كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 14:07
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
السوق المسقف في قضاء الخضر(الجزءالثاني)
مشهد من السوق… حين كانت الأسماء عناوين
كاظم الحناوي
دعنا نعد خمسبن عاما إلى الوراء…
ونعبر الجسر الخشبي بهدوء. ها هو مدخل السوق المسقف أمامنا.
تحت السقف الخشبي الطويل تبدأ المدينة يومها باكرا. ترتفع أبواب الدكاكين الواحد تلو الآخر فيولد السوق مع أول خيوط الشمس بينما يتبادل التجار السلام قبل أن يصل الزبائن.
إذا اتجهت إلى يمينك كان أول من يستقبلك الحاج تركي آل حسين. لم يكن بحاجة إلى من يعرف الناس به فاسمه كان عنوانا لمكانه.
وبعد خطوات قليلة يفوح عبق الهيل والدارسين والكمون من محل السيد إبراهيم تاج الدين أحد أشهر العطارين في السوق. هناك تختلط رائحة الأعشاب الطبية بالتوابل القادمة من البصرة أو من شورجة بغداد حتى يكاد الداخل يعرف مكان المحل قبل أن تقع عيناه عليه.
وإلى جواره يقف علي آل حجي جاسم العلو وقد امتلأت رفوف دكانه بالمواد الغذائية وقناني البيبسي التي كانت تعد يومها من الأشياء التي ينتظرها الصغار بشغف كلما رافقوا آباءهم إلى السوق.
ولا يبتعد كثيرا عنه محل السيد حسين تاج الدين حيث تستمر رحلة العطارة قبل أن تبدأ الأقمشة بالظهور في محل جاسم المطرود الذي اعتاد كثير من أبناء الخضر شراء أقمشتهم منه استعدادا لمواسم الأعياد أو الأعراس.
ثم يأتي محل الحاج داخل المياوي الذي لم يكن عطارا فقط بل كان مقصدا لمن يبحث عن عقاقير الطب العربي والأعشاب التي توارث الناس وصفاتها جيلاً بعد جيل.
وتتوالى الدكاكين بعد ذلك… يحيى الأرزوقي… ثم سيد هاشم تاج الدين… ثم الحاج دويح عبد الصاحب… حتى تصل إلى فهد الشنابة ثم الحاج راجوج.
وكان الحاج راجوج يعرف أن الصغار لا يدخلون السوق مثل الكبار.
فبين أكياس العطارة كانت تصطف علب النستلة والعلج وقطع الجكليت فتقف أقدام الأطفال أمام محله قبل أن تصل أيديهم إلى جيوب آبائهم.
ففي أروقة السوق كانت هناك بسطات صغيرة تغير بضاعتها مع الفصول. ويتذكر ماجد ياسر أن المرحوم مجدي آل عبد الحسين شقيق صبحي المصور كان يقف ببسطته يبيع الشربت والموطة والثلج والملح فإذا جاء الصيف امتلأت بسطته بالمرطبات وإذا أقبل الشتاء استبدلها بالشوندر الساخن لتصبح بسطته جزءا من إيقاع المواسم الذي اعتاده أبناء الخضر.
وبعده الحاج راجوج مباشرة تستقبلك أنواع مختلفة من التمور عند عمران المزعل بينما يعرض السيد مجيد الحبال والليف وكل ما تحتاجه بيوت الشعر في البادية لتأتي بعدها عطارية الحاج حسن الجبر قبل أن تنتهي هذه الجهة عند محل الحاج صبحي الجبر حيث تتدلى السحابات والدگم والخرز والإبر وكل ما تحتاجه النساء والخياطون.
ولم يكن هذا سوى نصف السوق…
ففي الجهة المقابلة، كانت حكاية أخرى تبدأ.
وإذا تركت الجهة اليمنى، والتفت إلى الجهة المقابلة، فإن السوق لا يغير إيقاعه… لكنه يغيّر روائحه.
فهنا يبدأ الحاج انغيمش باستقبال زبائنه وبين يديه أكياس الأعشاب والتوابل التي اعتاد أبناء الخضر استخدامها في الطعام والدواء معا.
وإلى جواره كان عبد الزهرة الخنتكاري أحد البزازين الذين يقصدهم الناس لشراء الأقمشة قبل أن يقفوا عند محل الحاج حسن الكرور حيث تعود رائحة العطارة لتملأ الممر مرة أخرى.
ولم تكن المسافات بين المحلات تتجاوز خطوات قليلة لكنها كانت تنقلك من مهنة إلى أخرى وكأن السوق رُتِب بعناية عبر السنين.
فهنا الحاج جبير الصالح يعرض الأقمشة. وبعده الحاج مطر العويد الذي ارتبط اسمه بتجارة الحبوب في وقت كانت فيه الخضر تعيش على الزراعة ويقصدها أبناء البادية والقرى المحيطة لبيع محاصيلهم أو شراء ما يحتاجونه.
ويجاوره الحاج جبار شيخ عبد ثم الحاج محسن الشلاكة وكلاهما من البزازين المعروفين في السوق حتى يصل الزائر إلى محل الحاج علي الكهو حيث تجتمع تجارة الحبوب مع العطارة في مكان واحد.
