أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رحيم حمادي غضبان - الحسين درس لم ينجح به أحد















المزيد.....

الحسين درس لم ينجح به أحد


رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 23:19
المحور: قضايا ثقافية
    


الحسين ليس مناسبة تمر في التقويم ثم تنتهي وليس مسيرة تقاس بعدد الخطوات التي قطعها الزائرون ولا راية ترفع ولا صوتا يعلو ولا مظهرا يتكرر كل عام فالحسين قبل أن يكون ذكرى هو سؤال كبير وضعه التاريخ أمام الإنسان وما زال هذا السؤال قائما حتى اليوم ولذلك أقول إن الحسين درس لم ينجح به أحد لأن الامتحان الذي تركه لم يكن امتحانا في الحضور إلى كربلاء ولا في كثرة البكاء ولا في إقامة الشعائر وإنما كان امتحانا في القدرة على أن يقف الإنسان مع الحق عندما يصبح الحق مكلفا وأن يرفض الظلم عندما يكون السكوت عنه أكثر راحة وأن يحافظ على كرامته عندما يكون التنازل عنها أقصر طريق إلى النجاة
الحسين بن علي لم يخرج ليصنع حول نفسه طقسا موسميا ولم يطلب من الناس أن يحولوا مأساته إلى مجرد مظاهر تتكرر ثم تنتهي بانتهاء الأربعين وإنما ترك موقفا إنسانيا وسياسيا وأخلاقيا شديد الصعوبة لأنه وضع الإنسان أمام نفسه وسأله ماذا تفعل عندما تتعارض مصلحتك مع مبادئك وماذا تفعل عندما يصبح الخوف أقوى من صوت الضمير وماذا تفعل عندما يكون الطريق إلى السلامة هو أن تتنازل عن الحقيقة
ومن هنا تبدو المفارقة الكبيرة في كل ما يحدث باسم الحسين فربما يستطيع الإنسان أن يسير عشرات الكيلومترات من أجل الحسين لكنه لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في طريق الحق وربما يستطيع أن يبكي على مقتل الحسين لكنه لا يستطيع أن يبكي على مظلوم يعيش إلى جواره وربما يرفع اسم الحسين عاليا لكنه يخفض رأسه أمام الظلم وربما يردد أن الحسين انتصر على الطغيان ثم يمارس في حياته اليومية صورا من الظلم والاستعلاء والإقصاء وكأن الحسين لم يكن موجودا إلا في الذاكرة وليس في السلوك
إن المشكلة ليست في الزيارة بحد ذاتها ولا في إحياء الذكرى ولا في الشعائر التي يراها أصحابها تعبيرا عن الوفاء وإنما المشكلة تبدأ عندما تصبح الوسيلة بديلا عن الغاية وعندما يتحول الرمز العظيم إلى عادة موسمية وعندما يعتقد الإنسان أن كثرة ما يفعله من مظاهر تعفيه من السؤال الأصعب وهو ماذا غير الحسين في أخلاقك وماذا غير في علاقتك بالضعيف وماذا غير في موقفك من الظلم وماذا غير في قدرتك على قول لا عندما يكون قول نعم أكثر منفعة لك
الحسين كان درسا في الاختيار والاختيار الحقيقي دائما مؤلم لأن الإنسان لا يعرف قيمة مبادئه عندما تكون مجانية وإنما يعرفها عندما يدفع ثمنها ولهذا كان موقف الحسين عظيما لأنه وضع المبدأ فوق المصلحة والكرامة فوق السلامة والموقف فوق الحسابات الشخصية وهذه هي النقطة التي تجعل درسه صعبا إلى درجة أن كثيرا ممن يرفعون اسمه قد لا يستطيعون اجتياز الامتحان الذي تركه
الحسين لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم ولا يحتاج إلى أن يكون اسمه حاضرا في الشوارع فقط بل أن يكون معناه حاضرا في الضمير ولا يحتاج إلى أن نسأل كم شخصا زار كربلاء بقدر ما ينبغي أن نسأل كم إنسانا خرج من هذه الذكرى أكثر عدلا وأكثر صدقا وأكثر رحمة وأكثر شجاعة في مواجهة الظلم
لقد مات الحسين مرة واحدة ولكن الامتحان الذي تركه يتكرر كل يوم فكل إنسان يجد نفسه في لحظة ما أمام موقف يختار فيه بين الحقيقة والمصلحة وبين الكرامة والخضوع وبين الشجاعة والخوف وبين أن يكون جزءا من الظلم أو أن يرفضه ولذلك فإن كربلاء ليست مكانا فقط بل حالة إنسانية تتكرر في كل زمان والحسين ليس شخصية تاريخية انتهى دورها بانتهاء المعركة بل فكرة أخلاقية لا تزال تحاكم الإنسان إلى اليوم
ولهذا أقول إن الحسين درس لم ينجح به أحد لأن النجاح في هذا الدرس ليس أن تعرف قصة الحسين وإنما أن تمتلك شيئا من شجاعته وليس أن تبكي عليه وإنما أن تتألم للظلم الذي كان يرفضه وليس أن ترفع رايته وإنما أن ترفض أن تكون راية للظلم وليس أن تزور قبره فقط وإنما أن تزور داخلك وتسأل ماذا بقي من الإنسان الذي كنت أظنه في نفسي
قد تكون المسافة إلى كربلاء طويلة ولكن المسافة بين الإنسان ومبادئه قد تكون أطول وقد يكون الوصول إلى ضريح الحسين أسهل بكثير من الوصول إلى المعنى الذي مات من أجله ولذلك فإن أصعب زيارة ليست زيارة المكان وإنما زيارة الضمير وأصعب شعيرة ليست ما يراه الناس وإنما ما يراه الإنسان في نفسه عندما يكون وحيدا أمام قرار لا يعرفه أحد
الحسين لم يطلب من التاريخ أن يحفظ اسمه فقط بل ترك للتاريخ موقفا لا يستطيع الزمن أن يمحوه ومع ذلك فإن أعظم خطر يواجه الرموز الكبرى هو أن تتحول إلى عادات فارغة من المعنى وأن يصبح الاحتفال بها أسهل من الالتزام بما تمثله فكلما كثر الكلام عن الحسين دون أن يتغير سلوك الإنسان ابتعدنا عن الدرس وكلما ارتفعت الشعارات دون أن ترتفع قيمة الإنسان ضاعت الغاية وكلما ازدادت المظاهر بينما بقي الظلم حاضرا في حياتنا اليومية أصبح علينا أن نسأل أنفسنا هل فهمنا الحسين حقا أم أننا اكتفينا بتكرار اسمه
ربما لهذا السبب كان درس الحسين أصعب من أن ينجح فيه أحد نجاحا كاملا لأن الإنسان ضعيف أمام مصالحه وخوفه وغرائزه وحساباته والحسين جاء في اللحظة التي كان المطلوب فيها أن يكون الإنسان إنسانا قبل أن يكون تابعا أو مقلدا أو صاحب شعار
ومن المؤلم أن يتحول الحسين أحيانا من ثورة على الظلم إلى مناسبة ينسى فيها البعض جوهر الثورة ومن دعوة إلى الكرامة إلى مجرد طقوس ومن مدرسة للأخلاق إلى منافسة في المظاهر بينما يبقى السؤال الحقيقي واقفا في مكانه هل نحن أقرب إلى الحسين في أخلاقنا أم أننا فقط أكثر قدرة على الحديث عنه
إن أعظم وفاء للحسين ليس أن نكثر من ذكره فقط وإنما أن نفهم لماذا رفض وأن ندرك أن الإنسان يمكن أن يخسر حياته ولا يخسر كرامته ويمكن أن يخسر الدنيا ولا يخسر نفسه ويمكن أن يقف وحيدا ولا يقف مع الباطل وهذا هو الدرس الذي جعل الحسين عظيما وجعل الامتحان بعده أصعب
لذلك فإن الأربعين ليست نهاية الحكاية بل فرصة لإعادة قراءة الحكاية وربما يكون السؤال الأهم في كل أربعين ليس كم شخصا وصل وكم راية رفعت وكم قصيدة قيلت وإنما كم إنسانا عاد من هذه الذكرى وهو أكثر إنصافا لمن حوله وأكثر رفضا للظلم وأكثر رحمة بالضعفاء وأكثر صدقا مع نفسه
الحسين درس لم ينجح به أحد لأن النجاح فيه لا يمنح بشهادة ولا يقاس بعدد الزائرين ولا بطول المسافة وإنما يظهر في لحظة الحقيقة حين لا يكون هناك جمهور ولا كاميرات ولا تصفيق وحين يكون أمام الإنسان طريقان أحدهما أكثر أمانا ولكنه أقل كرامة والآخر أكثر كلفة ولكنه أكثر صدقا عندها فقط يبدأ امتحان الحسين الحقيقي وعندها فقط نعرف إن كنا قد فهمنا الدرس أم أننا ما زلنا نكرر عنوانه دون أن نقرأه



#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)       Raheem_Hamadey_Ghadban#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلوك الأيراني
- مضيق هرمز وفوهات النار الأيرانية
- الحرب الأمريكية ضد أيران من الرابح؟وماذا جنت دول الخليج العر ...
- الاحتفاظ بحق الرد
- الحرية بين الحق والمسؤولية: متى تتحول إلى جريمة؟
- أيران بين ضبط النفس والحرب النفسية الدولية
- الشرعية والمشروعية
- الخوف والتخوف بين المعنى اللغوي والدلالة النفسية
- الفقر بين شح الموارد وسوء الأدارة قرأة في التجارب العالمية و ...
- نتائج الأنتخابات البرلمانية العراقية ٢٠٢&# ...
- المعارضة بين المشاركة والرقابة وأمكان نشئتها في العراق
- السياسة بين المفهوم والممارسة..قرأة في الواقع العراقي المعاص ...
- القانون يحمي الفاسدين عندما يتحول مبدأ عدم التشهير إلى غطاء ...
- الفرق بين اللقاء والاجتماع والمؤتمر والندوة
- القيادة بين الصرامة والغرور
- ترامب بين السياسة والتجارة صفات لا أتفاقات
- الوهم والأيهام بين الإدراك والتأثير الأجتماعي
- جذور الانتماء بين الغريزة والوعي من العائلة إلى الوطن
- بين الغريزة والعقل هل يضبط الأنسان سلوكه
- مفهوم الثقافة والحضارة


المزيد.....




- رسالة إنذار لميرتس.. استطلاع يكشف تشاؤم غالبية الألمان تجاه ...
- سبتة.. من حادث هجرة إلى أزمة ثقة أوروبية
- تصاعد أعمدة الدخان من ناقلة نفط في مضيق هرمز وسط تصعيد بين إ ...
- سوريا.. رصد آليات للجيش الإسرائيلي بريف درعا الغربي
- معارك تحرير بلدة جديدة في مقاطعة زابوروجيه
- شاهد.. شاب بالغ من العمر 17 عاما يطلق النار في مركز تجاري أ ...
- السجن 4 سنوات لـ-إل سيلنسيو-.. محتال سويدي خدع معجبي بابلو إ ...
- السلطات الفرنسية تعلن السيطرة على حرائق الغابات
- إيران تحذر من عمل أمريكي -متهور- وإسرائيل تعلن قتل عناصر من ...
- إيران مباشر.. حديث إسرائيلي عن هجوم وشيك وعراقجي يحذر من -مغ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رحيم حمادي غضبان - الحسين درس لم ينجح به أحد