منى جداوي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 19:56
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
لطالما احتفت المانشيتات العريضة بدخول المرأة السعودية إلى مجالس الإدارات، وقطاع الفضاء، والأسلاك الدبلوماسية، وهو تقدم هيكلي لا يمكن إنكاره. لكن خلف هذا البريق التمكيني، يقبع محور مسكوت عنه ويمثل الثقب الأسود في حداثتنا المعاصرة: وهو "أزمة تدبير الرعاية غير المدفوعة الأجر"، أو ما يمكن تسميته بـ"الوزارة السيادية الصامتة" التي تديرها المرأة داخل المنزل بلا ميزانية، وبلا تقاعد، وبلا أدنى اعتراف اقتصادي.
المفارقة الممتعة والصادمة اليوم، هي أن النظام الرأسمالي المعاصر والدعوات التمكينية يطالبان المرأة السعودية بأن تكون "سوبر وومن" (Superwoman)؛ يتعين عليها أن تستيقظ في السابعة صباحاً لتنافس في سوق العمل، وتساهم في الناتج المحلي الإجمالي، وتدفع الضرائب، ثم تعود في الرابعة عصراً لتمارس دورها التقليدي كاملاً كمديرة لوجستية للمنزل، وطاهية، ومربية، وممرضة، ومستشارة نفسية للأولاد، دون أن تتلقى هللة واحدة مقابل هذا الجهد الشاق الذي يستنزف طاقتها البيولوجية والنفسية.
لقد جرى "توطين" أعباء الرعاية المنزلية وتأطيرها برداء قداسته العاطفية والدينية لشرعنة استغلال مادي صامت. فبينما تقاس كفاءة الرجل بإنتاجيته الاقتصادية خارج المنزل وتُحجز له ساعات الراحة كحق مقدس، تُعاقب المرأة التي تقصر في مهامها المنزلية بالوصم الاجتماعي، حتى وإن كانت تدير شركة مدرجة في سوق الأسهم! هذا "العبء المزدوج" (Double Burden) أوقع المرأة السعودية في فخ الإنهاك المزمن، وتحولت الحداثة بالنسبة لها من "بوابة للتحرر" إلى "زنزانة إضافية" تضاعفت فيها الواجبات وبقيت الحقوق معلقة على مشجب التقاليد.
إن الحداثة الحقيقية والتمكين الفعلي لا يبدآن من تمكين المرأة من مغادرة المنزل لكسب المال فحسب، بل من "إعادة هيكلة الاقتصاد المنزلي نفسه". نحن بحاجة إلى تشريعات مدنية واعتراف قانوني واقتصادي يقيس القيمة المادية للعمل المنزلي والرعائي، ويفرض تقاسماً عادلاً للمسؤوليات داخل الأسرة. طالما ظل العقل الجمعي يرى في الطهي والتربية "وظيفة بيولوجية حصرية للمرأة" وليست جهداً إنسانياً مشتركاً، ستظل مواطنة المرأة السعودية منقوصة، وستبقى إنجازاتها الخارجية مجرد ديكور أنيق يخفي خلفه هيكلاً قديماً من العبودية المنزلية المغلفة بعبارات الثناء والتقدير.
#منى_جداوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