|
|
قراءة بلاغية في قصيدة الشتاء للشاعر زكي قنصل: محمد عبد الكريم يوسف
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 20:44
المحور:
قضايا ثقافية
قراءة بلاغية في قصيدة الشتاء للشاعر زكي قنصل نص القصيدة: الشتاء نعتوك بالشيخ الكئيب وأخطأوا بل أجرموا شتان في نظر اللبيب كآبة وتجهم أنت الأجل ُ من الفصول، وأنت عندي الأكرمُ هذا العبوس هو الوقار بعينه فتعلموا هذي العواصف والرعود تنمرٌ وتبرمُ من عاش للمزح الثقيل فبالحماقة يوصمُ إن اللجاجة والسماجة في اعتقادي توأمُ
*** يا ابن الخريف – وأنت أغنى من أبيك وأخصب- يدك السخية علمتني ما أقول وأكتب إني لأرض َ إن رضيت ، وإن غضبت لأغضب لولاك ما ازدهت المروج ولا تضاحك سبسب رويتها بالدمع حين سحاب غيرك خلب منك الحياة ، ومنك يقتات الربيع ويشرب إنْ يحترم ولدٌ أباه ، فأنت للدنيا أبُ
*** لله ثلجك إنه بطهارة الروح الأمَنْ لكأنـّه نورُ الرجاء وآية الحق المبين رُقعٌ يرفرف كالحمائم بالحمائم تستعين هذا هو الكنز الثمين لطالب الكنز الثمين وشحت بالألق الرُّبى ، وغمرتها بالياسمين سلها ألم تشرب دماءك حين أعوزها المَعِيْن ؟ سلها ألم تذكر دموعك بالصبابة والحنين ؟
*** ذكـِّر سكارى الخمر، إنَّ الخمر إثم منكرُ تجني على الحاسي، ويحمل وزرها من يعصرُ إلا التي تاه الجمالُ بها وغنى المنبرُ تلك التي غذت دواليها الزكية عبقر تلك التي بشباكها وقع الضرير وعنتر تلك التي مهما تعاطاها الفتى لا يسكر وإذا انتشى منها فنشوته ضَيع ٌ يشكرُ
*** من أين تأتي يا شتاء بغيثك الثرِّ الغزير؟ تروي به عطش الثرى، وترد غائلة الهجير لا فرق في الأقدار عندك، لا كبيرُ ولا صغير وتعيد للأطفال أخبارَ الأميرة والفقير زفت إليه، فهاج ثائرة ُ الأمير بن الأمير كيف استطاع الجنُّ تغليب الحصير على الحرير؟ سبحانَ من حقك القليل النزر أكثر من كثير!!!
*** في سالف الأزمان – كانت جدتي تحكي لنا- عشق الأمير أميرة هيفاء دانية الجنى لكنها هامت براع ٍ بيته في المنحنى راع ٍ يحب الشعر ينظمه زكيا لينا عافت لأجل عيونه عز الإمارة والغنى فبكى الأمير رجاءه الذاوي، ولازمه الضنى لكنه في الدير قد وجد السعادة والهنا
*** وتساءل الجيران كيف تضاءلت بدر البدور؟ كيف ارتضت بالكوخ من كانت تضيق بها القصور؟ قالت: عشقت – ولا ندامة – صاحب الكوخ الطهور. لم نجتمع لو لم يخط طريقنا قدر يدور في ظله أجد النداوة والحفاوة والحبور الحمد لله الذي امتلأت برحمته الدهور لا حب إلا حبه عندي إلى يوم النشور.
*** وأكر ُّ أسأل جدتي أن تستمر لغير غاية فتعود تسردها ، ولكن بعد تعديل الحكاية تضع البداية في النهاية، والنهاية في البداية وتؤكد الغرض الخفي بغمزة فيها الكفاية وتضيف: إنّ العشق أوله وأخره غواية ونصيخ بين البرق والرعد الشديد لكل آية حتى يخدرنا الرقاد، ونحن نحلم بالرواية.
*** إني ليُضْحِكني، الذي في وصف بردك يسرفُ أيظن أن جهنما ً أحنى عليه وألطف؟ يتأفف الضعفاء منك، فدعهُـمُ يتأففوا لم يعرفوا ما في جيوبك من ندىً، لم يعرفوا من خاف ألاءَ الشتاء فأيّ فصل يألفُ؟ ما أنصفوا لمّا رموك بذمهم، ما أنصفوا فليستقوا من فضل كفـِّكَ يا شتاء ويغرفوا
***
كم كنت تجمعنا – وسوف تظلُّ – حول الموقدِ أو حول مائدة العشاء ِ وشايـِها المستوردِ نتبادل السّمر المهذب والدعابة والدّدِ نرنو إليك بمقلة المتورد المتعبد نترقب الخير السخـّي من السّماء ونجتدي فعلام يخشى أن يمد إليك أطراف اليدِ
*** كمْ رحت تبكي للضعيف ، وراح غيرك يضحك ُ وجعلته يبني العلالي في هواك ويَسْمُكُ أدركته بالدفء ينعش ، لا بقيظ ينهكُ هذا هو الكرم الذي بذيوله نتبركُ هذا هو الجودُ الذي في شوطه لا يُدرَكُ كالوردِ يبذل عطره ما حركوه وفرَّكوا حسنات " برمك " للزوال وأنت دوما " برمك ".
*** عقَّ الجميع ندى يديك، وأنكروا، إلا أنا حتى الطـّيور تفرقت، وضنـّت بالغنا هذي الحدائق والحقول بفضلك امتلأت جنى عابوا عليك بياض ثوبك، فاصفحنّ عن الخنى لا تعجبنّ، فقل: من شكر الكريم المحسنا بعض السّباب إذا تدارسه الحكيمُ هو الثـَّنا من كان موفور الكرامة ، لا يخاف الألسنا
*** غلواء!!! أدركنا الغروب ونحن نـَدْرُج للوراء لا تجزعي!! لا تجزعي!! فالليل يعقبه ضياء إنـّا هبطنا سبع دورات إلى دار الفناء ولسوف نطرق في غدٍ أو بعده باب السّماء فثقي بقول الله: إنّ الله يرزق من يشاء وتفاءلي!!! وتعلمي مني البشاشة والرّجاء أحلى الفصول بمذهبي ... وأحبّها فصل الشتاء
تمهيد: في منهجية المقاربة تتميز الصورة الشعرية عند زكي قنصل بأنها ليست زخرفاً لفظياً، بل هي وسيلة تشكيل للرؤية. وقد أشارت دراسة نقدية إلى أن شعره يقوم على نمطين رئيسيين: النمط البياني (تشبيه، استعارة، كناية) ووسائل تشكيل الصورة (تشخيص، تجسيد، تجريد، مزج المتناقضات). وسنقف على كلٍّ منها في القصيدة. القراءة الفلسفية:
تتجاوز قصيدة "الشتاء" للشاعر زكي قنصل كونها مجرد وصف شعري لفصل من فصول السنة، لتشكل نسيجاً فلسفياً مكثفاً. إنها رؤية كونية متكاملة، تصوغ علاقة الإنسان بالطبيعة والزمان والأخلاق والموت، من خلال عدسة الشاعر المهجري الذي يعيد تعريف كل شىء من موقع الغربة والمنفى. يمكن تفكيك هذه الرؤية الفلسفية عبر الأبعاد التالية: ١. البعد الوجودي: الشتاء بوصفه "أنا" (الذات) و"الآخر" يمكن قراءة القصيدة كصراع وجودي بين الذات الشاعرة والعالم، حيث يصبح الشتاء هو "الآخر" الذي يعيد تشكيل الوعي. • إعادة تعريف الوجود: يبدأ الشاعر بموقف وجودي أصيل، برفض التصورات الجاهزة عن الشتاء: "نعتوك بالشيخ الكئيب وأخطأوا... شتان في نظر اللبيب كآبة وتجهم". هنا، وعي الشاعر (الذات) لا يتلقى المعنى من الخارج، بل يخلقه بنفسه. فوجود الشتاء الحقيقي لا يتحدد بصفاته الموضوعية (البرودة، العواصف)، بل بعلاقته بالذات المدركة له. • جدلية الألم والمعنى: يطرح الشاعر سؤالاً وجودياً مركزياً: لماذا نعاني؟ ولماذا يتأفف الضعفاء من الشتاء؟ يجيب من خلال قلب المعنى: "أيظن أن جهنماً أحنى عليه وألطف؟" الألم هنا ليس عبثياً، بل هو شرط للوعي بالنعمة، وجزء من نظام كوني أخلاقي. • الوعي بالمنفى والغربة: إن دفاع الشاعر عن الشتاء هو في جوهره دفاع عن حالة وجودية يعيشها هو شخصياً. فالشتاء في القصيدة هو رمز للمنفى الذي يعيشه الشاعر بعيداً عن وطنه. بتمجيده للشتاء، يؤكد الشاعر أن الجمال والمعنى يمكن إيجادهما حتى في أقسى ظروف الاغتراب. ٢. البعد الظواهري (الفينومينولوجي): كيف يُعطى العالم لنا؟ تتبنى القصيدة منهجاً ظاهرياً في النظر إلى العالم، حيث تتوقف عن الحكم على الشتاء من خلال مفاهيمنا المسبقة، وتصفه كما يظهر لوعي الشاعر. • تعليق الأحكام المسبقة (الإبوكيه): الشاعر يمارس "تعليقاً" للحكم الاجتماعي الشائع (أن الشتاء كئيب)، ليكتشف جوهره كما هو معطى لوعيه: "هذا العبوس هو الوقار بعينه". إنه يضع بين قوسين النظرة السطحية ليرى الجوهر. • الوعي المقصدي: العالم في القصيدة ليس مجموعة أشياء جامدة، بل هو عالم مقصود، مليء بالمعاني. الثلج ليس مجرد بلورات ماء، بل هو "نور الرجاء وآية الحق المبين"، والعواصف ليست ظواهر طبيعية، بل هي "تنمرٌ وتبرم"، أي سلوكيات إنسانية تحمل دلالات أخلاقية. • العيش في العالم (الوجود-في-العالم): تتجسد هذه الظاهرية في المشاهد الحية التي يخلقها الشاعر. فدفء الشتاء الحقيقي لا يُدرك من خلال قراءة ميزان الحرارة، بل من خلال الخبرة الحية للتجمع حول الموقد: "كم كنت تجمعنا – وسوف تظل – حول الموقدِ ... نتبادل السمر المهذب". المعنى يُخلق من خلال التفاعل الحي مع العالم. ٣. البعد الأنطولوجي (الوجودي-الكلي): الشتاء بين الجوهر والعرض تتجاوز القصيدة التجربة الذاتية لتطرح أسئلة عن طبيعة الوجود والكون، مقدمةً رؤية ميتافيزيقية عميقة. • الشتاء بصفته "الجوهر": في فلسفة أرسطو، الجوهر هو ما يحمل الصفات (الأعراض). يقلب الشاعر هذه المعادلة؛ فالربيع والخير والحياة هي أعراض لحقيقة جوهرية واحدة هي الشتاء: "منك الحياة، ومنك يقتات الربيع ويشرب". الشتاء ليس جزءاً من دورة الفصول، بل هو أصلها ومصدرها. • الثنائيات المتعالية: تعتمد القصيدة على تجاوز الثنائيات التقليدية (الموت/الحياة، البرد/الدفء، القسوة/الرحمة) إلى وحدة متعالية. الموت في الطبيعة (الشتاء) هو شرط الحياة (الربيع)؛ فالبرد ظاهره قسوة، لكنه يخفي في باطنه رحمة. وهذا يعكس رؤية صوفية للوجود ترى أن الأضداد في جوهرها واحدة. • التجلي الإلهي: يصل الشاعر إلى ذروة رؤيته الميتافيزيقية عندما يمنح الشتاء صفات إلهية. فعدالته المطلقة: "لا فرق في الأقدار عندك، لا كبير ولا صغير"، وكرمه اللامتناهي، يجعله أقرب إلى فيض إلهي. التساؤل: "من أين تأتي يا شتاء بغيثك الثر الغزير؟"، هو سؤال وجودي عن مصدر الخير في الكون. ٤. البعد الأخلاقي والاجتماعي: الشتاء كقيمة وأخلاق تُترجم الرؤية الأنطولوجية إلى فلسفة أخلاقية واجتماعية واضحة، حيث يصبح الشتاء مقياساً للخير والعدالة. • العدالة المطلقة: يُجسّد الشتاء العدالة الاجتماعية المطلقة التي لا تعرف التمييز: "لا فرق في الأقدار عندك، لا كبير ولا صغير". إنه ناقد ضمني للظلم الاجتماعي، حيث الطبيعة (الشتاء) أكثر عدلاً من المجتمعات البشرية. • قلب القيم الأخلاقية: يقدم الشاعر نقداً أخلاقياً للمجتمع من خلال قلب الموازين. فمن يضحك على الشتاء (الضعفاء) هم المخطئون، والجود الحقيقي ليس في الإسراف، بل في العطاء في أوقات العسر. البخل في الشتاء جريمة أخلاقية، والكرم فيه فضيلة عليا. • الأخلاق بوصفها عطاءً وجودياً: يتجلى البعد الأخلاقي في صورة العطاء بلا مقابل. فالشتاء يعطي الحياة للربيع، والثلج يكسو الأرض بالجمال، والمطر يروي العطشى. هذا العطاء ليس مقابل أجر، بل هو فيض من الوجود، مما يجعله نموذجاً أخلاقياً للإنسان. ٥. البعد الجمالي: فلسفة الجمال في القبح تقدم القصيدة فلسفة جمالية متكاملة، قائمة على فكرة أن الجمال ليس صفة متأصلة في الشيء، بل هو نتاج نظرتنا إليه وعلاقتنا به. • جمال القبح: تتحدى القصيدة الذائقة الجمالية التقليدية. فالشتاء ببرده وعواصفه "قبيح" في النظرة السطحية، لكن الشاعر يكتشف فيه جمالاً أعمق: "هذا العبوس هو الوقار". فالجمال هنا ليس في المظهر، بل في المعنى الأخلاقي والوجودي. • الجمال الوظيفي: جمال الشتاء ليس جمالاً ساكناً، بل هو جمال في العطاء والوظيفة. الثلج جميل لأنه يروي الأرض، والريح جميلة لأنها تطهر. • الوحدة الجمالية: يخلق الشاعر وحدة جمالية بين الذات والموضوع، حيث يصبح الشتاء مرآة للروح. فجمال الشتاء هو جمال النفس التي تتأمله، وجمال النفس هو جمال الشتاء الذي تعيشه. ٦. فلسفة الزمن والموت: الشتاء بين الفناء والخلود تصل القصيدة إلى ذروتها الفلسفية في تأملها للزمن والموت، حيث يتحول الشتاء إلى استعارة للحياة الإنسانية كلها. • الزمن الدوري والخطي: يجمع الشاعر بين رؤيتين للزمن. فدورة الفصول (الشتاء ثم الربيع) تمثل الزمن الدوري الأبدي. لكن الشاعر، في خاتمته، يتبنى رؤية خطية للزمن تقود إلى الموت ثم الخلود: "أدركنا الغروب... هبطنا سبع دورات إلى دار الفناء... ولسوف نطرق باب السماء". الشتاء هنا يصبح استعارة لمرحلة الشيخوخة التي تسبق الموت، لكنه موت يبشر بولادة جديدة. • الموت بوصفه خلوداً: لا يرى الشاعر في الموت فناءً، بل هو انتقال إلى وجود آخر، باب للسماء. وهذه الرؤية تحول الشتاء (رمز الموت في الطبيعة) من رمز للفناء إلى رمز للخلود. • خلود الذاكرة والأسطورة: في حكاية الجدة التي ترويها القصيدة، نجد فلسفة للزمن تقوم على خلود الذاكرة. فالحكاية تتكرر وتتغير، والجدة تخلد في ذاكرة الأحفاد. وهذا الخلود الإنساني يوازي الخلود الكوني للشتاء. الشتاء يخلد في دورة الفصول، كما تخلد الجدة في الحكاية، وكما يخلد الشاعر في قصيدته. خاتمة: فلسفة الرفض والقبول في جوهرها، تقدم قصيدة "الشتاء" فلسفة وجودية قائمة على فعل مزدوج: رفض التفسيرات الجاهزة للعالم، وقبول مسؤولية خلق المعنى الخاص بنا. إنها تصرخ في وجه النظرة السطحية "نعتوك بالشيخ الكئيب وأخطأوا"، وتعلن بجرأة "أحلى الفصول بمذهبي ... وأحبها فصل الشتاء". هذا ليس مجرد تفضيل شخصي، بل هو بيان فلسفي عن كيفية العيش في عالم بارد وغريب: بأن نخلق دفئنا الخاص، ونجد جمالنا في القسوة، ونصنع معنىً من العبث. قصيدة زكي قنصل ليست عن الشتاء فقط، بل هي عن كيفية أن تكون إنساناً.
