أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاجر مصطفى جبر - المقصلة















المزيد.....

المقصلة


هاجر مصطفى جبر
كاتبة

(Hajer Mostafa Gabr)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 00:37
المحور: الادب والفن
    


كل عام يُطلب مقال عن “ألبير كامو”. أحضرت الرف الخاص به من مكتبتي، وجلست في الصالون تاركة المكتب لأحمد ينهي التعديلات الأخيرة في رسالة الماجستير. قرأت رواية الغريب في أربع ساعات، لا في ساعة وسبعٍ وخمسين دقيقة كما حدّدت مجلة الإيكونوميست البريطانية؛ فأنا من أَعَدَّ العشاء والكثير من فناجين القهوة.

بعد عشر صفحات من المقصلة نمت…

أسمع جَرَّة ترباس الباب الحديدي كأني نائمة على السلم. الأقدام المتسارعة في وتيرة مقصودة جعلت درجات السلم الرخامي ترتعد، يُحاكيها جسدي. قبل أن تنتهي الدرجات، يدٌ تطرق باب شقتنا. لا تُحاول كسره.

النظرة نبهتني لثوبي الساقط عند النهد الأيسر. اختفيت خلف الباب…

– “أحمد سعيد علي”.

زوجي!!

كنا نمزح أمس بعدما تم سحب جارنا إلى السجن بسبب قضايا طلاق ونفقة وتبديد ممتلكات الغير.
– “هل ألقى مصيره؟”
– “ربما”.
وضحكنا.

هل أمي الفاعلة؟
تطلب مني تركه دائمًا… قسيمة الزواج وقائمة المنقولات لديها… وتوكيل لدي محاميها…!!!؟

ارتديت ثوبًا لونه كُحليّ، كان فستانًا، لكنه الآن مجرد ثوب.

وصلت قسم الشرطة مع فجر خانق، كأغلب أوقات أغسطس. سألت، فقال أحد الأمناء –الأقل وقاحة–: “الحملة لم تعد”.

حملة!!
زوجي في حملة ضمن محكومين وقضايا… دوار… محاولة للتماسك… ماذا يحدث؟

انتظرت…

عند السابعة صباحًا، وصلت امرأة في ثوب أسود. دقائق وجاءت سيارة “البوكس”، زوجي مقيد ليد شاب بقميص مقطوع الأزرار.

نظرت بها ذاك الشرر الناتج عن احتكاك جفن بالآخر بقسوة كي لا تسقط الدمعات. لمحتُ اشتعالًا بحجر العينين البنية. مرَّ في صمت واختفى خلف باب القسم الحديدي وأُغلق الباب.

هل هو “تشابه أسماء”؟ فهذا يحدث بكثرة… مجرد تشابه يسلبك الطمأنينة ويمنحك صباحًا بوليسيًا متخمًا بالحديد.

ظهر أحد مرتدي ملابس الشرطة، شاربه مخيف، وفي عينيه ذاك الظلام الذي يذكرنا بـ”عشماوي” –المسؤول عن تنفيذ عقوبات الإعدام– وهو يحكي عن كدره إذا عاد للمنزل دون تنفيذ عقوبة الإعدام شنقًا بأحدهم. بدأ الكلام وكأنه يشرح لمجموعة من المتطوعين المستجدين الذين لا نراهم:

– هؤلاء لديهم قضايا وأحكام… بعضهم سيخرج حتى موعد الاستئناف، والبعض سيظل بالداخل.

أخيرًا خصَّنا –أنا والمرأة– بأمر التوجه للمحكمة.

الدوار مستمر، لم أرَ الطريق، أنتبه فقط عند المنعطفات. كأن انتقالي من القسم للمحكمة كان في حركات دائرية متواصلة. مشهد زوجي وهو يهبط من سيارة البوليس كان يجرح عيوني، وشعور بعبث أن يكون تشابها بالأسماء، وبالذنب لو أن أمي خلف هذا…

دوار لا ينتهي…

اضطررت لركن السيارة على مسافة بعد المحكمة، فكلما حاولت تركها، سمعت صرخة الشارب تنهاني: “هذا طريق سيارات الترحيل”!

