....

بين الشهادة والمعرفة الشعرية، حين يقرأ شاعرٌ شاعراً: علي جعفر العلاق واستعادة عبد الوهاب البياتي بوصفه ظاهرة شعرية وإنسانية


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 21:22
المحور: الادب والفن
    


لا تكتسب الشهادة التي يكتبها شاعر عن شاعر أهميتها من قربها الزمني أو الشخصي فحسب، وإنما من طبيعة المعرفة التي تنتجها. فالشاعر لا يقرأ النصوص وحدها، بل يقرأ الصمت الذي يحيط بها، والطباع التي صنعتها، والهواجس التي كانت تتحرك في أعماق صاحبها. ولهذا تبدو كتابة علي جعفر العلاق عن عبد الوهاب البياتي أكثر من مجرد تأبين لصديق أو زميل، إذ تتحول إلى محاولة معرفية معقدة لفهم العلاقة بين الإنسان والقصيدة، وبين الشخصية العامة والإبداع الشعري، وبين الحضور الصاخب والغياب الذي يعيد ترتيب الصورة. وتزداد قيمة هذا النص لأنه لا يقع في فخ التمجيد، كما لا ينزلق إلى حسابات الخصومة، بل يحاول أن يوازن بين الذاكرة الشخصية والحكم النقدي. وهذه الموازنة ليست سهلة، لأن المعرفة، في مثل هذه الحالات، تصبح معرضة باستمرار لتحيزات الذاكرة، وتأثير المكانة، وسلطة التجربة الشخصية. لذلك يكتب العلاق من موقع الشاهد الذي يعرف أن الشهادة نفسها تحتاج إلى مساءلة، وأن معرفة الشاعر لا تتحقق بمجرد مصاحبته، وإنما عبر اختبار نصوصه باستقلال عن سحر شخصيته. ومن هنا يتحول النص إلى نموذج نادر لما يمكن تسميته بالنقد المعرفي للسيرة الشعرية، حيث تصبح الذكريات وسيلة لاكتشاف الحقيقة، لا بديلاً عنها.
بين الذاكرة والانطباع، كيف يصنع الشاعر معرفة بشاعر؟
يفتتح العلاق نصه بصورة بصرية بالغة الدلالة، حين يصف البياتي وكأنه كان يتأمل غيمة بعيدة. هذه الصورة ليست وصفاً خارجياً لملامح الوجه، بل مدخل إلى بنية الشخصية كلها. فالبياتي يظهر منذ البداية إنساناً يعيش في منطقة بين الحضور والغياب، بين الواقع والخيال، وبين الجسد والمنفى. غير أن العلاق لا يسمح لهذا الانطباع الأول بأن يتحول إلى حكم نهائي. فهو يلفت مباشرة إلى أن المظهر لا يعكس الطبيعة الحقيقية، وأن الوجه الطفولي يخفي شخصية مختلفة تماماً. وهنا تتجلى قيمة المنهج النقدي في النص؛ إذ يرفض الاكتفاء بما تمنحه الحواس من معرفة أولية، وينتقل إلى اختبار تلك المعرفة عبر التجربة الطويلة. إن المعرفة لا تبدأ بالإدراك وحده، وإنما بامتحان الإدراك نفسه. ولذلك تتغير صورة البياتي تدريجياً كلما ازدادت سنوات الاحتكاك به، لتصبح الشخصية أكثر تركيباً مما يوحي به اللقاء الأول. ولا يقدم العلاق هذه التحولات بوصفها اكتشافات نهائية، بل بوصفها مراجعات متواصلة. فهو يروي الوقائع، ثم يعيد تفسيرها، ثم يضع تفسيره نفسه موضع الاحتمال. وهذه السمة تمنح النص مصداقية عالية، لأن الكاتب لا يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة، بل يعترف بأن معرفة الإنسان تظل نسبية مهما اقتربت منه. ومن اللافت أن العلاق يفرق باستمرار بين البياتي الإنسان والبياتي الشاعر. فكثير من النقاد يخلطون بين الاثنين، فيصبح الحكم الأخلاقي حكماً جمالياً، أو يتحول السلوك الشخصي إلى معيار لتقييم القصيدة. أما هنا فإن النص يصر على الفصل بين المجالين، مع الاعتراف باستمرار تأثير كل منهما في الآخر. ولهذا تبدو شهادته أقرب إلى البحث في شروط المعرفة النقدية منها إلى استعادة الذكريات.
البياتي بين الأسطورة الذاتية والحقيقة الشعرية
من أهم ما يكشفه نص العلاق أنه يحرر البياتي من الأسطورة التي شارك هو نفسه في صناعتها. فالبياتي، كما يصوره الكاتب، لم يكن شاعراً يكتفي بكتابة القصيدة، بل كان يكتب صورته العامة أيضاً. لقد صنع حول نفسه هالة من البطولة والمنفى والأسطورة والصراع، حتى أصبحت هذه الصورة جزءاً من تلقي شعره. وهنا يطرح النص سؤالاً بالغ الأهمية. هل يمكن للشاعر أن يتحول إلى عائق أمام قراءة شعره؟ إن العلاق يجيب بالإيجاب، حين يشير إلى أن حضور البياتي الشخصي كان أحياناً يحجب قصائده. فقد كانت شخصيته الصاخبة، وعداواته الكثيرة، ورغبته الدائمة في إثبات التفوق، تجعل النقاد ينشغلون بالرجل أكثر من النص. ولذلك يلاحظ أن كثيراً من الدراسات التي كتبت عنه لم تكن ثمرة قراءة مستقلة، بل نتيجة علاقات شخصية، أو مصالح ثقافية، أو رهبة من لسانه الحاد، أو رغبة في كسب رضاه. وهذه ملاحظة نقدية دقيقة، لأنها تميز بين المعرفة القائمة على التبرير، والمعرفة القائمة على الفحص. فالإعجاب ليس دليلاً على الفهم، كما أن الشهرة ليست برهاناً على القيمة. ولا يتردد العلاق في القول إن البياتي اعتاد استقبال الاحتفاء أكثر من استقبال النقد، حتى أصبح يشعر بأن مكانته تعلو على مساءلة النقاد. لكن الكاتب لا يورد هذه الملاحظة بدافع التقليل من شأن البياتي، وإنما لفهم الكيفية التي تتشكل بها السلطة الرمزية داخل الحياة الثقافية. وهكذا يتحول البياتي من موضوع للمديح أو الذم إلى حالة تستحق التحليل. ومع ذلك، لا ينكر العلاق أبداً فرادة منجزه الشعري. فهو يعترف بوضوح بقدرته الاستثنائية على توظيف الأسطورة، والأقنعة، والتناص، واللغة اليومية، وصناعة الصور التي بقيت راسخة في ذاكرة الشعر العربي. إن النقد هنا لا ينقض الاعتراف، كما أن الاعتراف لا يمنع النقد، وهذه واحدة من أكثر فضائل النص الفكرية.
تناقض الشخصية ووحدة القصيدة
يكاد النص كله يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الإنسان أكثر تناقضاً من أي وصف واحد. فالبياتي، كما يقدمه العلاق، يجمع بين الوداعة والعنف، وبين الحساسية والقسوة، وبين الخيال الشعري الرفيع والهجاء اللاذع. وهذا التناقض لا يظهر في حياته فقط، بل يمتد إلى شعره أيضاً. فالعلاق يلاحظ أن تجربة البياتي لم تتطور في خط متصل، وإنما عبر قفزات حادة، وأن دواوينه تضم مستويات متفاوتة، بل إن القصيدة الواحدة قد تجمع بين الذروة والهبوط. وهذا التفاوت لا يفسره الكاتب باعتباره ضعفاً فنياً فحسب، بل بوصفه امتداداً لطبيعة الشخصية نفسها، التي كانت تعيش دائماً في حالة توتر دائم بين الإبداع والانفعال. ومن أكثر المواضع عمقاً حديثه عن هجائيات البياتي. فهو لا يكتفي بوصفها سلوكاً اجتماعياً، بل يربطها ببنية الخيال ذاته. فالخيال الذي يحول الحياة اليومية إلى شعر، يستطيع أيضاً أن يحول الخصومة اليومية إلى صور هجائية مبتكرة. إن اللغة التي تنتج القصيدة هي نفسها التي تنتج الشتيمة، لكن الوظيفة تختلف. وهذا التحليل يكشف أن الأدوات الجمالية لا تحمل قيمة أخلاقية في ذاتها، وإنما يحددها اتجاه استخدامها. كما يلفت العلاق إلى مفارقة أخرى، حين يلاحظ أن أحاديث البياتي عن الشعر كانت أقل ثراء من شعره نفسه. وهذه الملاحظة تكسر وهماً شائعاً، وهو أن الشاعر يفسر قصيدته أفضل من غيره. فالقصيدة، بعد كتابتها، تصبح أكثر استقلالاً من صاحبها، وقد تتجاوز وعيه نفسه. وهكذا يميز النص بين المعرفة الإبداعية والمعرفة التفسيرية، فامتلاك الأولى لا يعني بالضرورة امتلاك الثانية.
