|
|
السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد (الجزء الأول)
كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 20:14
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد الجزء الأول
كاظم الحناوي
لم تكن الأسواق المسقفة في مدن العراق مجرد أماكن للبيع والشراء بل كانت جزءا من الشخصية العمرانية والاجتماعية للمدينة. فمنذ العهد العثماني انتشرت هذه الأسواق في كثير من المراكز الحضرية، حيث وفرت ممرات مظللة تحمي الناس من حر الصيف وأمطار الشتاء وتحولت مع الزمن إلى فضاءات تلتقي فيها التجارة بالحياة اليومية حتى أصبح السوق في كثير من المدن قلبا نابضا لا يتوقف عن الحركة. ولم يكن قضاء الخضر استثناء من ذلك. فعلى مقربة من مقام الخضر عليه السلام وفي قلب البلدة التاريخية، نشأ السوق المسقف الذي بدوره احتضن عشرات المحلات التي شكلت لعقود طويلة المركز التجاري والاجتماعي للمدينة. لم يكن الناس يقصدونه لشراء حاجاتهم فحسب بل ليلتقوا ويتبادلوا الأخبار ويطمئن بعضهم على بع حتى غدا المرور فيه جزءا من الحياة اليومية لأهل الخضر. وكان الداخل إلى السوق يشعر منذ خطواته الأولى أنه انتقل إلى عالم مختلف. فالسقف المرتفع يحجب حرارة الشمس، الممر تتعاقب على جانبيه الدكاكين الصغيرة والكبيرة، بينما تختلط روائح العطارة بالقهوة والتمور والأقمشة وتتعالى أصوات الباعة والتحيات المتبادلة بين أصحاب المحلات والزبائن الذين يعرف أكثرهم بعضهم بعضا بالاسم.
ولم يكن السوق مجرد صف من الدكاكين المتجاورة بل كان مدينةً صغيرة داخل المدينة. لكل ركن فيه حكاية ولكل محل صاحبه المعروف ولكل مهنة مكانها الذي اعتاده الناس حتى أصبح جزءا من ذاكرتهم. فمن يطلب الدواء الشعبي يعرف إلى أين يذهب ومن يبحث عن القماش أو الحبوب أو أدوات الخياطة أو الذهب أو الحبال لا يحتاج إلى سؤال لأن السوق نفسه كان خريطة يحفظها الجميع. ولهذا حين اختفى السوق فيما بعد لم يشعر أبناء الخضر أنهم فقدوا مبنى قديما فقط بل شعروا أن قلب المدينة الذي ظل ينبض لعشرات السنين قد توقف.
- حين تدخل السوق…
كان الداخل إلى السوق المسقف من جهة الجسر الخشبي يشعر أنه يعبر عتبة مختلفة عن بقية شوارع الخضر. فما إن يبتعد خطوات قليلة عن ضوء الشمس حتى يجد نفسه تحت سقف طويل يمتد فوق الممر فتخف حرارة النهار ويتبدل صخب الشارع إلى حركة منتظمة اعتادها أصحاب المحلات ورواد السوق على السواء. لم يكن السوق واسعا لكنه كان يتسع لكل شيء. فعلى جانبي الممر اصطفّت الدكاكين ذات الواجهات الخشبية متجاورة لكل منها صاحبه الذي يعرفه الناس باسمه قبل أن يعرفوا اسم المهنة التي يمارسها. وكان أكثر التجار يفتحون محلاتهم مع ساعات الصباح الأولى فتبدأ الحركة قبل أن تمتلئ شوارع المدينة بالمارة. ولم يكن أحد يحتاج إلى دليل داخل السوق. فمن أراد العطار عرف مكانه ومن قصد البزاز أو تاجر الحبوب أو بائع الأدوية الشعبية أو مستلزمات الخياطة، كان يتجه إليه مباشرة لأن المهن ظلت ثابتة سنوات طويلة حتى أصبحت جزءا من ذاكرة أبناء الخضر. ويستذكر السيد ماجد ياسر الذي كان منزل عائلته لا يبعد سوى أمتار قليلة عن السوق أنه ما زال قادرا على تعداد محلاته واحدا واحدا رغم مرور عشرات السنين لأن السوق لم يكن بالنسبة إليه مكانا عابر بل جزءا من الحياة اليومية التي عاشها منذ طفولته. ولذلك لم تكن شهرة السوق بعدد محلاته بل بما صنعه من علاقات إنسانية. فالتاجر يعرف زبائنه، والزبائن يعرفون أصحاب المحلات وكثيرا ما كانت الزيارة تبدأ بقضاء حاجة لكنها تنتهي بحديث طويل عن أحوال الناس وأخبار المدينة. ولهذا لم يكن السوق المسقف مجرد مكان للتجارة… بل كان المكان الذي تتقاطع فيه حياة الخضر كل صباح.