جميعنا واقفون رغم السقوط الظاهر في العيون. سيارة مصفحة بلا نوافذ، ثلاثة فقط ثقب مربعة لا يتسع أحدها لوجه. لو فكر أحدهم في النظر، عليه أن يختار بين عينيه وأسفل أنفه: النظر أو التنفس. أظنه سيختار أنفه وأسفل الخدين. فما حاجتنا لأن نبصر الحرية وهي تبتعد؟ سيُغمض عينيه ويستنشق، سيترك هواء أغسطس الساخن يلامس أسفل الخدين واللحية، ويتذكر باطن كف امرأة ولمسات الأصابع، وينتبه لرجولته التي تعمّد الحديد سحقها.

الآن سُمح لنا بدخول المحكمة من الباب الخلفي.

في نهاية الممشى “الأخضر!!” قفص حديدي مربع لا يتجاوز المترين، يتكدس به 22 رجلًا. هل لأنهم متشابكو الأيدي ظنوهم 11 فقط؟

مُنعت من الاقتراب، فتراجعت وعيوننا تتشابك. لا أعلم لماذا ارتحت لهذا المنع وطلب الابتعاد…

هاتفت المحامي للمرة الخامسة والعشرين: هل أسأله عن أمي؟ هل أسبه؟ هل أتهمه؟ هل أرجوه؟… لا يرد.

زاد الشك حد اليقين. أتذكر دهشة أحمد عندما سمع أن أمي قتلت ثعبانًا كبيرًا ونحن في المصيف، قال: “أمك قاسية”.

هي هكذا فعلًا… هل…؟ شيء مني ينكر، يرغب في الإنكار.

رجل من ذوي الشوارب الأقل تخويفًا، وبيده دفتر عريض، يتضح من كثرة أوراقه وثقل وزنه أنه مسجل به القضايا من شهر مارس فقط… كل هؤلاء خرجوا على القانون في بضعة أشهر!

أنا وذوو الشوارب لم نخرج بعد… لكن حتى ذوو الشوارب بعضهم فعل!

فالمرأة المحشورة داخل ثوبها الأسود تحثه بتودد أن يبحث جيدًا عن اسم زوجها، فهو “زميل لكم”. نهرها الرجل: “كان”.

بعد ساعات، عندما نعود للقسم وننتظر رجلينا، ستحكي عن زوجها المتطوع بالشرطة، لكنه اختار المال وقرر الاتجار بالسلاح وقوائم المحكومين… قام الأمين بالخيانة!

بينما يبحث صاحب الشارب عن اسم زوجي المعلم في مدارس الفقراء، كان المحامي يصور أوراقًا عند فتاة سمراء بصوت رجولي بدا مخنثًا.

بهجوم غير مبرر إلا لشكوكي، سألته: لماذا لم تأتِ إليّ وقد رآني؟
لم يرَ… أعلم.

بعد اعتذارات –فسرتها اعتذارات عن فعلته بالاتفاق مع أمي– واستمرار نبرات ونظرات أرميها به، أتعمد أن تكون جارحة ومهددة…

– “أحمد سعيد علي… قضية حجز وإهدار مال عام…”

لم يهتم المحامي لتجريحي، أظنه تقبله كاختلال نفسي وقتي. جلست على سلم المحكمة منهكة، أشعر بالخزي مما فعلت، والتساؤل عن المال العام!

لم يكن تشابها…

زوجي… مجرم.

مال عام؟
هل اختلس؟
ماذا يختلس!
مقعدًا من المدرسة؟ أم طبشورًا!!
هل اتفق مع المدير وسرق مرتبات الموظفين؟
لكن المرتبات لم تعد تُسلَّم باليد، بل تودع على البطاقات المصرفية.
هل سرق أموال مصروفات الطلاب؟

هذيان…!!!

أحضر المحامي زجاجات ماء وطعام، وقال: “لقد ذهبت للاطمئنان عليه، هل ترغبين في رؤيته؟”
رفضت.

هل كرهته؟
هل أتركه وأذهب؟ حتمًا لا…

شربت الماء، كانت شفاهي جافة بشكل لم أعشه من قبل. لم يسبق أن خرجت دون مرطب الشفاه.