وفي زاوية أخرى كان الحاج محسن المهدي يمارس مهنة تختلف عن بقية جيرانه.
فهو صائغ الذهب الوحيد في هذا الجزء من السوق وكأن بريق الذهب جاء ليكسر ألوان الأقمشة وروائح الأعشاب التي تحيط به.
ثم تستمر الرحلة حتى الحاج عبد المذبوب الذي جمع بين العطارة وعقاقير الطب العربي قبل أن تصل إلى ياسين فيروز أحد تجار
الحبوب المعروفين.
- رحلة الأطفال في السوق
أما الأطفال… فكانوا يعرفون جيدا أين تنتهي الجولة.
فعند ياسين وشاكر آل الحاج خضير كانت الحلويات تنتظرهم فيقف كثير منهم أمام واجهة المحل يراقبون ما فيها من حلوى قبل أن يلتفتوا إلى آبائهم طلبا لقطعة صغيرة يحملونها معهم إلى البيت.
ولم تكن الحلويات وحدها ما يجذب الأطفال. فقد كانت هناك بسطية عظيم (ابو حديبة) التي يقف حولها الصغار يتأملون لعب ذلك الزمن: البالون (النفاخ) والدعبل والطكطاكات المصنوعة من البليت والضفادع الحديدية وصور النجوم مثل المصارع عدنان القيسي ونجوم المنتخب العراقي وغيرهم. وكانت تلك الألعاب على بساطتها جزءا من ذاكرة جيل كامل يخرج من السوق وفي يده لعبة صغيرة لكنها كانت تعني له الدنيا.
لم يكن السوق المسقف مجرد صفين من الدكاكين. بل كان مدينة مصغرة.
كل خطوة فيها تنقلك إلى مهنة جديدة.
وكل محل يحمل اسما أصبح مع مرور الزمن جزءا من ذاكرة الخضر نفسها.
ولهذا لم يكن أبناء المدينة يقولون: اذهب إلى محل العطار… بل كانوا يقولون:
اذهب إلى إبراهيم تاج الدين…
أو إلى راجوج… أو إلى عبد المذبوب…
فالناس كانت تعرف الرجال… والرجال كانوا يعرفون الناس.
ولذلك بقيت أسماء أصحاب المحلات حية في الذاكرة حتى بعد أن اختفى السوق نفسه.
- حين كانت الأسماء عناوين
لم تكن محلات السوق تحمل لافتات كبيرة ولا أرقاما تدل عليها كما هو الحال اليوم.
وكان ذلك أمرا لم يحتج إليه أحد.
ففي الخضر كان اسم الرجل هو عنوان محله. ولهذا لم يكن أحد يقول لابنه:
اذهب إلى محل العطارة… بل يقول:
اذهب إلى سيد إبراهيم تاج الدين.
ولا يقول: اشتر القماش من البزاز…
بل يقول: اذهب إلى جاسم المطرود…
أو إلى جبير الصالح.
أما من يحتاج إلى دواء من الطب العربي فلا يسأل عن اسم المهنة بل يتجه مباشرة إلى داخل المياوي أو عبد المذبوب.
وكان هذا الارتباط بين الرجل ومحله أكبر من مجرد علاقة تاجر بدكان.
فالناس كانت تشتري الثقة قبل أن تشتري البضاعة.
وتعرف أخلاق صاحب المحل قبل أن تعرف أسعار ما يبيعه.
ولهذا بقيت أسماء التجار حاضرة في ذاكرة أبناء الخضر حتى بعد مرور عشرات السنين على اختفاء السوق.
ولم يكن ذلك مقصورا على كبار السن.
فالأطفال أيضا كانوا يحفظون أسماء أصحاب المحلات.
ليس لأنهم يشترون منهم…
بل لأن السوق كان مدرسة مفتوحة.
يكبر الطفل وهو يسمع والده يقول: سنمر على راجوج… ثم نذهب إلى حسن الجبر…
ولا تنس أن نشتري الحبال من سيد مجيد… وبعدها نأخذ شيئا من الحلويات عند ياسين وشاكر.
وهكذا أصبحت أسماء الرجال جزءا من ذاكرة المكان.
حتى إن كثيرا من أبناء الخضر حين يستعيدون السوق اليوم لا يبدأون بوصف سقفه أو محلاته…
بل يبدأون بذكر أسمائهم.
وكأن السوق لم يكن مبنى من الطابوق والخشب… بل كان مجموعة من الوجوه التي صنعت ذاكرة المدينة.
- طرائف السوق
ولم يكن السوق مكانا للبيع والشراء فقط بل كان أيضا فضاء للحكايات والطرائف التي بقيت تتردد سنوات طويلة. ومن أكثرها حضورا في ذاكرة أبناء الخضر ما يرويه ماجد ياسر عن جوس النجار والمرأة من منطقة الحصية التي جائت لتستلم ( الكنتور) من جوس (الذي كان احدبا) وتأخر عن موعد تسليمه. ولشدة التشابه بين عظيم وجوس في الطول والبنية أختلط على المرأة الأمر وقالت لعظيم ليش خاله اخرت الكنتور واحنه عدنه عرس… فما كان من عظيم إلا أن أجابها ضاحكا:(غلطان بالنمرة… غلطان بالنمرة…) فضحك الواقفون وبقيت العبارة تتردد في السوق زمنا طويلا.
- اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء
لم يخطر في بال أصحاب المحلات وهم يرفعون أبواب الكبنك كل صباح أن السوق الذي عاش معهم عشرات السنين سيأتي يوم يختفي فيه من خارطة المدينة.
كانت الحياة تمضي كما اعتادها الناس. العطار يفتح دكانه. والبزاز ينشر لفائف الأقمشة.
وصاحب الحبوب يرتب أكياسه. والصغار يقفون أمام محل الحلويات.
ولم يكن أحد يتخيل أن كل ذلك سيصبح بعد سنوات مجرد ذكرى.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي بدأت الأخبار تنتشر بين الناس عن مشروع جديد.
جسر كونكريتي ضخم سيقام في قضاء الخضر.
في البداية لم يعترض أحد على فكرة بناء جسر حديث.
فالمدينة كانت بحاجة إلى التطور ولم يكن أحد يقف ضد مشروع يخدم الناس.
لكن المفاجأة لم تكن في الجسر… بل في المكان الذي اختير له.
فبدلا من أن يمر بمحاذاة المدينة القديمة شق طريقه عبر قلبها. وهنا بدأ القلق.
لم يعد الحديث في السوق عن أسعار الحبوب أو الأقمشة.
أصبح الحديث عن البيوت التي ستزال.
والمحلات التي ستختفي. والأحياء التي ستتغير.
ويتذكر عدد من أبناء الخضر أن كثيرا من الأهالي لم يكونوا يعارضون إنشاء الجسر نفسه بل كانوا يرون أن بالإمكان إقامته في مسار آخر يحافظ على السوق والبلدة القديمة لكن القرار كان قد اتخذ ولم يكن بوسع السكان تغييره.
ومع وصول الآليات بدأت المدينة تدرك أن الأمر لم يعد مجرد مشروع على الورق.
كان السوق الذي ظل لعقود يجمع الناس تحت سقف واحد يقف لأول مرة أمام احتمال أن يفقد سقفه… ثم يفقد وجوده كله.
وكان التجار يفتحون محلاتهم كل صباح لكنهم لم يعودوا يتحدثون عن التجارة وحدها.
صار السؤال الذي يتردد بينهم:
إلى أين سنذهب إذا هُدم السوق؟
ولم يكن أحد يملك جوابا. فالجرافات لا تحفظ الذكريات. ولا تعرف أسماء الرجال الذين صنعوا حياة هذا المكان.
- لم يكن السوق مجرد سو ق
قد يظن من لم يعش تلك السنوات أن السوق المسقف لم يكن أكثر من صفين من الدكاكين القديمة التي أزيلت مع الزمن. لكن أبناء الخضر يعرفون أن الحقيقة كانت مختلفة.
فالسوق لم يكن مبنى… بل مؤسسة اجتماعية كاملة.
فيه تعلّم الأطفال أسماء الرجال قبل أن يتعلموا أسماء الشوارع.
وفيه عرف الناس أخبار المدينة قبل أن تصلها الصحف.
وفيه التقت البادية بالريف والتاجر بالفلاح والغريب بابن المدينة.
وكانت الثقة تُباع وتشترى مع البضاعة.
وكان اسم الرجل ضمانة لما يعرضه في دكانه.
ولهذا لم يكن اختفاء السوق مجرد خسارة عمرانية. بل كان نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الخضر.
فمع اختفائه تفرقت المهن. وانتقل التجار. وتبدلت ملامح المركز القديم.
وضاعت شبكة العلاقات اليومية التي ظلت تتكون بصبر عبر عشرات السنين.
واليوم لم يبق من ذلك السوق إلا ما تختزنه ذاكرة من عاشوه.
ولهذا لم يكن الهدف من هذه الشهادات إعادة الحنين إلى الماضي ولا البكاء على زمن مضى.
بل محاولة لإنقاذ جزء من ذاكرة مدينة قبل أن يغادرها آخر الذين ما زالوا يتذكرون أسماء أصحاب المحلات ورائحة العطارة وصوت أبواب القخمات حين ترفع او تنزل وهي تفتح مع الفجر وضحكات الأطفال وهم يقفون وسط السوق عندما تغلق اغلب محلاته في الظهيرة ليلعبوا لعبة (الدعبل والأجعاب).
فالمدن لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة.
إنها تفقدها كلما رحل شاهد وكلما سقط اسم من الذاكرة وكلما اندثر مكان دون أن يكتب أحد حكايته. ولذلك…
فإن السوق المسقف لم يكن قلب الخضر لأنه كان أكبر أسواقها…
بل لأنه كان المكان الذي كانت المدينة تتعرف فيه إلى نفسها كل صباح.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