القراءة البلاغية: أولاً: النمط البياني: البناء الاستعاري للرؤية 1. الاستعارة: حيث يُصبح الشتاء إنساناً وأباً وإلهاً الاستعارة هي العمود الفقري للقصيدة، فهي التي تحوّل الشتاء من ظاهرة طبيعية إلى كيان وجودي. • الاستعارة التصريحية / المكنية: حين يقول الشاعر: "يدك السخية علمتني ما أقول وأكتب" هنا استعارة مكنية، حيث حُذِف المشبه به (الإنسان الكريم) وأُبقِي على شيء من لوازمه (اليد السخية). فهي تُجسّد الشتاء كمعلمٍ وكريمٍ يعطي المعرفة. وهذا ليس وصفاً، بل هو خلقٌ لعلاقة وجودية بين الشاعر والفصل. • الاستعارة التصريحية: في قوله: "منك الحياة، ومنك يقتات الربيع ويشرب" استعارة تصريحية صرّحت بالمشبه به (مصدر الحياة) وحذفت المشبه (الشتاء). فهي تمنح الشتاء صفة الخالق، ما يرفعه من مرتبة فصل إلى مرتبة أصلٍ وجودي للكون. • الاستعارة الرمزية: تبلغ ذروتها في: "إنْ يحترم ولدٌ أباه، فأنت للدنيا أبُ" هنا استعارة تصريحية أيضاً، تجعل الشتاء أباً للدنيا. وهذه الاستعارة ليست عاطفية فقط، بل هي عقدية؛ لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة كعلاقة بنوّة، مما يُفسر الدفء والحنان في القصيدة. 2. التشبيه: ربط المادي بالروحي التشبيه في القصيدة ليس تقليدياً، بل هو أداة لـ رفع المادي إلى مستوى المتعالي: • التشبيه التمثيلي: في وصف الثلج: "لكأنّه نورُ الرجاء وآية الحق المبين" شبّه الثلج بـ"نور الرجاء"، وهو تشبيه يُخرج الثلج من كونه ماءً متجمداً إلى كونه رمزاً روحيّاً، فيه إيحاء قرآني (آية الحق المبين) يضفي عليه قدسية. • التشبيه البليغ (المضمر): في قوله: "رُقعٌ يرفرف كالحمائم بالحمائم تستعين" هذا تشبيه بليغ، حُذفت فيه أداة التشبيه، وجُعل الثلج كالحمائم. لكن المفارقة هنا أن الحمائم "تستعين" بالحمائم، مما يُوحي بالتضامن والتناسل، ويُحوّل مشهد تساقط الثلج إلى مشهد حياة وتكافل. 3. الكناية: الإيحاء بغير المصرَّح الكناية تمنح القصيدة بعداً آخر، حيث تُوحي بمعانٍ لا تُصرَّح: • في قوله: "وهذا العبوس هو الوقار بعينه فتعلموا" كناية عن صفة؛ فالعبوس ليس عبوساً، بل هو وقار. وهنا يُقلب الشاعر المعنى، فيُثبت أن ما يراه الناس نقصاً (العبوس) هو في الحقيقة كمال (الوقار). وهي كناية تُعيد تقييم المفاهيم الأخلاقية.
