أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هلاله مخلوف - الأطفال والنرد















المزيد.....

الأطفال والنرد


هلاله مخلوف

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 04:52
المحور: الادب والفن
    


المكان ريفيٌ بامتياز؛ قد يكون فسحةً أمام أحد البيوت.
​ثلاثة أطفال قرروا اللعب بعيداً عن الأهل في الهواء الطلق، بالقرب من عمود شِبه أسطواني لكنه غير منتظم. أعلاه في المنتصف تكاثفت أغصانٌ ذات ورق بدا أحمر اللون، مع تدلٍّ لغصن تشعبت منه عدة فروع لامست العمود بطريقة جميلة، وكأن يداً أجادت ترتيبها.
​أما في الطرف الأيمن من السطح، فبرزت قطعة مستطيلة نحو الأعلى، قابلتها من الطرف الآخر قطعة مماثلة أصغر لتمتد إلى جوار العمود، وكأنها يد تدعم وجوده.
​راق لي هذا اللون العاجي في الوسط، والعاجي المحمر في الأعلى؛ فتفاوت الألوان أعطاه منظراً جميلاً جداً. وكلما دققت النظر فيه رأيت تجديداً؛ ربما هو جذع شجرة قديمة لم يُستغنَ عنها كونها تحفظ ذكريات الأجداد والآباء، وتُمّ طلاؤها بهذا الشكل لتكون مصدر نور وإلهام نستمد منه حكايا الماضي.
​دققت فيها فبدت لي كثوب، والقطع المستطيلة كالأيادي، والسطح هو الصدر الغارق بعبق الذكريات، أما الرأس فتخيلته بعيداً قليلاً؛ يجمع حنين الماضي بنكهة الحاضر، وكأنه وُجد ليفصل بين ضبابية بعض الأشياء وجمال بعضها الآخر، متوسّطاً مكانين: الحياة واللاحياة.
​الطفل الأكبر جلس إلى جانب العمود ليلامس كتفه الأيسر وجزءاً من رأسه، أما باقي الظهر فكان معرضاً لتلك النسمات الريفية الجميلة التي لم يكن مكترثاً بها. الشعر أسود وقصير، والأذن اليمنى مكشوفة وإن كانت غير واضحة.
​الوجه وسيم؛ حواجب رفيعة كقوس طويل، تحتها عيون تبدو واسعة وكبيرة لم يظهر منها سوى مساحة الجفن لأن النظر متّجهٌ نحو النرد. الأنف جميل متناسق، والفم مبتسم تبدو الذقن تحته رفيعة في نهايتها، مما أعطى الوجه شكلاً مثلثياً من الأسفل وعريضاً من الأعلى، وأبرز خدوداً مكتنزة تفيض سحراً وجمالاً، وبشرة حنطية نقية صافية أضفى عليها تسلل النور ألقاً، مع ازدواجية في اللون أبرزُها تحت العيون وكأن السهر الطويل قد نال منها.
​القميص يبدو كقطعة قماش لفّها بهذا الشكل غير المنتظم؛ إذ بدت من جهة الصدر ملتفةً كجديلة عريضة بشريطين، ومن الطرف الآخر انحسرت إلى نهاية الكتف مما جعل منطقة الصدر عارية، وتُشكّل نهايتها حرف (V). تجمع القماش عند الكتف على هيئة قطعة صغيرة ليعلوها قماش بني غامق، توضّع ليملأ الظهر من الوسط والكتفين والساعدين. وخارج هذا القماش، يظهر على الكتف شريط كأنه رباط، ويبدو أن هذا الشال قد أُستُخدم كحقيبة من الخلف.
​ساعد اليد اليسرى حتى المنتصف كان نصيبه من القماشين معاً؛ فاللون الرمادي الفاتح جداً تتداخل فيه ثنيات القماش، ليكون البني فوقها مبتعداً عن نهايتها. يظهر جزء بسيط من الساعد قبل المعصم الذي استند على الفخذ مع الكف، لتنشأ بينهما زاوية شبه قائمة، ولم يظهر من الأصابع إلا السبابة والوسطى مع غياب نهايتهما.
​أما ساعد اليد الأخرى، فقد انحسر القماش عنه ليحتضن القماشُ البنيُ الزندَ من الداخل، بينما يتكثف الرمادي الفاتح مكوّناً طبقات عديدة متتالية وواسعة. امتدت الساق نحو الأعلى بشكل مستقيم، والضوء ظلّل الساعد والكف؛ حيث ظهر انحناء الخنصر والبنصر مبتعدين عن بعضهما وعن السبابة التي ابتعدت إلى الخلف، وعن الإبهام الموازي لها تقريباً.
