أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة















المزيد.....

المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 17:18
المحور: الادب والفن
    


كلما قرأت أكثر، ازددت دهشة أمام الروابط الخفية بين أعمال أدبية لا يجمع بينها كونها معاصرة أو متقاربة، فهي متباعدة جغرافيا وثقافيا ولغويا. تنشأ بين الروايات البعيدة أصداء موضوعية، وانعكاسات غير متوقعة، وحوارات تجري بواسطة القراء الذين يصلون بينها، وهي أمور تمنح الأدب عمقه الكامل، وربما قوته أيضا.

إذا كان لا بد من مقارنة رواية Le Procureur، التي حملت في العربية عنوان "المدعي العام" -بينما لم تُترجم هي إلى العربية- للباراغواياني أوغوستو روا باستوس برواية أخرى، فإن أقرب ما يمكنني مقارنته بها هو رواية "وداعا لكتابي!" للياباني كنزابورو أوي، التي صدرت ترجمتها إلى الفرنسية عام 2013. أستعيد حبكتها في بضعة أسطر: مثقف مسن، واسع المعرفة، متأمل، يجد نفسه بعد خروجه من أزمة صحية خطيرة أمام قرار يقلب حياته رأسا على عقب من خلال فعل سياسي "إرهابي"، أو على الأقل فعل مقاومة عنيفة للعالم كما يسير.

بدلا من أن يركز السرد على هذا الخط الدرامي، يتحرك ذهابا وإيابا حول ذكريات هذه الشخصية، متنقلا بين انحرافات إيروتيكية وتأملات سياسية وأدبية، وبين استرجاعات تاريخية وتحضيرات لأعمال إرهابية تُنفَّذ بفتور. يبدو فشل هذه المشاريع حتميا. فالكاتب، العاجز عن الفعل، لا ينتصر في العالم المادي؛ وهل كان يؤمن أصلا بإمكان هذا الانتصار؟ إن تحويل هذا الاحتمال إلى عمل روائي يسمح له، في حركة واحدة، بأن يعبّر عن إغراء الفعل وأن يتخلص منه في الوقت نفسه.

تكمن الفرصة الوحيدة للكاتب -وهي فرصة ضئيلة- في إنتاجه الأدبي، في ما سيبقى منه، في ما يمكن أن يستمر، مثل جدول جبلي صغير ينحت صخر الوعي عبر السنين حتى يمنحه شكلا جديدا أو يحطمه. وهو يعرف أن الآمال المعقودة على هذا الجانب ضعيفة جدا، وأن آثارها بعيدة المدى.

إن الوهم المتلاشي بالفعل العنيف يقود إلى مشهد مقفر، حيث يدرك الكاتب، وقد أصبح واعيا بصغره، أنه لم يعد قادرا على شيء سوى استئناف نغمته الشخصية الهادئة، التي تركها فترة لصالح أبواق الاحتفالات الوهمية التي تصنعها مسرحية التاريخ الكبرى. غير أن ذلك يتطلب أولا أن يسمح له التاريخ نفسه بذلك.

هذا الخط العام مشترك بين عمل الكاتب الياباني وعمل الكاتب الباراغواياني، حتى وإن اختلفت النهايات قليلا في تفاصيلها. شخصياتهما الرئيسية، التي تختلف عن بعضها مع قربها الشديد من مبدعيها، تتشابه كثيرا. وكذلك، ولنكن صريحين، تتقارب خيبات الأمل التي يثيرها هذان العملان لدى القارئ: روايتان متفاوتتان، كثيرتا الكلام، وبكلمة واحدة: غير متماسكتين تماما.

يشير روا باستوس في مقدمة روايته إلى أنه اضطر إلى إعادة كتابة عمله، لأن نهايته السياسية جعلته قديما؛ فقد كان موجها أساسا ضد الدكتاتور الباراغواياني المنفّر ألفريدو ستروسنر، الذي أطيح به عام 1989، في الوقت الذي كانت الرواية جاهزة للطباعة. لن يعرف أحد أبدا إن كانت النسخة الأولى من "المدعي العام" أفضل من الثانية؛ فنحن لا نملك للحكم سوى هذه الصياغة الثانية، وهي نص غير متجانس يضم في جوهره ثلاث روايات داخل رواية واحدة.

الحبكة الأولى، التي لا تشغل سوى نصف الكتاب تقريبا، تتمحور حول تنظيم المجلس العسكري الباراغواياني مؤتمر ثقافي دولي غريب احتفاء بخمسة وثلاثين عاما من حكم ستروسنر. يدعى إليه باحثون وعلماء وفنانون من أنحاء العالم، جاؤوا ليمنحوا شيئا من الهيبة لنظام ديكتاتوري اشتهر باستخدام التعذيب أكثر من اشتهاره بإنجازاته الثقافية.

ومن بين المدعوين الراوي فيليكس مورال، وهو مثقف باراغواياني منفي يعيش في نيفير، كان سابقا ضحية لتعذيب جهاز الشرطة السرية المحلية المعروف باسم "تكنيكا"، ثم حصل لاحقا على الجنسية الفرنسية. يريد هذا الأستاذ الجامعي المسن أن يستفيد من هويته الجديدة ومن هذه الفرصة التي يشعر بأنها قد تكون تضحية شخصية، لكي يقضي على الطاغية.

سلاحه عبارة عن خاتم من عصر النهضة. فهو بقايا من جرائم ومؤامرات فلورنسا القديمة، مزوّد بإبرة شديدة الحدة، بينما تخزّن حجارته الأوبرالية سمًّا يكفي لتوقيع الموت: مصافحة واحدة تكفي لقتل رجل خلال اثنتين وسبعين ساعة. وقد قرر ستروسنر، في نهاية المناقشات، أن يصافح كل واحد من المشاركين في المؤتمر.

أما الحبكة الثانية فتشكل خلفية غير واقعية، ذات طابع خيالي واسع، للحبكة الأولى، التي لا تخلو هي نفسها من أحداث غير قابلة للتصديق. هنا يعبّر فيليكس مورال عن حبه العميق لزوجته شيمين، بينما يحاول في الوقت نفسه الإفلات من رغبات إحدى طالباته السابقات، وهي ألمانية تدعى ليدا، رغبات متطرفة ومنحرفة.

إذا ظهرت شيمين كشخصية حقيقية وملموسة، فإن ليدا تحتفظ حتى النهاية بمكانة غامضة على حدود الوجود (الخيالي). ويُدفع القارئ إلى الشك في الراوي، في توازنه النفسي كما في صدقه. وهكذا يبدو مشروع اغتيال ستروسنر الغريب، في ضوء ما سبقه، متماسكا إلى حد ما، وإن لم يكن عقلانيا.

أما الحبكة الثالثة فتقدم، بطريقة متكررة، حادثة شهيرة جدا من تاريخ باراغواي: حرب التحالف الثلاثي المأساوية التي انتهت في أواخر القرن التاسع عشر بهزيمة باراغواي وإبادة معظم سكانها تقريبا (ولا سيما الرجال منهم). يعود الراوي بين حين وآخر إلى أكثر مشاهد المعارك الأخيرة دموية وروائية، مع تركيز خاص على المشهد الختامي الذي يصل فيه الأمر إلى صلب الجيش البرازيلي لجثة قائد الدولة الباراغوايانية سولانو لوبيز.

تتداخل هذه الحبكات الثلاث وتتتابع من دون ترتيب واضح، ما يعطي انطباعا، وربما كان هذا الانطباع مبررا، بأن نص "المدعي العام" عبارة عن فسيفساء من ثلاثة نصوص مختلفة، لم تُربط ببعضها على نحو جيد بما يكفي.

شعرت بأن روا باستوس أعاد صياغة النص الأول، فأعاد تنظيمه وأضاف إليه كتابات أخرى سابقة أو لاحقة، من دون أن ينتبه إلى أن النتيجة العامة أفسدت التجربة بالنسبة إلى قارئ يكتشف النص للمرة الأولى. أعلم أن قارئ الأدب ينطلق عادة من افتراض أن كل تأثير أدبي رتّبه الكاتب، بوعي أو من دون وعي؛ غير أن فرضية التعقيد التي ينبغي تفكيكها وتحليلها إلى ما لا نهاية في كل قراءة ليست دائما صالحة.

تتكرر بعض الجمل أو الفقرات في الكتاب مرتين، يفصل بينها عشرات الصفحات، من دون أن يبرر أي تأثير أدبي واضح هذه الإعادات. كما تظهر حجج متشابهة في مواضع مختلفة، فتترك لدى القارئ إحساسا مزعجا بالعودة إلى الوراء وبأن هناك خياطة غير متقنة. وربما كانت إعادة كتابة رواية من نحو أربعمائة صفحة خلال ثلاثة أشهر عملا متسرعا؟

إن تركيب الروايات الثلاث داخل الرواية الواحدة يعمل أحيانا بصورة جيدة وأحيانا أخرى لا يفعل ذلك. فلو بقيت هذه الخطوط مستقلة لوجد كل واحد منها مبرره الخاص؛ أما حين امتزجت فإنها تعيق بعضها بعضا وتتداخل أكثر مما تعزز بعضها بعضا. لا يعني ذلك أن العمل كله غير متماسك، ولكن يعني أنه يعاني ثغرات وإطالات.

من السهل فهم أن روا باستوس ينظم روايته، كما فعل كنزابورو أوي، حول ديناميكية "الأزواج الزائفة"، أي الشخصيات المتقابلة التي تنتمي إلى المستوى نفسه، حيث تجسد كل شخصية اتجاها معاكسا ومكملا للاتجاه الذي تجسده الأخرى.

فسولانو لوبيز هو النظير المقابل لستروسنر: كلاهما طاغية خطير، غير أن الأول يُنقذ جزئيا بتضحيته النهائية، في محاكاة فدائية للجلجلة، بينما الثاني، وهو شخصية بائسة ومتوسطة، يتمسك بالسلطة حتى النهاية.

وبالمثل، فإن ليدا تمثل الصورة المعكوسة لشيمين: من جهة نجد رغبة حيوانية في الامتلاك والسيطرة، تحمل آثارا واضحة من السادية والمازوخية؛ ومن جهة أخرى نجد حبا ساميا، عميقا وحسيا في الوقت نفسه، يدور كالهوس حول السرة، بوصفها رمزا للرابط الإنساني والعائلي والجماعي.

غير أن الانتقال من مستوى إلى آخر، من ليدا إلى ستروسنر، ثم إلى شيمين، ثم إلى سولانو لوبيز، يترك القارئ في حالة شك. فالراوي، الذي يتخذ عمله شكل رسالة إلى زوجته، يجد صعوبة أحيانا في تبرير استطراداته وفقراته التاريخية الطويلة جدا، مثل الصفحات العشرين المخصصة لبيانو سولانو لوبيز مباشرة بعد وصول الراوي إلى أسونسيون.

ومن هنا ينشأ ذلك الأثر المربك، والممل إلى حد ما، الناتج عن قراءة ثلاثة نصوص متوازية لا تربط بينها علاقات واضحة.

بعيدا عن هذه العيوب، يمكن قراءة الكتاب كله باعتباره حلما هلوسيا ثلاثي الأبعاد: سياسيا، وإيروتيكيا، وتاريخيا.

فمعظم مشاهد حرب التحالف الثلاثي تجد أصداء لها في الأساطير الوثنية والمسيحية. يقارن روا باستوس أسونسيون بمدينة طروادة، غير أنها طروادة بلا جذور، بلا هوميروس ينتظرها ولا شليمان سيأتي لاكتشافها. ويرى في صلب جثة سولانو لوبيز، بطريقة ساخرة ومروعة، تجسيدا جديدا لصورة المخلص في التاريخ الإنساني.

كما يعرض هذه الحرب بوصفها صراعا شبه أسطوري، ورمزيا جدا على الأقل، بين إرادة الحياة ونزعة الموت، بين الرجل والمرأة، بين الرغبة البليغة في الانتصار والرغبة الغامضة في الكارثة.

ومن خلال الرسام الأرجنتيني كانديدو لوبيز، المعروف أساسا بلوحاته عن هذه الحرب، يفتح روا باستوس إمكانية تحويل هذا الصراع بالغ الوحشية إلى صورة أسطورية وفنية.

ولا شك في أن هذه الحرب تشكل "النقش الخفي في نسيج" التاريخ الباراغواياني كله لاحقا: فالكثير من الباراغوايانيين ينحدرون من نساء تعرضن للاغتصاب أثناء هذه الحرب، وهي حقيقة حجبتها الناجيات ونسلهن.

على يد روا باستوس، تخرج هذه الحادثة المؤسسة من كونها مأساة تاريخية لتصبح أسطورة. فالأسلوب التكراري والهلوسي الذي يميز الكاتب يمنحها قوة الأسطورة.

ومن المفارقة أن رواية تتركز فقط على هذه القصة، مع الرموز التي اختارها روا باستوس (الصلب، والصراع النسائي حول المارشال، والبيانو، وغيرها)، كان يمكن أن تكون ذات قوة لاتينية أمريكية خالصة، وربما قادرة على منافسة أكثر أعمال أستورياس أو فوينتس أو ماريو بارغاس يوسا اكتمالا.

لكن الكاتب لم يختر هذا الطريق، ربما لأنه أراد أن يصل بين هذا الماضي الأسطوري ونتائجه الحاضرة والملموسة في بلد سحقته قبضة مجلس عسكري استمر ثلاثة عقود.

أما روايته عن الطاغية، فيجب البحث عنها في "أنا الأعلى"، وهي أشهر من "المدعي العام"، ومكرسة للدكتاتور الغريب الذي كانه الدكتور فرانسيا في القرن التاسع عشر.

وتستمر الهلوسة التاريخية في "المدعي العام" عبر بعدين خياليين آخرين. فالرغبة في اغتيال ستروسنر، أي تنفيذ قتل طاغية، وهو ما يسميه النص بطريقة ساخرة "قتل البائس"، تمثل المرحلة الأولى من الوهم: وهم المثقف الجالس، المعارض المنفي، العاجز، الذي لا تكمن قوته إلا في قلمه.

إن كتابة هذا القتل، أو على الأقل رواية التحضير له، تمنح الكاتب والراوي على السواء فرصة للتحول إلى رجل فعل، وهي منزلة كثيرا ما تتعارض مع منزلة المثقف الخالص.

كما أنها وسيلة لمقاومة إغراء الفعل العنيف، ذلك الإغراء الذي يبقى حيا دائما. فمن خلال الكتاب يستطيع الكاتب أخيرا أن يضع نفسه في موقع المواجهة، وأن يحاول إسقاط الدكتاتور، وأن يهزمه في المكان الذي يكون فيه ضعيفا: عالم الخيال والأفكار.

تجري الأحداث الباراغوايانية في الرواية داخل عالم نصف واقعي: هناك شخصيات حقيقية معروفة مثل ستروسنر ويونيسكو، غير أن الأحداث التي تقع (مثل العمليات الإرهابية وانحرافات الصبي العامل في الفندق وغيرها) تمنح إحساسا بالمبالغة الحلمية والأيديولوجية، ويزيد هذا الإحساس غرابةَ عودة المنفي المفترضة من دون أن يلاحظه أحد إلى بلد بوليسي كهذا.

ويبدو فشل الأستاذ مورال -وهو اسم يكشف دلالته بوضوح بالنسبة إلى رجل نصب نفسه قاضيا للعدالة- كأنه مكتوب في طبيعة هذا الوهم نفسه، الوهم الناتج عن عقد الإنسان القَلَمي وعجزه.