- السوق الذي عرفته المدينة
لم يكن السوق المسقف معزولا عن بقية المدينة بل كان جزءا من نسيجها اليومي. فمن الجسر الخشبي يبدأ الطريق إليه ثم يمتد بمحاذاة السوق العريض بينما يقوم إلى جواره سوق الخياطين المكشوف في صورة عمرانية ظلت راسخة في ذاكرة أبناء الخضر لعقود طويلة. ويستذكر الأستاذ حامد العامري الذي غادر الخضر في أوائل ستينيات القرن الماضي ضمن البعثة التعليمية العراقية إلى الجزائر أن السوق المسقف كان يقع بمحاذاة سوق الخياطين بعد السوق العريض مباشر وعلى امتداد الطريق المؤدي إلى الجسر. ويضيف أن سيارات الجيب الألمانية التي كانت تقل خبراء الآثار المتجهين إلى الوركاء كانت تعبر الجسر ثم تسلك الطرق الزراعية من هناك نحو المدينة الأثرية وهو ما جعل السوق شاهدا على حركة يومية لم تقتصر على أبناء الخضر بل امتدت إلى زوارها والوافدين إليها. وتمنح هذه الشهادة صورة مختلفة عن السوق. فلم يكن مجرد ممر تجاري بل عقدة تربط بين الجسر الخشبي والسوق العريض وسوق الخياطين والطريق المؤدي إلى الوركاء ولذلك ظل أكثر أماكن المدينة حركة وحيوية.
- خارطة السوق… محلٌ بعد آخر
لم يكن الدخول إلى السوق المسقف مجرد عبور بين صفين من الدكاكين بل كان أشبه برحلة قصيرة تحفظها الذاكرة بكل تفاصيلها. فلكل محل صاحبه ولكل تاجر مهنته ولكل ركن رائحة تختلف عن الركن الذي يليه. ويقول السيد ماجد ياسر الذي كان منزل عائلته يبعد أمتارا قليلة عن السوق: في الجانب الأيمن من السوق تبدأ المحلات من الحاج تركي آل حسين ثم السيد إبراهيم تاج الدين لتتعاقب بعد ذلك دكاكين العطارية، والبزازين وتجار الحبوب وباعة الأقمشة وعقاقير الطب العربي حتى يشعر المار أن كل مهنة وجدت مكانها الطبيعي داخل السوق. وفي الجانب المقابل تتكرر الصورة نفسها لكن بأسماء أخرى أصبحت جزءا من ذاكرة الخضر فهناك العطار والبزاز وتاجر الحبوب والصائغ وبائع الحلويات وكل واحد منهم يعرف زبائنه كما يعرف الزبائن طريقهم إليه دون أن يحتاجوا إلى سؤال. ولم يكن السوق يجمع أصحاب المهنة الواحدة في مكان واحد مصادفة بل تشكل عبر السنين وفق حاجة الناس حتى أصبح الداخل إليه يعرف أين يجد القماش وأين يشتري مكونات الدواء للطب الشعبي وأين يقصد إذا احتاج إلى الحبال أو مستلزمات الخياطة أو الذهب أو التمور أو الحبوب. وكانت هذه المهن على اختلافها تصنع صورة اقتصادية متكاملة لمدينة صغيرة تعتمد على الريف كما يعتمد الريف عليها. فالفلاح القادم من القرى المحيطة يجد كل ما يحتاجه في زيارة واحدة، كما يجد التاجر زبائنه الذين ينتظرونه كل صباح. ولم تكن المحلات وحدها هي التي تمنح السوق حياته… بل أصحابها. فكثير منهم لم يكونوا مجرد تجار بل وجوها يعرفها الجميع يرتبطون بعلاقات يومية مع أبناء المدينة، حتى أصبح اسم الرجل يدل على محلِّه، وأصبح المحل يدل على صاحبه. ولهذا لم تكن ذاكرة الناس تحفظ أرقام الدكاكين… بل تحفظ أسماء الرجال الذين عمروا السوق وجعلوا منه قلب الخضر النابض لعشرات السنين.