الغياب بوصفه شرطاً لمعرفة الشاعر
يبلغ النص ذروته الفكرية في القسم الأخير، حين يتحول الحديث من السيرة إلى سؤال فلسفي بالغ العمق. هل يحتاج الشاعر إلى أن يغيب لكي نقرأه؟ لا يقصد العلاق الغياب البيولوجي وحده، وإنما غياب الضجيج الذي كان يرافق الاسم. فحين يتوقف الشاعر عن الدفاع عن نفسه، أو مهاجمة الآخرين، أو صناعة صورته العامة، تصبح القصائد أكثر قدرة على أن تتحدث وحدها. وهنا يطرح الكاتب فرضية نقدية لافتة. ربما كان حضور البياتي الشخصي قد حال دون استقبال شعره استقبالاً حراً. وربما أصبح الغياب فرصة لإعادة القراءة بعيداً عن الانفعال، والخصومات، والتحالفات الثقافية. إنها دعوة إلى تحرير النص من سلطة صاحبه. وهذه الفكرة تتجاوز البياتي نفسه، لتصبح قاعدة في قراءة الأدب كله. فالنصوص العظيمة لا تحتاج، بعد زمن، إلى محامين يدافعون عنها، كما لا تحتاج إلى خصوم يهاجمونها. إنها تختبر قيمتها بقدرتها على البقاء.
ومن هنا تأتي خاتمة العلاق مؤثرة لأنها لا تستعيد حياة البياتي، بل تستعيد ما بقي منها بعد سقوط الجسد. لقد انتهت الخصومات، وسكت اللسان، وغابت المعارك، ولم يبق سوى اللغة، والنبرة، والرؤيا، والقدرة على تحويل الألم إلى شعر. إن الشاعر، في النهاية، لا يُقاس بطول معاركه، وإنما بقدرة قصائده على تجاوزها. ولهذا لا يقدم علي جعفر العلاق عبد الوهاب البياتي قديساً ولا خصماً، بل ظاهرة إنسانية وشعرية معقدة، تستحق أن تُقرأ بعين نقدية لا بعين الولاء أو العداء. وهو، في الوقت نفسه، يقدم درساً في أخلاقيات المعرفة النقدية؛ فالحقيقة لا تتولد من الإعجاب المطلق، ولا من الهجوم المطلق، بل من المسافة التي تسمح للنص بأن يكشف نفسه دون وساطة الأهواء. وهكذا يغدو نص العلاق شهادة تتجاوز حدود الذكرى، لأنه لا يكتفي باستعادة شاعر رحل، بل يعيد طرح السؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام كل قراءة أدبية جادة: كيف يمكن أن نعرف الشاعر حقاً؟ هل عبر سيرته، أم عبر قصيدته، أم عبر المسافة النقدية التي تفصل بينهما وتجمعهما في آن واحد؟



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤيد الونداوي وقراءة الصحافة البريطانية: العراق عشية الاستقل ...
- فالح مهدي وإعادة التفكير في أسطورة الفردوس الأندلسي:
- رواية كريم شعلان -جمرة الله-: سقوط الأيقونات في متاهة البحث ...
- ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان
- جدلية الوثيقة والتفسير في مشروع المؤرخ غسان متعب الهيتي نحو ...
- الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا ت ...
- صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...


المزيد.....




- بمشاركة 16 دولة.. افتتاح الدورة الأولى لمهرجان دمشق الدولي ل ...
- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بين الشهادة والمعرفة الشعرية، حين يقرأ شاعرٌ شاعراً: علي جعفر العلاق واستعادة عبد الوهاب البياتي بوصفه ظاهرة شعرية وإنسانية