تشكل العلاقات الغريبة التي يقيمها الراوي مع شيمين وليدا مرحلة أخرى من مراحل الوهم، ذات أبعاد إيروتيكية واضحة. وعلى المستوى الشخصي، وجدت المشاهد الجنسية مملة إلى حد كبير وفاشلة فنيا، وقد واجهت صعوبة حقيقية في الاهتمام بهذا الجانب من الكتاب، رغم أنه يشغل نصف الرواية تقريبا. ومع ذلك، سأحاول استكشاف بعض هذه التأملات الجنسية الغامضة.

شيمين، التي يستحضر اسمها زوجة السيد في أسطورة السيد (Cid)، امرأة مثالية بصورة واضحة جدا. فهي تجسد، ضمن مجموعة الصور النمطية عن المرأة، التضحية بالذات بقدر ما تجسد النقاء الصارم؛ وهو نقاء فكري وأخلاقي لا جنسي (فالكتّاب في سن معينة يعيدون على الورق عيش ما لم يعودوا قادرين على عيشه في الواقع).

فشيمين، في آن واحد، عشيقة حسية، وصديقة مقربة، ومستشارة حكيمة، وممرضة مخلصة، يصورها الراوي بوصفها المرأة المثالية؛ ولن أتوسع هنا في مدى صحة هذا التصور. غير أن علي الاعتراف بأن مثل هذه الشخصية تفتقر قليلا إلى المصداقية.

في مقابلها تقف ليدا في ذهن الراوي، وهي الطالبة التي تربطه بها علاقة عنيفة وعدائية، تكاد تصل إلى حدود القتل الوحشي والاضطهاد. فإذا كانت شيمين تمتلك شخصية واضحة، فإن ليدا تظهر بصورة جلية كخيال بلا جوهر. إنها تظهر باستمرار أمام الراوي، كما لا يمكن أن يظهر إلا هاجس أو شعور بالندم.

وليس مؤكدا أنها تؤدي دورا حقيقيا خارج هلوسات الراوي. فهي تجسد إغراء الشر، ذلك الانقلاب المظلم والغريزي الذي يربك الإنسان الصالح، ويذكره بأن الشر يكمن في داخله قبل أن يظهر خارجه، وأن اسمه هو الإغراء.

ولأن زوجته شيمين كاملة، ولأنه يرى نفسه حاملا لقيم الخير، فإن الأستاذ مورال يُسقط على ليدا كل الظلمة التي يحتاج إلى تركيزها خارج ذاته. من جهة نجد النقاء، ومن جهة أخرى الظلمات؛ من جهة نجد الحياة الجنسية المتوازنة، ومن جهة أخرى امتهان الجسد؛ من جهة نجد العطاء والتضحية، ومن جهة أخرى الكراهية.

يمكن النظر إلى ليدا باعتبارها تجسيدا ملموسا للاضطرابات النفسية لدى الأستاذ مورال، والنقيض الضروري لحاجته إلى تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار، وهي المقابل الحتمي لمثالية شيمين.

إن حضورها المثير للقلق وظهوراتها المفاجئة يربكان الحدود بين ما يعتقد الراوي أنه يراه وما يعتقد أنه عاشه. وسيظل لغز ليدا كاملا، لأن ظهوراتها المتقطعة والاضطرابات التي تثيرها لدى الراوي لا تجد أي تفسير واضح.

ويُترك للقارئ أن يقرر: هل الشابة الألمانية شخصية حقيقية فعلا -وهو أمر يصعب تصديقه تماما- أم أنها إسقاط رمزي للراوي؟ وقد تكون أيضا تجسيدا داخل النص لشكل من أشكال القدر المتعالي، ذلك الدافع المزدوج إلى الانجذاب والنفور، والرغبة والاشمئزاز، وهو ما يبرر المشاهد السادية المازوخية التي ترافق ظهوراتها.

إن فيليكس مورال لا يحمل اسم "مورال" مصادفة؛ فهو يحتاج إلى تصنيف العالم، وإصدار الأحكام عليه، وتجريده من الفروق الدقيقة، مثل مدّعٍ عام مقتنع بأنه على حق. إنه رجل يقوم على التناقضات.

