أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاجر مصطفى جبر - مين الغلطان














المزيد.....

مين الغلطان


هاجر مصطفى جبر
كاتبة

(Hajer Mostafa Gabr)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 19:03
المحور: الادب والفن
    


شم النسيم لا يعني لنا الكثير. وحدهن نساء العائلة يفرحن به، أما نحن الصغار فدوماً في الأرض، رفقة أبي وعمي، نأكل السردين كثيرًا، ولا جديد في أن تُضاف إليه بعض الموالح التي لا أفضلها. لكنه كان مبشرًا بقدوم المولد؛ فالاثنين التالي لشم النسيم هو يوم المولد. غدًا ستبدأ الألعاب، وسيبدأ الغرباء في التسلل إلى قريتنا. سيحمل الأغراب الفرح والسعادة والألغاز.

أول الألغاز، وأشدها صعوبة، لغز «حلة ورق العنب».

نعم، من تقاليد المولد أن يأكل أهل القرية يوم المولد ورق العنب واللحم والملوخية فقط، وأنا لا أحب الملوخية ولا ورق العنب!

الجميع يعلم هذا طوال العام ويتقبله، لكن في يوم المولد لا بد من صب الغضب عليّ وإزعاجي، فأنا أخالف عادات المولد المتوارثة. وتضحك أمي ضحكة مفتعلة لتهدئ أبي:

ـ بيدلع على حسك.

ثم تجهز لي بعض الكوسة المحشية.

بعد أن تنتهي أمي من تجهيز ورق العنب وتسويته، تحضر حلة صغيرة جديدة تشتريها كل عام، وتملؤها بورق العنب الجاهز للأكل، وتضع فوقه قطع اللحم، ثم تربط الحلة بإحدى عمامات أبي البيضاء، وتضعها في الصالة الكبرى، تحديدًا فوق «الدكة الخشبية» التي يجلس عليها أبي.

عندما كنت صغيرًا، كانت تنتهي معرفتي عند هذا الحد، لكنني الآن أعلم أن امرأة غريبة، أميزها بوشم أسفل ذقنها، ستأتي لأخذها. تجلس مع أبي، يتبادلان كلمات قليلة، ثم تنسحب، فتخرج، وتتبعها عينا أبي حتى نهاية الشارع.

العام الماضي جربت أن أتبعها، لكنني فقدت أثرها في زحمة المولد.

من تكون تلك؟ ولماذا تجلس مع أبي؟ هل لها مظلمة؟ أكلَّ عامٍ مظلمة؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟

كل مساعدات النسوة يعطيها أبي لأمي لتوصلها إليهن، فلماذا يمنح هذه المرأة المساعدة بنفسه؟

وما إن أفكر في توجيه سؤال إلى أمي، حتى تضغط على شفتها السفلى بأسنانها، إشارةً إليّ بالصمت، وتجنب الموضوع إلى الأبد.

أتخيل أنني تجرأت على سؤال أبي، فأفيق على صفعة متخيلة يمنعني ألمها من التعرض لصفعاته الواقعية.

سأنتظر وأراقب، ولن أدخل المولد إلا بعد رحيلها، كالعادة.

كل شيء كما هو في كل عام، إلا انخطاف ملامح أبي، وتلك الدمعة التي ظللت عينه وهي تتبع رحيلها.

لم أعلم شيئًا، ولم أجرؤ على السؤال، ونسيت الأمر، حتى جاء شم النسيم التالي.

لم نذهب إلى الأرض؛ فأبي ذهب إلى المدينة صباحًا. وبينما كنا نستعد للخروج لرعاية الأرض كعادتنا، تأخر عمي. حاولت استعجاله، فإذا بأمي تسأله عن كفن!

لماذا تطلب منه الكفن؟ لماذا لم تأخذ منه المال وتشتري كفنها؟ هل تهدده برحيلها ليتركنا ويتبعها كما فعل؟

كان عمي يبتسم بخبث، ويدعي تهدئتها:

ـ بقت عجوزة… وده كلام قديم، انسي بقى.

فردت أمي:

ـ أنسى إنه ساب أرضه وبيته ولحق الغجرية؟ أبدًا… وهو سايبني أنسى؟ كل عام تأتي و..

انتبهت أمي لقدومي، فصمتت، وحاولت ضبط ملامحي لأبدو مهذبًا، لم يسترق السمع.

أبي عشق الغجرية..

سر جليل، ولولا أن أبي سيقطع رأسي لأخبرت أصدقائي في المدرسة أن أبي، مثل قيس بن الملوح، عشق ليلاه، بل كان أشد جرأة من قيس، ونالها.

صباح المولد…

تأتي المرأة، وأنظر إليها كما كان الجميع ينظرون إلى ليلى التي سلبت عقل فارس عربي. وأبي لا يقل هيبة عن فارس، بل هو قائد كتيبة.

وعند ذهابها لم تتبعها عيناه، بل أسرع نحو غرفته، ومن خلف الباب كان صوت البكاء يختلط بصوت فايزة أحمد:

«مين الغلطان… مين الزعلان… مين اللي كان الحق عليه…»



#هاجر_مصطفى_جبر (هاشتاغ)       Hajer_Mostafa_Gabr#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لك وحدك 3
- لك وحدك 2
- لك وحدك
- الورود الغائبة
- العشق و أشياء أخرى
- الأخضر
- إنهم يقتلون الجياد ...يا زياد .
- عابره 2
- عابره 3
- عابره 1
- محيط
- المقصلة
- أسئلة العشق
- استئصال
- سكير آخر الليل
- طفولة
- نص
- تحول
- الجهنمية
- كلاب رعي


المزيد.....




- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاجر مصطفى جبر - مين الغلطان