هل أواجهه؟ ماذا أهدرت؟ لمَ؟ مال عام يا أحمد…

في نهاية الممر، رأيته يجلس القرفصاء أمام أحد المكاتب، مقيدًا مع ذات الشاب. كنت سأقترب لكن أحد الشوارب المخيفة منعني. كان مُتعبًا… مهزومًا.

خرج محامينا من المكتب، وتوجه نحوي:
إيصال لصالح الجمعية الزراعية لم يُسدد.

قدر المال المهدور… تسعة جنيهات وخمسة وسبعون قرشًا!

شيء من الضحك. لأول مرة أرغب في السب علانية… أريد التدخين: “أعطني سيجارة”. لابد من نقل اشتعالي لشيء، فالسجائر لن تتسبب في سجني.

شرطة وسيارة وأغلال وبنزين ورجال وشوارب مخيفة وأوراق ومحامٍ ومحكمة وقاضٍ وزنزانة، ويوم بليلة ننتقل بين المحكمة والقسم، ثم في النهاية تُسدَّد العشرة جنيهات في جلسة استئناف بحضرة المتهم ومحامٍ!

كثير من السب يراود فمي، كثير من الصمت القهري… القانون أعمى.

حمدت الله أن وصول أمي كان بعد معرفة الذنب.

– “جنحة”.
ضحكت وهي تنفخ دخان سيجارها: “إعدام”؟
رد المحامي بجدية مفتعلة كي لا يجرح مشاعري: “الجنحة الوحيدة التي قد تصل للإعدام هي شهادة الزور”.

– “لمَ؟”

سؤال غير متوقع… لكنه أكمل: “إذا تسببت شهادته في إعدام بريء… هل تعلم العدالة أن بعض المشنوقين تظهر براءتهم؟ هل إرسال شاهد الزور للمشنقة يَجْبُر عظام العنق المكسور؟!

أتذكر نظرة الانتصار في عين عشماوي وهو يحكي عن رجل كاد أن يفلت من الإعدام، فضغط على كتفيه ليتم الإعدام شنقًا.

لم تحكِ ألف ليلة وليلة عن حزن “مسرور” السياف بنجاة “شهرزاد”…!!

جاءت عجوز تتوسل حد تقبيل اليد ليحضر المحامي مع ابنها قضيته.

إذا لم يكن لدى المذنب محامٍ، ألا تُكلّف له الدولة محاميًا؟
يبتسم… تثق الدولة في شهامة الشعب؛ فلو لم يكن لديه أهل، الجيران يفعلون.

لحق بالمرأة وطلب منا العودة لقسم الشرطة، فالمحكوم سيعود للقسم في سيارة الدولة التي تطالب بالجنيهات العشر.

بعد العاشرة مساءً، كان زوجي في المغطس يحاول النسيان، وأنا بالخارج أكمل كتاب المقصلة



#هاجر_مصطفى_جبر (هاشتاغ)       Hajer_Mostafa_Gabr#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسئلة العشق
- استئصال
- سكير آخر الليل
- طفولة
- نص
- تحول
- الجهنمية
- كلاب رعي
- كلية و هدى ...السلوك الحيواني تقنية سردية


المزيد.....




- بيان صادر عن تجمع اتحرّك حول فيلم “اللي باقي منك”
- -لهذا كان تشابلن عبقرياً-: قصة فيلم -أضواء المدينة- وأعظم لق ...
- مقتل ممرض مينيابوليس.. مشاهد تناقض -الرواية الرسمية-
- -ترامب سيرحّلك-: نائب ديمقراطي يتعرض لاعتداء باللكم خلال مهر ...
- السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟
- فيلم -هامنت-.. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟
- يوسف شاهين... أيقونة فنية عكست مخاض العالم عبر مرآة السينما ...
- مهرجان الأفلام بسولوتورن: إدنا بوليتي ضيفة شرف شغلتها قضاي ...
- علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناج ...
- نص سيريالى بعنوان(حِين يصير الغيَاب حبيبَة)الشاعرمحمدابوالحس ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاجر مصطفى جبر - المقصلة