​الكف في حركة تساؤل وذهول: "ما هذا يا صديقتي؟"... ربما هو شكٌّ في رؤية النرد، أو احتجاجٌ على ما نالَته من حظ جيد!
​جلسةٌ فيها من الحيرة والقلق الكثير، لدرجة وضوح الركبة كنصفين بارزين كشِقَّي ثمرة تحت المعصم، وكأن باطن الكف يحميها.
​من الجهة الأخرى، جلست الفتاة التي تبدو قريبةً من عمر الفتى المقابل لها. بينهما قطعة حجرية ذات ثخانة مقبولة استُخدمت كطاولة لإلقاء حجرَي النرد، تجمعوا حولها ببراءة وحب، علّها تُنسيهم بعضاً من مرارة الفقر الذي يسكنهم. كانت الطاولة متآكلة في بعض أجزائها، ويجاور جزءاً منها قماشٌ بنيّ.
​وعلى السطح، استقر حجرا النرد متباعدين قليلاً، مع بعض القطع الحجرية الصغيرة الخاصة باللعبة؛ ذات اللون البني للفتاة، والعاجي للطفل الآخر.
​أخذت الفتاة وضعية التأهب والحذر؛ إذ جلست على طرف بلاطة حجرية تُماثل ثخانتها طاولةً تداعى جزءٌ منها، لتسند بداية فخذها مع جزء من الركبة، وذلك إلى جوار الجزء المتداعي من الطاولة. امتدت ساقها بشكل مستقيم، فظهر الحذاء الأسود مع جورب بلون لحميّ تجمّع بشكل كثيف عند بداية الساق، بينما اتجه أسفل الساق إلى الأمام مع بروز مضاعف لشكل الأصابع.
​أما الساق الأخرى، فتوضعت بين حجر الجلوس والطاولة ولم يتبقَّ منها سوى الحذاء؛ حيث تلامس بدايته نهاية الفردة الأخرى، بينما يتجه أسفله النظيف إلى خارج الجسد.
​أصابع كف اليد اليسرى ملتفةٌ إلى الداخل، وتلامس عقدُها مع الإبهام الحذاءَ عند مشط القدم، فيما يتدلى الساعد مع المرفق عارياً وبشكل شبه مستقيم.
​بين الزند والمرفق يبرز جزءٌ من القميص العاجي الواسع ذي اللون الأحمر وكأنه ربطةٌ عريضة، ومن الجهة الأخرى عند الظهر، بدت تعرجات القميص تتسع عند نهاية الطرف الآخر، بينما حافظ اللون الأحمر على مساحته حتى أسفل الظهر. أما الجزء الأسفل فكان رمادياً داكناً وفضفاضاً، يظهر منه جزءٌ يسير من الظهر، بينما كان الظهر من الأعلى عارياً بلون حنطي تظلله بعض الظلال.
​شعر الرأس أسود قصير، وتستقر في الأمام عصابة (قمطة) عريضة من الأمام وضيعة عند الطرف، ذات لون ذهبي مع قلب أحمر عند الطرف، وآخر غير واضح في المنتصف.
​أما الوجه، فبدا جانبيّاً جميلاً بلون حنطي ذهبي؛ جبين عريض، وعيون واسعة، وأنف دقيق، وفم تبدو عليه علامات الريبة والانتباه، لتُتمّ أصابع الكف حالة التساؤل والحيرة؛ حيث ابتعد الإبهام عن السبابة التي انحنت إلى الخلف، بينما امتدت الوسطى أفقياً لتقابل كف الفتى الآخر بشكل معكوس.
​قلقٌ صامت، تترجمه حركة الأصابع بشكل ملفت للنظر... خصمان يتداعبان ببراءة وحب.
​الطفل الثالث، وهو الأصغر، يقف مبتعداً بنظره عن النرد متأملاً أشياء أخرى. يرتدي قميصاً رمادياً فاتحاً جداً، فضفاضاً ومفتوحاً من الأمام، أكمامه واسعة جداً، وصدره وكتفه الأيمن عاريان تماماً، بينما ارتفع الساعد للأعلى لتمتد الكف باتجاه الفم؛ إذ يمسك بين الإبهام والسبابة قطعة خبز ذهبية اللون شغل جزءٌ منها الفمَ، وظهر الجزء الآخر منها داخله، والتي لم يتناولها بسبب انشغاله بالتدقيق في أشياء أخرى.
​يمتلك أنفاً جميلاً، وعيوناً واسعة سوداء، وحواجب واضحة، وخدوداً ممتلئة ذات لون أبيض لوّنته الشمس باحمرار خفيف زاده جمالاً. أما الجبين فمتوسط العرض، تجمعت فوقه بعض خصل الشعر فوق الأنف وتناثرت عند الأطراف، والشعر قصير بلون أشقر غامق.

​أما الجزء السفلي، فيرتدي بنطالاً قصيراً حتى الركبة، بلون رمادي موشّح ببني غامق. الساقان بلون الوجه نفسه، والقدمان بلا حذاء، بينما تستند الأصابع على الأرض.

​وهناك كلب ذهبي اللون يحاول التسلق على الطرف الأيسر للطفل، ووجهه متجهة للأعلى يتابع قطعة الخبز متمنياً الحصول عليها، وكأنه جائع يطمح في مقاسمته الطعام؛ فهناك أشياء مشتركة بينهما، فاللعب والطعام سعادة لا تتجزأ.

​أما اليد الأخرى فظهر من خلفها رأس يبدو أنه لكلب صغير، يداعب إبهامُ الكفِ وجهَه، بينما التفت بقية الأصابع لتكون بين وجه الكلب وجسد الطفل.

​على الأرض بجانب الكلب، تقع سلة خيزران بنية اللون، أشرطتها رفيعة وشبه متلاصقة، ولها مقبضان صغيران، وداخلها حبات سفرجل ناضجة ذات لون أصفر ذهبي وأحجام مختلفة.

​بالإضافة إلى جرة من الفخار ذات لون طيني فاتح ملقاة على الأرض، وتتجه فوهتها إلى الأمام، يبدو جزء منها مكسوراً أو متأثراً بتداعيات الظل.

​لوحة بسيطة حملت الكثير من الدفء والطمأنينة، وقد أعطت الألوان الترابية والرمادية والظلالُ على التفاصيل شعوراً بالأمان؛ فالطبيعة ألقت بحنانها وجمالها ليتنعم أولئك الفتية بالمزيد من الاستقرار والهدوء.



#هلاله_مخلوف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حضن الضوء
- بين الحب والعطاء
- جمال اللحظة
- ظلال الأمومة
- الاسكافي وحذاء الطفلة الصغيرة
- شق في الجدار (من سرد الحافة)
- نهاية عام دراسي (سرد حافة)
- من لاشيئياتي/ 2
- نور الأمل
- رحلة الأيام
- فكرة للنقاش
- لحظة تأمل
- قلب حنون
- بين أحضان الطبيعة
- ومرت الأيام
- لحظات دافئة
- لمسة حب
- أناقة حضور
- لحظات جميلة
- لحظات مسروقة


المزيد.....




- متحف تولا يستقبل مقتنيات أثرية نادرة من إرث عائلة ديميدوف وص ...
- مقاتل روسي في فنون القتال المختلطة يكشف أسباب اعتناقه الإسلا ...
- طرابلس تعزف وترسم من جديد.. كيف تحاول الثقافة الليبية كسر سن ...
- ماسك يشبه أزمة الهجرة في سبتة بفيلم -حرب الزومبي-
- فرقة -BTS- تعلن عدم ترشيح أعمالها لجوائز غرامي العام المقبل ...
- فستان مارلين مونرو وسيارة جيمس بوند.. أغلى مقتنيات الأفلام ا ...
- ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير ...
- تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية ...
- من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال ...
- فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19 ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هلاله مخلوف - الأطفال والنرد