كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 14:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
أتذكر جيدا تلك الليالي التي كان فيها المرحوم الشيخ عزيز ال سْفًر يزورنا في بيتنا، ويجتمع مع أشخاص ينتقيهم هو بعناية، لا ليصنع مجلسا صاخبا، بل ليخرج قليلا من روتينه اليومي، وليترك للكلمة مكانتها التي تستحق.في تلك المجالس لم يكن الصوت العالي هو الذي يفرض الحضور، بل الكلمة الهادئة، والنظرة التي تفهم قبل أن تسأل.
كان يكفي أن يتحدث الشيخ عزيز بجملة قصيرة حتى تهدأ النفوس، وكأن الرجل لا يقود عشيرة فقط، بل يضبط إيقاع المكان كله. لم يكن بحاجة إلى أن يرفع صوته، لأن الهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج.
وفي يوم طلب مني أن أقوم بعمل يخصه لشخص عزيز عليه في الديوانية، مركز محافظة القادسية. وحين قبلت المهمة، رفض أن أقوم بها بالمجان، وأصر على أن يدفع لي أجرة السيارة ذهابا وإيابا.هنا تتكشف خصال الشيخ الحقيقية؛ فقد كان بإمكانه أن يطلب ذلك من والدي مباشرة، أو أن يعتبر الأمر واجبا لا يناقش، لكنه اختار أن يطلب مني أنا، وأن يحفظ قيمة التعب، حتى في أمر صغير قد لا يلتفت إليه كثيرون.
هذه الحادثة بقيت في ذاكرتي لأنها لا تتحدث عن مال أو أجرة طريق، بل عن رجل يعرف كيف يحترم الناس، وكيف يجعل الموقف البسيط شاهدا على معدن صاحبه.
شيخ القبيلة وعلوم الرجال
تعد القبيلة من أقدم البنى الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات البشرية، وهي أوسع من مجرد رابطة دم أو نسب، بل منظومة متكاملة من العادات والأعراف والعلاقات التي نظمت حياة الناس قبل أن تتوسع مؤسسات الدولة الحديثة في الأرياف والمناطق البعيدة عن مراكز المدن.
وفي جنوب العراق، كانت القبيلة تؤدي أدوارا متعددة تتجاوز حدود الانتماء العائلي، فهي مرجع اجتماعي، وإطار لحل النزاعات، ووسيلة لحفظ التوازن بين الناس. ولهذا لم يكن موقع الشيخ مجرد لقب أو وجاهة اجتماعية، بل مسؤولية تفرض على صاحبها أن يكون حاضرا في الخصومات والمصالحات، وفي الأفراح والأحزان، وفي كل ما يمس حياة أبناء عشيرته.
كانت ولا تزال عشيرة الجوابر محيطا آمنا لكثير من أبناء المنطقة والعشائر المجاورة، حتى غدت بالنسبة لهم حصنا اجتماعيا وسورا من الطمأنينة والأمان..
ولد الحاج الشيخ عزيز رحيم آل سِفّر سنة 1937 في قرية آل حسان ضمن ضواحي ناحية الخضر آنذاك. وهو الابن الثاني للحاج رحيم آل سِفّر، وقد نشأ في بيئة عشائرية معروفة بمضايفها ومجالسها وعلاقاتها الواسعة. ومنذ سنواته الأولى كان ملازما لمضيف والده، يستمع إلى أحاديث الرجال ويتابع طرق معالجة الخلافات العشائرية، الأمر الذي أكسبه خبرة مبكرة في فهم الناس وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه.
وبعد وفاة والده سنة 1968، تسلّم مسؤولية قيادة عشائر الجوابر وهو ما يزال في مقتبل العمر، مستفيدا من الخبرة التي اكتسبها في مجالس والده ومن المكانة التي كانت تتمتع بها الأسرة داخل محيطها العشائري.
وبحسب ما رواه الأستاذ ماجد عباس الجابري، فقد انتقل الشيخ عزيز إلى مقاطعة (أبو ملح) تنفيذا لوصية والده، وشيد مضيفه على ضفاف نهر الفرات ليكون مقصدا لأبناء العشائر ومكانًا لإصلاح ذات البين وحل النزاعات. وكانت الزراعة مورد رزقه الأساسي، وهي المهنة التي ورثها عن آبائه وأجداده، وظل قريبا منها طوال حياته رغم ما تحمله مسؤوليات المشيخة من أعباء يومية.
ولم يكن المضيف بالنسبة له بناء من القصب والطين أو مكانا لاستقبال الضيوف فقط، بل كان مساحة يجتمع فيها الناس للبحث عن حلول لمشكلاتهم، ولذلك ارتبط اسمه عند كثيرين بالحكمة أكثر من ارتباطه بالسلطة، وبالإصلاح أكثر من ارتباطه بالنفوذ.
بين العشيرة والسلطة
كان لشيخ العشيرة في الخضر ومحيطها حتى سبعينات القرن الماضي دور يتجاوز حدود إدارة شؤون القبيلة، إذ كان ينظر إليه بوصفه مرجعا اجتماعيا يلجأ إليه الناس عند اشتداد الخلافات أو تعقد الأمور التي يصعب حلها بالطرق الاعتيادية. وكانت مكانة الشيخ تقاس بما يحققه من إصلاح بين الناس أكثر مما تقاس بعدد أتباعه أو اتساع نفوذه.
لكن التحولات السياسية التي شهدها العراق خلال العقود اللاحقة غيرت كثيرا من طبيعة العلاقة بين الدولة والعشائر. فمع اتساع نفوذ السلطة، بدأت أدوار الشيوخ التقليدية تنكمش تدريجيا، فيما اتجه بعضهم إلى الاقتراب من مراكز القرار بحثا عن النفوذ أو حفاظا على المكانة.
في تلك المرحلة ظهر نمط جديد من الشيوخ ارتبط بالسلطة أكثر من ارتباطه بالمجتمع، وأصبحت بعض المناسبات العشائرية تدور في فلك المهرجانات الرسمية واللقاءات السياسية، بينما بقي آخرون متمسكين بالدور التقليدي للمشيخة كما عرفته الأجيال السابقة.
وكان الشيخ عزيز السفر من أولئك الذين اختاروا طريقا مختلفا.
فبحسب من عاصروه، لم يكن من هواة الظهور أو البحث عن الأضواء، ولم بعرف عنه السعي وراء المناصب أو الامتيازات. كان يفضل أن يبقى قريبا من الناس، وأن يحافظ على المسافة التي تجنبه الدخول في صدامات لا تخدم مجتمعه ولا عشيرته.
وخلال سنوات الأزمات التي مر بها العراق، خصوصا في الثمانينات والتسعينات، ظل مضيفه مفتوحا للناس وعابري السبيل، وبقي حريصا على أداء دوره الاجتماعي بعيدا عن الضجيج الإعلامي أو الاصطفافات السياسية الحادة.
ولم تأت المكانة التي حظي بها من فراغ، إذ يروي أبناء المنطقة أن دوره في معالجة النزاعات والسعي للإصلاح بين عشائر بني حجيم كان واسعا، حتى أصبح يعرف بين الكثيرين بلقب «لسان بني حجيم»، وهو لقب لم تمنحه جهة رسمية، بل منحته له مواقف متراكمة وحضور اجتماعي امتد لسنوات طويلة.
وكان هذا اللقب في البيئة العشائرية يحمل دلالة خاصة، لأنه يشير إلى الرجل الذي يستطيع أن يتحدث باسم قومه عند الشدائد، وأن يسعى إلى تقريب وجهات النظر حين تتعقد الأمور، وأن يكون موضع ثقة لدى الأطراف المختلفة.
ولعل هذا ما يفسر استمرار حضوره وتأثيره حتى في المراحل التي تراجعت فيها أدوار كثير من الشيوخ، إذ بقي اسمه مرتبطا بالإصلاح والسعي إلى التهدئة أكثر من ارتباطه بالاستعراض أو المواقف الصاخبة.
سنوات الشدة واللقاء الأخير
في سنوات التسعينات، حين كان العراق يمر بواحدة من أصعب مراحله، لم تكن الحياة سهلة على أحد. الحصار أنهك الناس، والخوف كان حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، وأصبحت كلمة الحق تقال بصوت منخفض، فيما كان كثير من العراقيين يبحثون عن وسيلة للنجاة أكثر من بحثهم عن الرفاه أو الاستقرار.
في تلك الظروف بقي الشيخ عزيز السفر محافظا على نهجه المعروف. لم يكن رجل صدامات أو خطابات حادة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن ممن يتخلون عن الناس في أوقات الشدة. و ظل مضيفه مفتوحا لعابري السبيل والمحتاجين، وأنه كان يسعى إلى تقديم ما يستطيع لمن يقصده، مستندا إلى مكانته الاجتماعية وعلاقاته الواسعة.
كما كانت تربطه علاقة احترام وتواصل بعدد من الشخصيات الدينية البارزة، ولا سيما مع بيت الحكيم، وهو ما منحه حضورا إضافيا داخل المجتمع المحلي، خصوصا في القضايا التي كانت تتطلب حكمة في المعالجة أو تهدئة للتوترات القائمة بين الناس.
ورغم تعاقب السنوات وتبدل الظروف، بقي الشيخ عزيز قريبا من أبناء منطقته، يتابع شؤونهم ويشاركهم مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، وهو ما جعل حضوره يتجاوز حدود موقعه العشائري إلى مساحة أوسع من الاحترام الاجتماعي.
أما أنا، فكانت آخر مرة رأيته فيها داخل قاعة كرة السلة في السماوة أثناء زيارة رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري للمحافظة حيث كان مقعدا على كرسي متحرك. كنت هناك أقوم بواجبي الصحفي بين الحضور، وحين وقعت عيناه عليّ استقبلني بابتسامته المعهودة.
رحب بي بحرارة، ولم يخف عتبه اللطيف لأنني انقطعت عن زيارته طوال تلك المدة، ثم حملني أحر التحيات إلى والدي، كما لو أن السنوات التي مرت بيننا لم تستطع أن تقلل شيئا من تلك العلاقة الإنسانية التي عرفتها فيه منذ الصغر.
كانت لحظة قصيرة في ظاهرها، لكنها بقيت عالقة في ذاكرتي، لأنها أعادت إليّ صورة الرجل كما عرفته دائما، قريبا من الناس، حريصا على السؤال عنهم، ومتمسكا بروابط الود حتى مع من فرقتهم عنه ظروف الحياة وانشغالاتها.
ولعل ما بقي في الذاكرة من الشيخ عزيز السفر ليس عدد القضايا التي تدخل لحلها، ولا عدد المجالس التي حضرها، بل تلك القدرة النادرة على أن يجعلك تشعر بأنك موضع تقدير واحترام، سواء كنت شيخا أو فلاحا أو شابا في بداية طريقه.
الرحيل الذي شهدته الجموع
في الثالث عشر من آيار سنة 2010 رحل الشيخ عزيز رحيم آل سِفّر بعد رحلة طويلة من العمل الاجتماعي والعشائري، تاركا وراءه سيرة ارتبطت في أذهان كثير من أبناء المنطقة بالحكمة والإصلاح والسعي إلى جمع الكلمة.
ولأن الرجال يعرفون أحيانا من طريقة وداع الناس لهم أكثر مما يعرفون من الألقاب التي حملوها في حياتهم، فقد كان تشييعه من المشاهد التي ما زالت حاضرة في ذاكرة كثيرين ممن شاركوا فيه. يومها جاءت وفود العشائر من مناطق مختلفة من الفرات الأوسط، واجتمع الناس لتوديع رجل عاش بينهم لعقود طويلة، فوجدوا في رحيله مناسبة لاستذكار مواقفه وسيرته وما تركه من أثر في النفوس.
ولم يكن الحزن يومها حزن أقارب أو أبناء عشيرة فقط، بل كان حزن أناس عرفوا الرجل في مواقف متعددة، فمنهم من عرفه في مجلس صلح، ومنهم من عرفه في مناسبة اجتماعية، ومنهم من لم تجمعه به سوى كلمة طيبة أو موقف بقي عالقا في الذاكرة.
وفي مراسم التشييع صدحت الأهازيج الشعبية التي اعتاد أهل الجنوب أن يودعوا بها رجالهم، ومن بين ما احتفظت به الذاكرة من تلك الأهازيج:
امبراطور وزعيم عل الرزانه البيك
يبو طالب نحسها بحقك گْلَيلّة
ويساسك ساس مرمر مو رمل ويزيح
ويبو لسان الصطير ال يعدل الميلة
ويخَيّال ال عبية الما سبگها سبوگ
الما جبتش كديشة تجيب الكْحيلّة
ها ها ها
ذياب البر جابنك ماهزنك بالكاروك
وربما لا يبحث القارئ اليوم في معاني كل مفردة من هذه الأهزوجة بقدر ما يلتفت إلى شيء آخر وهو أن الناس حين ترثي أحد رجالها بهذه الطريقة فإنها لا ترثي منصبا أو لقبا، بل ترثي صورة إنسان استقر في وجدانها سنوات طويلة.
لم يكن الشيخ عزيز السفر يبحث عن صورة مع مسؤول، ولا عن مقعد في احتفال، ولا عن لقب يسبقه في نشرات الأخبار. كان يعرف أن قيمة الشيخ لا تُقاس بعدد البنادق خلفه، بل بعدد الرجال الذين يطمئنون حين يسمعون اسمه.
ولهذا بقي في ذاكرة الناس شيخا للعشيرة… لا شيخا على العشيرة.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