ولأن الخير محاصر خارجيا وداخليا، يحتاج المدافع عنه إلى شخصيات إيجابية وسلبية، إلى أبطال وطغاة، إلى تضحيات ومآس. غير أن هذا التعلق الشديد بالخير لا يقوده إلى الانتصار.

فبالنسبة إلى أوغوستو روا باستوس، يمثل فيليكس مورال ربما نسخة خطرة مضاعفة من الكاتب نفسه، فهو الشخص الذي يدفع قناعة المؤلف وأخلاقه إلى أقصى نتائجها. إنه يجسد هذا الوهم الجنسي والتاريخي والسياسي الذي لا ينبغي أبدا تحويله إلى واقع، خشية أن يؤدي ذلك إلى الهلاك.

ومن خلال تقديم صورة شبيهة به في رواية "المدعي العام"، يقوم روا باستوس بتحييد إغراء العدالة الشخصية والفعل العنيف الذي يسكنه هو نفسه.

وكان يمكن النظر إلى شخصية بطل "وداعا لكتابي!" لكنزابورو أوي بالطريقة نفسها أيضا، وهو ما يشير، في رأيي، إلى وجود صلة خفية بين المثقف الياباني المنخرط سياسيا والمنفي الباراغواياني.

وأود أخيرا الإشارة إلى أن المقارنة بين ستروسنر وسولانو لوبيز، بين الطاغية الحي والطاغية الذي يُنقذ بتضحيته، تطرح بعض المشكلات الأخلاقية.

فإذا كان موت لوبيز وحده، وإهانة جسده على يد أعدائه، كافيا لكي يُنقذ جزئيا، أفلا يعني ذلك أن موت ستروسنر بضربة من سمّ الأستاذ مورال قد يؤدي هو أيضا إلى خلاصه؟

ألا تحمل إدانة الدكتاتور، وهي إدانة مشروعة ومتكررة، رسالة غير مقصودة حول إمكانية خلاص رجل كهذا؟ ألن يخدم اغتياله أسطورة ستروسنر بدلا من تدميرها؟

أبقى متأملا أمام مثل هذه الرواية، التي تبدو في الوقت نفسه فاقدة لبعض الدقة والعمق -فالرمزية الاسمية واضحة جدا، والتأملات السياسية ساذجة قليلا، والأحداث غير قابلة للتصديق، والشخصيات تفتقر إلى التدرج- ثم تضيع في تنظيم رمزي وسردي غامض: السرد الثلاثي، والاعتماد غير المحدد على ثنائيات الأسطورة/التاريخ والواقعية/الرمزية، والتصور التضحيتي للوجود، والإمكان المقلق جدا في مساواة ستروسنر المقتول بسولانو لوبيز الذي نال الخلاص.

وكعلامة على عدم حسم هذا الكتاب غير المتوازن، يبقى لغز أخير عند إغلاق الصفحات: من كان يحاكم فعلا رواية "المدعي العام"؟



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلامٌ لراشيل
- ابنُ بابين لا يُغلقان
- البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
- ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
- 19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
- رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:
- راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن ...
- سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
- رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
- ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
- برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة


المزيد.....




- فرقة -BTS- تعلن عدم ترشيح أعمالها لجوائز غرامي العام المقبل ...
- فستان مارلين مونرو وسيارة جيمس بوند.. أغلى مقتنيات الأفلام ا ...
- ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير ...
- تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية ...
- من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال ...
- فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19 ...
- تريتياكوف يستعيد علاقته التاريخية ببولينوف.. لوحات الجليل وا ...
- -سوريون أم لبنانيون؟-.. الخارجية اللبنانية تتدخل لتصحيح -خطأ ...
- بعد حل العقبات القانونية.. الفيلم الروسي -المعلم ومارغريتا- ...
- نساء يحملن أباريق الشاي..فنانة تحوّل تفاصيل البيوت بالمغرب ل ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة