أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة















المزيد.....

الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 02:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في يوم وفاته تتالت الأحداث كأمواج البحر وتصادمت المشاعر كرياح تعصف في ليلة شتوية لتولد الحاجة إلى نور يخرج المشيعين من وسط الظلام والقلق والتوتر. كانت تلك الحالة تشبه روح ثورة نمت على جدران سجن كبير رغم قسوة الظروف. تحولت الجنازة إلى قرار وهتاف يمنح الحياة لونا مختلفا.
كان أغلب أبناء مدينة الخضر آنذاك يعيشون بين خوفين: خوف من بطش النظام بعد الإنتفاضة وخوف من أن يتحول الصمت إلى موت بطيء. كانوا يريدون النجاة من عيون السلطة وأذنابها لكنهم في الوقت نفسه لم يعودوا قادرين على العيش بانسجام مع واقع يعيد الرجال إلى ظلمات السجون.
المرحوم الشيخ محسن البزوني كان بعيدا عن الاحتكاك المباشر مع السلطة لأنه خلال السنوات الثلاثة التي سبقت وفاته طريح الفراش وهو يعرف جيدا لوكان بكامل صحته لوضعوا تحركاته تحت المجهر في مدينة صغيرة محدودة الأطراف. كان يحظى بمحبة واسعة، لكن سيرته تشبه نهرا يجري بهدوء، مهما ألقت عليه السلطة صخورها يلتف حولها يتقبلها لكنه لا يسمح لها بأن توقف تدفقه.
لم يكن من الذين يرفعون أصواتهم كثيرا حتى حين كان الناس يدخلون عليه وهم يرتجفون من أخبار الاعتقالات والملاحقات بعد الانتفاضة الشعبانية. كان يصغي أكثر مما يتكلم، وكأن الرجل يعرف أن المدن المكسورة لا تحتاج خطيبا بقدر حاجتها إلى قلب لا ينهار.
كان الألم الذي يحس به تجاه أبناء المدينة بعد ما تعرضوا له في الانتفاضة حاضرا داخله لكنه لا يقدمه بصراخ أو اندفاع بل بصبر طويل وتوجيه هادئ. أدرك مبكرا كيف لا يصبح الإنسان أسيرا لأحزان الماضي ولا رهينة لمخاوف المستقبل بل يسير بخطى متزنة بين الحلم بصبح جديد وواقع يتسيد فيه الظلام بين الأمل والحذر بين القلب والعقل.

المرحوم الشيخ محسن الشيخ حسن البزوني، أفنى الكثير من عمره بالاهتمام والمطالعة والبحث ليكمل ما بدأه في شبابه، حين درس في النجف الأشرف عند كبار مراجعها وشيوخها حتى وصل إلى مرحلة البحث والتأليف في العلوم الدينية ثم عاد إلى مدينته الخضر.
ومع تقدم العمر وفي محيط ممنوع من التواصل الحر وسلطة تبحث عن سبب لاعتقال أي إنسان تتسلل الوحشة إلى النفس حين تخفت الأصوات الداعمة من حوله عندها يصبح الصدى هو الرفيق الوحيد فتبدو الحياة كصحراء قاحلة. لكنه كان يلجأ دائما إلى تلك الواحة التي أحب أن يغرق فيها: العلوم الدينية. هناك أكمل ما بدأه في المدرسة المهدية التابعة للحوزة العلمية في كربلاء وأنهى بحث الخارج ليصبح وكيلا للمرجع الأعلى في النجف الأشرف في مدينة الخضر وضواحيها طوال حياته.
ويروي علي الشيخ محسن أن والده كان يجمع الأموال للفقراء من المحسنين الذين يثق بأمانتهم، وكان يتألم حين يرى بعض القادرين يتهربون من المساهمة طمعا في الدنيا، ويقول إن الإنسان قد يخسر بخلَه ما لا يستطيع المال أن يعوضه من ثواب الآخرة. وكان يرى أن خدمة المحتاجين عبادة لا تقل شأناً عن أي عمل ديني آخر.
ويضيف أن والده كان شديد الحرص على أن يعلم الجميع ان يكون سلوكهم منسجما مع ما يدعو إليه لأنه كان يرى أن الموقف الأخلاقي يبدأ من السلوك قبل الكلام.
في يوم وفاة الشيخ محسن البزوني في التاسع عشر من آيار 1993 لم يكن التشييع عاديا في اليوم التالي. كان الناس يحملون داخلهـم خوفا وغضبا مكبوتا منذ الانتفاضة الشعبانية، لذلك تحولت الجنازة سريعا إلى ما يشبه المظاهرة والهتافات إلى أحكام إدانة تخرج من حناجر موجوعة.
ويقول الأستاذ عقيل عبد الصالح أحد المشاركين في التشييع إن الهتاف الذي كان يردده المشيعون حينها:
(لا إله إلا الله… المؤمن حبيب الله).
ويضيف أن المسير استمر لمسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من مكان الجنازة حتى مدخل المدينة من جهة طريق السماوة ـ الناصرية، قبل أن يصل المحافظ محسن خضر الخفاجي ويحاول المشاركة بحمل الجنازة مع المشيعين، الأمر الذي أثار غضب عدد من الشباب ودفعهم للاعتراض عليه نتيجة ما يحملون من كره لأزلام النظام. وتشير روايات أخرى إلى أن المرحوم هاتف جبار كان من بين الذين تصدوا لذلك الموقف.
عندها تدخل الأمن والجهات الحزبية فيما حاول المرحوم السيد ناصر سيد تاج الدين تهدئة الوضع وطلب جلب سيارة لنقل الجثمان باتجاه النجف. لكن المحافظ سبق المشيعين وأقام سيطرة على مدخل السماوة جرى خلالها اعتقال عدد من الشباب المشاركين في التشييع بعد أن وصلت إلى بغداد معلومات تتحدث عن (ثورة مسلحة) في مدينة الخضر.
وعلى أثر ذلك، حضر وزير الداخلية إلى المدينة واجتمع بعدد من شيوخها ووجهائها الذين شرحوا حقيقة ما جرى وأن الأمر لم يكن حركة مسلحة بقدر ما كان غضبا شعبيا انفجر في لحظة تشييع رجل يحظى بمحبة الناس ليصدر بعد ذلك أمر بإطلاق سراح المعتقلين.
هنا تحولت مراسم تشييع شخصية هادئة، كما عرفت عنه إلى عاصفة حمل فيها الشباب جنازة رجل عاش معزولا رغما عنه لكنه بقي قريبا من الناس جميعا.
كان يعرف كيف يكون صديقا لنفسه قبل أن يطلب الصداقة من الآخرين وكيف يجعل من هدوئه ملجأ لمن يدخل عليه خائفا أو مكسورًا.
إن الشيخ محسن البزوني من القلوب التي عاشت بسلام مع محيطها. يعرف متى يصمت ليسمع صوته الداخلي ومتى يتكلم ليعيد ترتيب فوضى الأفكار التي يلجأ إليه بها أبناء المدينة ومتى يعيدهم من خلال توجيهاته إلى الصبر والتعلم من سيرة أهل البيت ليكونوا أقوى مما كانوا عليه.
هذا الإنسان الشيخ الهادئ لم يكن يسمح للآخرين بأن يعبثوا بتوازنه لأن له جذورا ضاربة في الأرض. كان يدرك حدود المرحلة ويفهم طبيعة الصدام القائم، لذلك بقي حذرا دون أن يفقد احترام الناس أو احترامه لنفسه.
لم يكن يدعو إلى السلامة الشخصية فقط بل كان يعرف أن المرجعية العليا تدرك خطورة المرحلة وحدود المواجهة. لذلك كان قادرا على احتواء الحزن الذي عاشه الناس بعد عودة قوات النظام، ومن استمع إلى توجيهاته لم يغرق بالكامل في اليأس، لأنه كان يحاول أن يزرع داخلهم القدرة على مواجهة الخوف دون الاستسلام له، وتجاوز الخذلان دون فقدان الثقة بالناس الذين شاركوا بحسن نية.
رحل الشيخ محسن البزوني بهدوء، لكن المدينة يومها لم تكن هادئة.
كان الناس يشيعون رجلا عرفوه ملاذا في زمن الخوف بينما كانت عيون السلطة تراقب الوجوه والهتافات والدموع.
وربما لهذا بقيت صورته في ذاكرة الخضر مختلفة عن كثيرين مروا فيها…
لأنه لم يكن يبحث عن الزعامة بل كان يبحث عن طمأنينة الناس وسط زمن فقد فيه الجميع الطمأنينة.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة


المزيد.....




- إسرائيل تصعد خلافها مع تركيا وتشعل مجددا نيران حرب بين -أشقا ...
- برلماني أوروبي يصف العقوبات الغربية ضد كل ما هو روسي بأنها م ...
- -حبيب إبراهيمي-.. تقارير تكشف تفاصيل عن مخبأ سري للمرشد الأع ...
- ليبيا.. دعوة الشامي لإحياء حفل في مؤسسة دينية تفجر أزمة وتشع ...
- ارتفاع حصيلة ضحايا إيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى 304 وفي ...
- عقود دفاعية بعشرات مليارات الدولارات خلال قمة الناتو في تركي ...
- هل تتحول انتصارات اليمين في أمريكا اللاتينية إلى عبء سياسي؟ ...
- تحليل.. لماذا اختلف موقف روبيو عن ترامب وفانس تجاه مذكرة الت ...
- في بيان لـCNN.. الجيش الإسرائيلي يعلن تخفيض قواته في لبنان - ...
- خطوط روسيا الحمراء من إسطنبول إلى ألاسكا


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة