أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - القرآن خطاب لا نصوص متفرقة















المزيد.....

القرآن خطاب لا نصوص متفرقة


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 21:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما الذي يجعل كتابًا واحدًا قادرًا على أن يكون مرجعًا لأناس يتبنون أفكارًا متعارضة إلى حد التناقض؟ وكيف يمكن أن يستشهد فريقان متخاصمان بالآيات نفسها، وكل منهما يعتقد أن القرآن يقف إلى جانبه؟
يكفي أن تتابع أي نقاش ديني لتلاحظ هذا المشهد المتكرر. يورد أحدهم آية ليحسم بها القضية، فيرد عليه آخر بآية أخرى تبدو وكأنها تنقض الأولى، ثم يتحول الحوار إلى مواجهة بين آيات لا بين أفكار، وكأن القرآن يتحدث بلغات متعددة، أو يقرر في موضع ما ينقضه في موضع آخر.
لكن قبل أن ننسب هذا الاضطراب إلى النص، يجدر بنا أن نسأل سؤالًا أبسط وأكثر عمقًا: هل المشكلة في القرآن، أم في الطريقة التي نقرأه بها؟
هذا السؤال هو نقطة البداية لكل قراءة جادة. فالقرآن الذي بقي نصه محفوظًا لم يتغير منذ نزوله، هو نفسه الذي استند إليه آلاف المفسرين، ومع ذلك خرجوا بنتائج متباينة في كثير من القضايا. ولو كان الاختلاف نابعًا من ألفاظ القرآن وحدها، لكان النص نفسه مصدر الاضطراب، وهو أمر ينفيه القرآن عن نفسه صراحة حين يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فالآية لا تكتفي بدعوة الناس إلى التدبر، بل تجعل غياب الاختلاف الداخلي علامة على مصدر القرآن الإلهي.
إذا كان الأمر كذلك، فمن أين جاء هذا الاختلاف الكبير في فهمه؟
لعل الجواب يكمن في أننا اعتدنا التعامل مع القرآن بوصفه مجموعة نصوص منفصلة، بينما يقدم هو نفسه باعتباره خطابًا واحدًا متكاملًا.
قد يبدو الفرق بين "النص" و"الخطاب" فرقًا لغويًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة فرق منهجي بالغ الأثر. فالنص، في الاستعمال الشائع، يمكن أن يكون جملة أو فقرة أو صفحة مستقلة، أما الخطاب فهو رسالة كاملة تتكون من أجزاء مترابطة، لا يؤدي كل جزء منها معناه الكامل إلا داخل البنية التي ينتمي إليها. ولو اقتطعنا عبارة من خطاب سياسي أو من كتاب فلسفي أو من رواية أدبية، ثم حملناها وحدها لتفسير العمل كله، لأدرك الجميع أننا ارتكبنا خطأً في القراءة، لا لأن العبارة خاطئة، بل لأنها نزعت من موضعها الطبيعي.
وهذا هو الخطأ نفسه الذي يتكرر في قراءة القرآن حين تتحول الآية الواحدة إلى دليل مستقل، مع أن معناها قد يتغير أو يكتمل أو يتخصص بما يرد في مواضع أخرى.
إن القرآن لا يقدم مفاهيمه الكبرى دفعة واحدة، بل يبنيها تدريجيًا. فالحديث عن الإيمان، أو العدل، أو الرحمة، أو الهداية، أو المسؤولية، أو الحرية، لا يرد في موضع واحد يجمع جميع أبعاده، وإنما يتوزع على سور متعددة وسياقات مختلفة، بحيث يصبح كل موضع جزءًا من الصورة الكاملة، لا الصورة كلها.
ولهذا فإن من يكتفي بآية واحدة ليبني عليها تصورًا كاملًا، يشبه من يدخل قصرًا واسعًا ثم يرى غرفة واحدة، ويغادر مقتنعًا أنه عرف القصر كله.
وليس هذا مجرد تشبيه بلاغي، بل هو طبيعة البناء القرآني نفسه.
فالقرآن يصف نفسه بأنه كتاب، والكتاب في اللسان العربي ليس صفحات مبعثرة، بل بناء يجمع أجزاءه رابط واحد. ويصف نفسه بأنه قرآن، أي مقروء يتلى متتابعًا، لا كلمات متفرقة يختار القارئ منها ما يشاء ويترك ما يشاء. ويصف آياته بأنها مثاني، أي إن معانيها يعود بعضها إلى بعض، وتتكرر موضوعاتها في صور متعددة حتى يكتمل الفهم من خلال مجموعها لا من خلال موضع واحد.
ولذلك فإن كثيرًا مما يبدو تعارضًا بين الآيات يزول بمجرد رد الآية إلى شبكة الآيات التي تشاركها الموضوع نفسه.
خذ أي قضية كبرى، وستجد أن القرآن لا يسمح للقارئ أن يحسمها بآية واحدة. فما يبدو عامًا في موضع قد يأتي في موضع آخر ما يبين حدوده، وما يبدو مطلقًا يجد ما يقيده، وما يأتي مجملًا في سورة يرد مفصلًا في سورة أخرى. وليس هذا تناقضًا، بل هو الطريقة التي يبني بها القرآن معانيه.
إن الخطأ لا يبدأ عندما نخطئ في تفسير آية، بل يبدأ قبل ذلك، عندما نفترض أن الآية الواحدة تكفي لتأسيس مفهوم كامل.
ومن هنا يمكن فهم سبب كثرة الخلافات التي رافقت قراءة القرآن عبر القرون. فكثير من هذه الخلافات لم ينشأ لأن القرآن يقول أشياء متناقضة، وإنما لأن كل فريق بدأ من آية بعينها، وجعلها الأصل الذي ترد إليه بقية الآيات، بدل أن يبدأ من القرآن كله، ثم يجعل كل آية جزءًا من بنيته الكلية.
وهذا الفارق يبدو صغيرًا في البداية، لكنه يغير النتائج كلها.
فالذي يبدأ من رأي سابق، ثم يبحث عن آية تؤيده، سيجد غالبًا ما يبحث عنه، لأن القرآن واسع الموضوعات، ويتناول القضايا من زوايا متعددة. أما الذي يبدأ من القرآن نفسه، ويجمع جميع الآيات المتعلقة بالموضوع قبل أن يصدر حكمًا، فإنه يمنح النص فرصة ليفسر نفسه بنفسه.
وهنا يتحول دور القارئ من باحث عن شاهد يؤيد رأيه، إلى باحث عن رؤية يبنيها القرآن أمامه.
ولعل هذه هي الخطوة الأصعب في كل قراءة؛ لأن النفس تميل بطبيعتها إلى البحث عما يؤكد قناعاتها، لا عما يصححها. ولهذا يصبح الانتقاء أسهل من الاستقراء، ويصبح اقتطاع الدليل أيسر من جمع الأدلة، ويصبح الدفاع عن الموقف المسبق أكثر راحة من إعادة النظر فيه.
لكن القرآن لا يدعو إلى هذه الطريقة في القراءة، بل يدعو إلى التدبر. والتدبر، في معناه اللغوي، هو النظر في أدبار الشيء وعواقبه وما وراء ظاهره، لا الوقوف عند أول عبارة تقع عليها العين. وهو منهج يقتضي الصبر على النص حتى يكشف هو عن منطقه الداخلي، لا أن نفرض عليه منطقًا جاء من خارجه.
وعندما نقرأ القرآن بهذه الروح، تتغير أشياء كثيرة.
أول ما يتغير هو تصورنا لوجود التعارض بين الآيات. فكثير من التعارضات التي شغلت كتب الجدل لا تكون في الحقيقة إلا تعارضًا بين قراءتين مجتزأتين، لا بين آيتين.
ويتغير أيضًا فهمنا للمفاهيم القرآنية الكبرى. فبدل أن تتحول إلى شعارات مقتبسة من موضع واحد، تصبح مفاهيم حية تتكون من مجموع الاستعمال القرآني لها، فتكتسب دقتها وحدودها وعلاقاتها ببقية المفاهيم.
ثم يحدث تحول ثالث، وهو الأهم، إذ يستعيد القرآن موقعه الطبيعي بوصفه المرجع الأول في بيان نفسه. فلا يعود القارئ مضطرًا إلى البحث عن حل لكل إشكال خارج النص قبل أن يستنفد إمكانات النص ذاته، بل يبدأ من القرآن، ويعود إلى القرآن، ويترك للقرآن أن يفسر بعضه بعضًا.
ولا يعني ذلك أن كل مسألة ستصبح سهلة، أو أن الاختلاف سيختفي تمامًا، فالاختلاف في الفهم جزء من طبيعة التفكير الإنساني. لكن الفارق كبير بين اختلاف ينشأ بعد استقراء القرآن كله، واختلاف ينشأ من الاقتصار على جزء منه.
إن القراءة التجزيئية لا تظلم الآية التي اقتطعتها فحسب، بل تظلم القرآن كله؛ لأنها تنسب إلى الجزء وظيفة الكل، وتحمل كلمة واحدة ما لا تحتمله إلا المنظومة بأكملها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل بحث في القرآن ليس: ما الذي تقوله هذه الآية؟ بل: ما الذي يقوله القرآن كله في هذا الموضوع؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن ينقل القارئ من البحث عن دليل يؤيد موقفًا، إلى البحث عن حقيقة يريد النص أن يكشفها.
فالقرآن ليس صندوقًا من الشواهد يختار منه كل إنسان ما يوافق رأيه، بل هو خطاب إلهي واحد، تتساند أجزاؤه، ويشرح بعضه بعضًا، وتتكامل معانيه حتى لا يُفهم جزء منه إلا في ضوء الكل. وكل قراءة تبدأ من الجزء وتنتهي عنده ستظل معرضة لأن ترى في القرآن ما لم يقله، بينما القراءة التي تبدأ من الكل ثم تعود إلى الجزء تمنح النص حقه، وتمنح القارئ فرصة أقرب إلى فهم الرسالة كما أرادها الله أن تُفهم.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...


المزيد.....




- -المقاومة الإسلامية في العراق- تمنح الحكومة مهلة للرد على ال ...
- 149 مستوطناً يقتحمون المسجد الأقصى وسط حماية أمنية مشددة
- اليهود والمسلمون في البوسنة ـ مثال للتعايش الديني والثقافي
- رفضت بيع غرفتها ليهود.. فلسطينية مغربية تتمسك برباطها على مش ...
- الرحلة التاريخية لفكرة الجامعة الإسلامية
- متظاهرة وحيدة تحتج بمفردها أمام كاتدرائية واشنطن خلال جنازة ...
- كيف توسّع إيران نفوذها في أفريقيا؟ سعت الجمهورية الإسلامية ...
- شيخ الأزهر يعلق على سلوك -غريب- للأسر المصرية
- من مكالمة شيخ الأزهر إلى ممر الورود.. كيف احتفى المصريون بال ...
- الضفة.. مستوطنون يقيمون بؤرة استيطانية جديدة شرق سلفيت


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - القرآن خطاب لا نصوص متفرقة