ثانياً: وسائل تشكيل الصورة: حيث تتنفس الطبيعة 1. التشخيص (الإنسنة): منح الشتاء روحاً التشخيص هو الأداة الأكثر حضوراً، حيث يُسقط الشاعر صفاته الإنسانية على الشتاء: • في البداية: يَشخّص الشتاء كـ"شيخ كئيب" (نفي)، ثم يُشخّصه كـ"الأجلّ" و"الأكرم". هذا الصراع في التشخيص يُظهر جدلية الرؤية؛ فالشتاء كائن يتغير بتغير نظرتنا إليه. • في العطاء: يَشخّصه كمعلم (يدك السخية علمتني)، وكأب (أنت للدنيا أب)، وكباكٍ (كم رحت تبكي للضعيف). هذه التشخيصات المتعددة تُعطي الشتاء شخصية مركبة، فيها الحكمة والرحمة والأبوة. • في العلاقة الإنسانية: يصل التشخيص إلى ذروته حين يجعله الشاعر محوراً للعلاقات الأسرية: "كم كنت تجمعنا – وسوف تظل – حول الموقدِ" هنا الشتاء ليس فصلاً، بل هو رابطة اجتماعية، وهو كائن حي يستمر في الجمع بعد الموت ("وسوف تظل"). 2. التجسيد: تحويل المعنوي إلى ملموس التجسيد هو عكس التشخيص؛ فهو يجعل المعاني المجردة ملموسة: • في قوله: "رويتها بالدمع حين سحاب غيرك خلب" يُجسّد الشاعر العطاء، فيجعل الدمع ماءً يروي الأرض. وهذا يُحوّل البكاء من فعل انفعالي إلى فعل خلّاق. • في قوله: "وشحت بالألق الرُّبى، وغمرتها بالياسمين" يُجسّد الثلج كأنه ماءٌ يغمر، والألق كأنه شيء مادي يُشحُ به. وهذا يُعطي للطبيعة حياةً ملموسة. 3. التجريد: الصعود إلى المعنى الكلي في بعض الأحيان، يتجاوز الشاعر التفاصيل إلى المعنى الكلي: • في قوله: "لا فرق في الأقدار عندك، لا كبير ولا صغير" هنا يُجرّد الشتاء من كونه فصلاً، ليصبح رمزاً للعدالة المطلقة. وهذا التجريد يمنح القصيدة بعداً فلسفياً. 4. مزج المتناقضات: وحدة الأضداد هذه الآلية هي الأكثر تعقيداً في القصيدة، حيث يُمزج الشاعر بين المتناقضات ليُنتج معنى جديداً: • البرد والدفء: الشتاء بارد، لكنه في القصيدة مصدر دفء (الموقد، العشاء، الحكايات). هذا المزج يُوحي بأن الدفء الحقيقي لا يأتي من الحرارة، بل من العلاقات. • الموت والحياة: الشتاء فصل موت في الطبيعة، لكنه في القصيدة مصدر حياة (منك الحياة، ومنك يقتات الربيع). هذا المزج يُوحي بدورة الحياة، حيث الموت شرط للحياة. • القسوة والرحمة: الشتاء قاسٍ على الضعفاء، لكنه في القصيدة يبكي للضعيف. هذا المزج يُوحي بأن القسوة الظاهرية قد تخفي رحمة باطنة. = ثالثاً: قراءة في الأسلوب: بين التوكيد والإيقاع إلى جانب الصور البلاغية، يبرز في القصيدة أسلوبان لافتان: 1. التكرار التوكيدي: يتكرر "لا" و"بل" و"إن" بشكل مكثف، وكأن الشاعر في حالة جدال دائم مع خصوم الشتاء. يقول: "بل أجرموا"، "فدعهم يتأففوا"، "ما أنصفوا". هذا التكرار يُعطي القصيدة طابع الخطاب الحجاجي. 2. الإيقاع الداخلي: القصيدة موحدة القافية على حرف الراء، مما يُحدث إيقاعاً رتيباً يشبه دقات المطر أو حفيف الريح. وهذا الإيقاع ليس عفوياً، بل هو محاكاة صوتية (محاكاة) للشتاء نفسه. = رابعاً: القصيدة في سياقها النفسي: وداع الشاعر لا يمكن فصل هذه البلاغة عن سيرة الشاعر. فزكي قنصل، الذي عاش ستة وستين عاماً في المهجر، يكتب هذه القصيدة في عام 1991، قبل ثلاث سنوات من رحيله. فالقصيدة، إذاً، ليست مجرد وصف، بل هي وصية وجودية: • الشتاء هو المنفى: البرد والقسوة هما صورة الغربة، لكن الشاعر يصر على رؤية الجمال فيهما، كما أصر على رؤية الجمال في منفاه. • الشتاء هو الموت: هو فصل الانقباض، لكن الشاعر يصر على أنه فصل الحياة. وهذا يعكس موقفه من الموت؛ فالموت ليس نهاية، بل هو باب السماء، كما يقول في الخاتمة: "ولسوف نطرق في غدٍ أو بعده باب السّماء" = خاتمة: البلاغة رؤية إن دراسة الصور البلاغية في قصيدة "الشتاء" تكشف أن زكي قنصل لا يصف الشتاء، بل يُعيد خلقه من خلال اللغة. فالتشبيهات والاستعارات والتشخيصات ليست زينة، بل هي آليات لرؤية العالم. فالشتاء عنده ليس فصلاً من فصول السنة، بل هو موقف من الحياة: موقف يرى في القسوة رحمة، وفي البرد دفئاً، وفي الموت حياة. وهذا هو سر جمال القصيدة، الذي جعلها تتردد في ذاكرتكِ مع حكايات الجدة أم منصور، لأنها، في النهاية، ليست قصيدة عن الشتاء، بل هي قصيدة عن الحب الذي يولد في أصعب الظروف. = المراجع والمصادر 1. النص الأصلي: قصيدة "الشتاء" لزكي قنصل، صحيفة البعث السورية، العدد 8472، 8/2/1991. 2. دراسة نقدية: "أنماط الصورة في شعر زكي قنصل: مقاربة نقدية للنمط البياني ووسائل تشكيله" - تركز على التشبيه والاستعارة والكناية، ووسائل التشخيص والتجسيد والتجريد ومزج المتناقضات. 3. سيرة الشاعر: مصادر متعددة توثق حياة زكي قنصل كشاعر مهجري، وغربته التي امتدت خمسة وستين عاماً، وأسلوبه الفخم المليء بالرمزية. 4. الخصائص الأسلوبية: ما ورد عن شعر زكي قنصل من "صفاء ديباجته ورقتها ونصاعتها وحلاوتها".
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في ضيافة إخوان الصفا وخلان الوفا : دراسة أكاديمية شاملة
-
بين فاوستوس وميفستوفوليس: عند توقع العقد مع الشيطان
-
حوارٌ بيني وبين الدكتور فاوستوس .
-
الاغتراب في أدب الشاعر نسيب عريضة، دراسة أكاديمية
-
قراءة في قصيدة «بلادي» للشاعر إيليا أبو ماضي: دراسة نقدية شا
...
-
خاجوراهو: حين نطق الحجر بقصيدة عمر أبو ريشة
-
مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في
...
-
حوار افتراضي مع وليم شكسبير
-
حوار افتراضي مع جورج جاك دانتون
-
حوار افتراضي مع الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري( حكيم المع
...
-
حوار افتراضي مع تشي غيفارا
-
حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا
-
استغلال المخابرات البريطانية للدين عبر التاريخ
-
قراءة في قصيدة -التمثال- للشاعر علي محمود طه
-
إيران إلى أين في ظل الحرب المستمرة؟
-
الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني
-
خطوط نقل النفط في منطقة الشرق الأوسط وأسباب توقف كل خط عن ال
...
-
ابنة الفجر لإيليا أبو ماضي: دراسة تحليلية
-
الإغتراب في أدب الشاعر خير الدين الزركلي
-
ضعف الغرب في أوكرانيا يعني خسارة تايوان: بحث أكاديمي في التر
...
المزيد.....
-
شاهد.. آلاف الأشخاص يعبرون الحدود المغربية إلى إسبانيا
-
حادث تصادم مروع بين شاحنتين توثّقه كاميرا على لوحة قيادة
-
-لعل وعسى-.. البرادعي: 3 دول عربية يمكنها إنهاء الحرب في الم
...
-
مصر.. هجوم دمياط يعيد ملف أمن الطاقة إلى الواجهة
-
سوريا: جدل واسع بعد ظهور نائب محافظ الرقة شادي الويسي خلال ج
...
-
بلومبرغ: الاتحاد الأوروبي يشدد الرقابة على منصتي -ChatGPT- و
...
-
بعد هجوم سفينتي الغاز.. مصر تطمئن مواطنيها بشأن إمدادات الطا
...
-
-لم يعانقه هذه المرة-.. سفير إسرائيلي سابق يكشف برودا غير مس
...
-
السلطات السورية تعلن إحباط عملية ترويج وتوزيع مادة الكريستال
...
-
رئيس الحكومة المصرية تكشف عن كواليس جديدة في هجوم ميناء دميا
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|