كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 22:50
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
اللغة حين تتحول إلى استجابة:
القصيدة الحسينية نموذجا
لا تخلق الجماعات البشرية لغتها الخاصة من باب الزينة البلاغية بل عندما تصبح اللغة اليومية عاجزة عن حمل التجربة الشعورية التي تريد الجماعة نقلها وإعادة إنتاجها. ولهذا صنعت القصيدة الحسينية بيئة لغوية تكاد تفهم من داخلها أكثر مما تفهم من خارجها.
فكلمات مثل:
(العطش) و (الخيمة)، (السبي)، (الراية)، (زينب)، (الطف)، (الميمون) أو حتى النداءات المتكررة مثل (وا حسيناه) (وا عباساه) لا تعمل داخل المجلس الحسيني بوصفها مفردات قاموسية فقط بل بوصفها محفزات استجابة عاطفية وجمعية. فالمتلقي لا يستقبلها بوصفها (معلومة) بل بوصفها استدعاءا فوريا لذاكرة سمعية وبصرية ووجدانية تراكمت عبر سنوات من التكرار والطقس الجماعي. وهنا تتحول اللغة من وسيلة شرح إلى آلية تشغيل شعوري.
لذلك تكون معجما خاصا للقصائد لأن التجربة لم تعد قابلة للنقل عبر اللغة اليومية وأنهم اقتربوا من (اللغة الوسطى) التي تجمع بين المحكي والمكتوب بعيدا عن تقعر اللغويين ومن دون السقوط الكامل في فخ العامية…
فالقصيدة الحسينية الحديثة التي غالبا ما تتحرك في منطقة هجينة بين الفصحى والشفهي بحيث تبقى قابلة للإنشاد الجماعي والتلقي العاطفي السريع.
ولا تعمل القصيدة الحسينية أساسا عبر قوة الفكرة المجردة بل عبر الإيقاع والتكرار والاستدعاء الجمعي. فالتكرار هنا ليس ضعفا لغويا، بل تقنية لإعادة تثبيت الاستجابة داخل الذاكرة السمعية. ولذلك فإن كثيرا من الجمهور قد يتأثر ببيت شعري بسيط لغويا أكثر من تأثره بنص أدبي أكثر عمقا وتعقيدا، لأن وظيفة القصيدة ليست إنتاج التأمل بل إنتاج الاستجابة.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول بعض المفردات داخل البيئات الثقافية المكثفة إلى (مفاتيح شعورية) تختصر سرديات كاملة داخل كلمة واحدة. وهذا ما يجعل اللغة في بعض السياقات الطقسية أقرب إلى الإشارة الجماعية منها إلى التعبير اللغوي التقليدي. فالمتلقي لا يحتاج إلى شرح كلمة (العطش) داخل المجلس الحسيني لأن الكلمة لا تستقبل عبر معناها اللغوي المباشر بل عبر شبكة ضخمة من الصور والذكريات والانفعالات التي أعاد الطقس إنتاجها عبر الزمن.
بهذا المعنى، لا تكشف القصيدة الحسينية فقط عن قوة الشعر الشعبي أو الديني بل تكشف عن آلية أعمق: كيف تعيد الجماعات تشكيل اللغة نفسها لتصبح أداة استجابة جماعية لا مجرد وسيلة تواصل.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