- الكبنك… الباب الذي كان يصبح مجلسا
لم تكن محلات السوق المسقف تفتح بأبواب حديدية كما هو الحال اليوم بل كانت لكل دكان بوابة خشبية تعرف بين أهل الخضر باسم (الكبنك)، حتى أصبح الاسم جزءا من ذاكرة السوق نفسها. ويتكون الكبنك من أربع او اكثر من القطع أخشبية متينة كانت تُغلف احيانا من الخارج بألواح الجينكو لحمايتها من الشمس والأمطار بينما تُثبت بأقفال حديدية مع نهاية كل يوم. ومع ساعات الصباح الأولى تبدأ أولى علامات الحياة في السوق. يفتح التاجر الأقفال، ثم يرفع أجزاء الكبنك قطعة بعد أخرى إلى الأعلى فتتحول واجهة الدكان المغلقة إلى محل مفتوح يستقبل الزبائن بينما يصبح احيانا نصف مكان القطعتان السفليتان دكّةً خشبية يجلس عليها صاحب المحل أو يجلس فوقها الزبائن أثناء تفحص البضاعة أو احتساء استكان شاي جاء بها أحد الصبية من المقهى القريب أو تكون مكان عرض البضاعة. ولم تكن قاعدة الكبنك تؤدي وظيفة الباب فحسب بل كان جزءا من الحياة اليومية للسوق. فكم من صفقة بدأت فوق تلك الدكة. وكم من خلاف انتهى عليها. وكم من أخبار المدينة انتقلت من محل إلى آخر بينما يجلس التجار متجاورين عند أبواب محلاتهم، يتبادلون الحديث ويراقبون حركة السوق منذ الصباح حتى المساء. وحين تغيب الشمس تبدأ الحركة المعاكسة. تنزل القطع الخشبية واحدة بعد أخرى وتغلق الأقفال فيسدل السوق ستاره على يوم آخر استعدادا لصباح جديد يعود فيه كل شيء إلى الحياة من جديد. ولذلك لم يكن الكبنك مجرد باب… بل كان جزءا من ذاكرة السوق وعنصرا من عناصر شخصيته المعمارية والاجتماعية حتى إن كثيرا من أبناء الخضر ما زالوا يذكرون صرير أخشابه عند فتحه صباحا قبل أن تختفي هذه الأبواب مع اختفاء السوق نفسه.
- السوق الأعوج… حيث يبدأ السوق بالاتساع
لم يكن السوق المسقف ينتهي عند صفوف محلاته الرئيسة بل كان يخبئ في داخله ممرات أخرى لا يعرفها جيدا إلا أبناء المدينة. ومن أشهر هذه الممرات ما كان يعرف بين أهل الخضر باسم السوق الأعوج. ويستذكر السيد ماجد ياسر أن هذا الفرع كان يبدأ بعد مدخل السوق باتجاه اليسار ثم يمتد حتى مخبز السيد كاظم ولذلك بدا أكثر ضيقا والتواءا من الممر الرئيسي وهو ما أكسبه اسمه الذي ظل متداولا بين الناس لعشرات السنين. ورغم ضيقه لم يكن السوق الأعوج أقل حركة من السوق الرئيس. فقد ضم عددا من المحلات التي يقصدها أبناء الخضر يوميا وكان امتدادا طبيعيا للحركة التجارية داخل السوق المسقف حتى إن كثيرا من المتسوقين لا يشعرون أنهم غادروا السوق الأصلي لأن الحياة كانت تستمر فيه بالإيقاع نفسه. ولم يكن الالتواء في مساره عيبا عمرانيا بل كان جزءا من شخصية البلدة القديمة التي نشأت أزقتها وأسواقها تدريجيا مع توسع العمران لا وفق مخطط هندسي مسبق ولذلك بقيت الأزقة تحتفظ بعفويتها بينما كان أهل المدينة يحفظون تفاصيلها عن ظهر قلب. ومن هناك يبدأ السوق بالانفتاح على فضاءات أخرى. فليس بعيد عن نهايته كانت الربضة حيث تستريح الدواب القادمة من القرى والبادية قبل أن تبدأ رحلة العودة محملة بما اشتراه أصحابها من السوق.
- الربضة… حيث كانت المدينة تستقبل البادية
لم يكن السوق المسقف ينتهي عند آخر دكان. فبعد أن يغادر المتسوق الممرات المسقفة ويترك وراءه العطارين والبزازين وباعة الحبوب يصل إلى فضاء مختلف تماما. هناك…كانت الربضة. ويستذكر السيد ماجد ياسر أن الربضة كانت تمتد بعد سوق الخياطين وكانت مرابض للجمال والخيول والحمير التي تأتي يوميا محملة ببضائع القرى والبادية أو تعود محملة بما اشتراه أصحابها من السوق. ولذلك لم تكن الربضة مكانا لوقوف الحيوانات فحسب بل كانت آخر حلقة في منظومة اقتصادية متكاملة. فالتاجر ينتظر وصول الحمولة. وصاحب الدابة ينتظر انتهاء البيع. والفلاح القادم من القرى ينتظر أن يكمل حاجاته قبل رحلة العودة. أما القادمون من البادية، فكانوا يجدون في السوق كل ما يحتاجونه؛ من الحبوب، والمواد الغذائية، والأقمشة، إلى عقاقير الطب العربي والحبال، والليف وأدوات بناء بيوت الشعر. ولهذا لم يكن السوق المسقف يخدم مدينة الخضر وحدها بل كان يخدم رقعة واسعة تمتد إلى القرى المحيطة، وحتى أطراف البادية. ولم يكن مشهداً غريبا أن ترى جملا يبرك في الربضة بينما يقف صاحبه داخل السوق يساوم على ثمن قماش أو يشتري دواء شعبيا أو يحمل مؤونة تكفي أسرته أسابيع. كانت حركة الناس والدواب والبضائع تسير بإيقاع واحد حتى بدا السوق وكأنه القلب الذي يضخ الحياة في المدينة وما حولها. ولهذا لم تكن الربضة منفصلة عن السوق… بل كانت امتداده الطبيعي. فما يبدأ داخل الممرات المسقفة، كانت الربضة تنهيه على ظهور الجمال والخيول والحمير، وهي تغادر الخضر عائدة إلى القرى والبادية.
- قلب المدينة الذي كانت تنبض فيه الحياة لم يكن السوق المسقف أكبر أسواق الخضر مساحة فقط بل كان بلا شك أكثرها تأثيرا في حياة الناس. فمنذ ساعات الصباح الأولى تبدأ الحركة فيه قبل أن تستيقظ بقية المدينة. يرفع التجار أبواب الكبنك وتُرتب البضائع على الدكات الخشبية بينما يصل الفلاحون وأبناء القرى تباعا بعضهم يحمل ما يريد بيعه وآخرون يحملون قائمة طويلة بما يحتاجونه قبل العودة إلى قراهم. وكان السوق يجمع في مساحة محدودة عشرات المهن التي تكمل إحداها الأخرى. فالعطار يجاور بائع الحبوب. والبزاز يقابل تاجر الأقمشة. والصائغ لا يبتعد كثيراً عن بائع الطب العربي. وبائع الحبال والليف يقف قريباً ممن يبيع ما تحتاجه الخياطة أو بناء بيوت الشعر. ولهذا لم يكن المتسوق يحتاج إلى مغادرة السوق ليكمل حاجاته. كل شيء كان موجوداً في مكان واحد. وكان هذا التنظيم الذي تشكل عبر عشرات السنين يجعل السوق يعمل كجسد واحد لا كمجموعة محلات متجاورة. ولم تكن التجارة وحدها هي التي تصنع قيمة السوق. ففيه تُعقد المواعيد. وتحل الخلافات. وتُتداول أخبار المدينة. ويتعرف القادم الجديد على أهل الخضر من خلال الجلوس دقائق أمام أحد المحلات. وكان كثير من كبار السن يبدأون يومهم بفنجان شاي في أحد المقاهي القريبة ثم يمشون ببطء داخل السوق يسلمون على هذا ويتوقفون عند ذاك حتى أصبح المرور في السوق طقسا اجتماعيا لا يقل أهمية عن البيع والشراء نفسه. ولهذا لم يكن السوق المسقف مجرد مركز اقتصادي… بل كان الذاكرة اليومية للمدينة. فمن أراد أن يعرف ما يجري في الخضرً لم يكن بحاجة إلى صحيفة أو إذاعة. كان يكفيه أن يمضي ساعة واحدة بين محلات السوق. ولعل هذا ما يفسر بقاء السوق حاضراً في ذاكرة أبناء الخضر حتى بعد اختفائه. فهم لا يتذكرون الجدران وحدها… بل يتذكرون الحياة التي كانت تدور بينها.
- حين صمت قلب المدينة
لم يختف السوق المسقف لأن الزمن تجاوزه. ولم تغلق محلاته بسبب كساد التجارة. بل اختفى لأن المدينة نفسها تغيرت. فعندما تقرر إنشاء الجسر الكونكريتي لم يكن التغيير مقتصرا على طريق جديد أو مشروع هندسي بل امتد إلى قلب الخضر القديم حيث بدأت عمليات إزالة البيوت والمحلات والأسواق التي تشكلت عبر عقود طويلة. ومع تقدم أعمال المشروع، وجد كثير من أصحاب المحلات أنفسهم مضطرين إلى مغادرة الأماكن التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. وتفرقت المهن التي كانت تتجاور تحت سقف واحد. وانتقلت التجارة إلى شوارع جديدة. أما السوق… فلم يبق منه سوى الذكريات. ولم يكن ما خسرته الخضر مجموعة من الدكاكين. لقد خسرت مكاناً كان يعرف الجميع. مكانا كانت الأجيال تتعلم فيه أسماء الناس قبل أسماء الشوارع. وتتعرف فيه على المدينة من خلال وجوه تجارها، لا من خلال اللافتات. وحين اختفى السوق، لم تختف الأبنية وحدها. اختفت أصوات المساومات. ورائحة العطارة. وصوت النداءات لرفع البضائع او تفريغها. واختفى ذلك المشهد الذي ظل يتكرر كل صباح، حين ترتفع أبواب الكبنك مع شروق الشمس فيولد السوق من جديد. ولعل أكثر ما يؤلم في قصة السوق المسقف أن أبناء الخضر لم يودعوه وهم يعلمون أنهم يرونه للمرة الأخيرة. خرجوا منه كما يخرجون كل يوم… ثم جاء يوم لم يجدوه فيه. وبقيت صورته محفوظة في ذاكرة من عاشوه أكثر مما بقيت في الصور الفوتوغرافية. واليوم، وبعد مرور عقود على اختفائه ما زالت أسماء التجار تُتداول بين كبار السن كما لو أنهم أغلقوا محلاتهم مساء أمس فقط. وما زال من يسير في تلك المنطقة يحاول أن يتخيل أين كان محل الحاج راجوج، وأين كان دكان إبراهيم تاج الدين وأين يبدأ السوق الأعوج وأين كانت الربضة وأين كان الأطفال يقفون أمام عربة الحلوى. لقد هُدم السوق… لكن ذاكرة المكان لم تُهدم. ولهذا فإن كتابة تاريخ السوق المسقف ليست محاولة لاستعادة الماضي بل محاولة لإنقاذ ما تبقى منه قبل أن يغادر آخر الشهود الذين ما زالوا يحفظون أسماء محلاته وروائحه، وأصواته كما كانت قبل نصف قرن.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شهادة أعتز بها
-
گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع
-
ربية الخضرية فوق جبال كردستان
-
الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
-
الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
-
الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
-
عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
-
من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
-
لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
-
صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
-
حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
-
طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
-
رحلة جديدة للقمر
-
المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس
...
-
عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
-
حين يصنع الرمز… ولا يولد
-
الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
-
اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
-
حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
-
أيام الحب والحرب
المزيد.....
-
وزارة الحرب الأمريكية تعلن إطلاق برنامج فحص هرمون -التستوستي
...
-
الأردن.. حزب -الأمة- يتقدم بطلب -أمر نقض خطي- في حكم حبس أحد
...
-
احتجاجات في أوكرانيا ضد إقالة زيلينسكي لوزير الدفاع
-
تصنيف الأفضل: ميسي كصانع ألعاب ومبابي كهداف وثلاثي إسباني لل
...
-
الحوثي يهدد السعودية
-
ترامب: الإيرانيون سيهزمون قريبا جدا
-
اتفاق مصري تركي على التعاون في الصناعات الدفاعية
-
أوري مسغاف: نتنياهو انتهى وهنا يكمن الخطر.. هذا الرجل مستعد
...
-
مصنعو السلاح بأوروبا.. تجارة الحروب
-
تل أبيب ترفض الإنسحاب من -المناطق الأمنية- وتبلغ واشنطن بذلك
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|