أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي















المزيد.....


لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


لذّة النص في الهامش (2)
النادرة في الحكي العربي

شاكر حمد-*


(وقال محمد بن هشام: التعليق في حواشي الكتب كالشفوف في آذان الأبكار) وقال فيلسوف: أحسن الكلام ماكان له نظام, وعرفه الخاص والعام.) – التوحيدي: البصائر والذخائر- ص 41-

العرب أمَّة مُتكلِّمة..

ولذلك جذور أنتجتها ظروف الطبيعة وأحوالها والعلاقات القبائلية وتأريخها من الحروب والروابط الإجتماعية والأسفار وغيرها. وقبل أن يحل عصر التدوين, ليصبح مهنة للحفظ والتجارة, كانت الروايات تُطرح في المجالس منذ العصر الجاهلي, وإستمرَ التقليد للعصور التالية, ثمَّ إنطبعت الحكايات بالتدوين, للغرضين كما مرَّ, الحفظ والنشر.
شهدت مراحل التأريخ العربي, فترات من الإستقرار الداخلي, مع إشتداد التناقضات الداخلية, وقد إنعكس ذلك في النتاجات الأدبية والنظرية وفنون الكلام والشعر. كانت المؤسسه الرسمية بحاجة إلى توثيق خطابها اليومي, وتنظيم الجلسات على الورق, بما في ذلك جلسات الإمتاع والمؤانسة, وحتى الطرب والمجون, فبرزت أسماء في هذه الميادين سنذكرها لاحقاً, كما وجدنا سمات مُشتركة,
في جميع المصادر التي إطَّلعنا عليها, في طرائق الكلام, منذ الشفاهية, ومنها مُخاطبة القارئ, وإفتراض دور القارئ في إنتاج النص, وتأويل الحكاية, فالكتب التي تركها العصر الأول تميَّزت بالتنويع الموضوعاتي, والتشظي في نثر الحكايات القصيرة, وبوادر الرابطة النقدية, التشريحية للنصوص والأخبار.

بعد تدوين المصاحف والسيرة النبوية, وأخبار الخلفاء وما يدور في مجالسهم, إنتقلت الخطب البليغة إلى دكاكين الورّاقين. يقول الجاحظ عن الحسن البصري (كان رأس الخطابة الدينية في القرن الأول, يحتذي مثاله كل خطيب في عصرهِ, وكل خطيب جاء بعده, ولقد كانت خطبه من أول ما دوِّن في الإسلام, وقد بقيَت هذه المجموعة من خطبه يتدارسها المُتأدبون, ويحتفيها القائلون.)- الجاحظ: البخلاء – ص 175-

شملت الموضوعات تدوين التسلية والنادرة والنكتة وصولاً إلى النثر المبتذل والسخف.
كانت الجلسات تُختتم بملحة قصيرة, كما حصل في جلسات التوحيدي المسائية؛ فقد سأله الوزير إبن سعدان في ختام إحدى الليالي عن مُلحة الوداع.. فذكر حديث إبن عبّاس في مجالسهِ وختامه بقولهِ: أحمضوا(1) أي إختموا السهرة بطرفةٍ خفيفةٍ كالنكتة, وقد لمسنا روح الدعابة عند إبن عباس في طرائف سنأتي عليها. وكان أسلوب الكلام هذا شائعاً, وأحياناً يُطرق في مواقف مُحرجة أمام الخلفاء فتنتهي بالعفو والصلة والفرفشة, والأمثلة وافية في البصائر والذخائر للتوحيدي, وكما هي عند غيره من أُدباء ذلك العصر.
كان الجاحظ قد أدرج النادرة والنكتة في سردياته, بل حافظ على سماتها اللفظية, إن كانت عاميّة شائعة, فتجنَّب تحسينها لُغويّا, ونحويّا, لأن الطرافة في أصل الكلمة المنطوقة, باللسان العفوي.. يقول الجاحظ (.. وكذلك إذا سمعتَ بنادرةٍ من نوادر العوام, ومُلحة من مُلَح الحشوة والطغام, فإياك أن تستعمل فيها الإعراب, أو ان تتخيَّر لها لفظاً حسناً, أو تجعل لها من فيكَ مخرجاً سريَّاً, فإن ذلك يُفسد الإمتاع بها, ويُخرجها من صورتها.) – البخلاء – ص 203-

يؤَكد الجاحظ على النبرة الصوتية, وطريقة النقل, مصحوباً بالتمثيل والحركات, موجهاُ كلامه للسامعين في المجالس الخاصَّة والعّامة, يواصل الحديث عن مستويات اللفظ..( ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ, ولكلِّ نوع من المعاني نوع من الأسماء, فالسخيف للسخيف, والخفيف للخفيف, والجزل للجزل, والإفصاح في موضع الإفصاح,... وإذا كان موضع الحديث على أنّه مُضحِك ومُلهٍ, وداخل في المزاج والطيب, فإستعملتَ فيه الإعراب إنقلَبَ عن جهتهِ, وإن كان في لفظه سُخف, وأبدلت السخافة بالجزالة صار الحديث الذي وضعَ على أن يسرّ النفوس يُكربها ويأخذ بإكضامها.) – الحيوان- البخلاء- هامش ص 302-
ونزعم, أن الجاحظ الَّف كتابه البخلاء مستوعباً روح الدعابة التي كانت سائدةً في عصره, ومنها ما يتعلق بالنوادر حول الأطعمة والموائد وطرائق الأكل والبخل, إضافةً إلى أسباب أخرى أنتجت الكتاب.

شهد ذلك العصر بروز شخصيات تؤلف النادرة, وتُتقن صناعتها وعُرفت فيها, بل شهد العصر العباسي تعيين المُضحكين في دواوين الخلفاء بوظيفة (مُضحك الخليفة) كوظيفة الكاتب والحاجب والخادم والغلام ومن الأمثلة مُضحك المهدي, وفيما بعد مُضحك المتوكل المُسمّى عبادة المُخنَّث.
ومن الشخصيات التي تؤلف النادرة في المجالس أبو الحارث جُمين وقد ذكره الجاحظ في عدة مواضع من البخلاء أشار فيها إلى نوادره حول الطعام, وإلى مَن يتحدّث بلسانهم ( وقد كان أبو الحارث من أوائل الذين يُتجرون بالنادرة في العراق, كأبي دُلامة, وإبن درّاج, وما إليهما؛ يدعوهم السراة إلى مجالسهم, ويحضرونهم طعامهم, وربما أجزلوا لهم الجائزة, وقد كانوا يعتبرونهم أداة من أدوات الترف, ومظهراً من مظاهر السراوة, لاغناء عنه.. وقد جُعلت هذه التجارة تروج وتنتشر ويَعظم أثرها بإزدياد مظاهر الترف.. حتّى صارت بعد ذلك تُلتَمس إلتماساً بالتلَّقي والتعليم, كما ذكر الحصري عن أبي العبر: " كنَّا نختلف ونحن احداث إلى رجلٍ يُعلِّمنا الهزل." ومن هنا نرى كيف كثرَ أصحاب النوادر وعظُمَ شأنهم في أيام المتوكل.) – تعليق طه الحاجري- البخلاء ص 261-
( ومن نوادر جُمين على طعام محمد بن يحيى, على النحو الذي جاء في كتاب البخلاء, وذكر له المُبرِّد نادرة مع إمرأة يحبها, وغير ذلك كثير في الأغاني وغيره كنثر الدر المنثور.) – الحاجري نفسه ص 262-.

أمّا مزبد فلم تكن النادرة عمله الوحيد الذي يصطنعه ويُعرف بهِ, حين كان بالمدينة, إنما كان إلى جانب ذلك, يُعين على وسائل اللهو الأخرى..(إن هذه الظاهرة كانت عامَّةً شائعةً في أمثال مزبد وممن كانوا يُسمّون بالمخنثين, وهي طبقة كبيرة مُتميِّزة في المدينة لذلك العهد وقبله, ومنهم النفاشي وزرجون والدلاّل وهنَب وطويس وفنَد, وكانوا جميعاً يصطنعون هذه الحياة, حتى ما نكاد نُخطئ ذلك في الأخبار المأثورة عن كلِّ واحدٍ منهم.) – الحاجري نفسه –ص263-.
(روى الحصري أنَّ أبا حبيب مُضحك المهدي كان يحفظ نوادر مزبد ويحكيها له, فقال له مزبد: بأبي أنت أنا أزرع وأنت تحصد) – نفسه- البخلاء ص 262-
ومن أصحاب النوادر أيضاً صالح بن حُنين ( وسياق القول فيه يدلُّ إنه كان أدنى مرتبةً أن يكون مُضحكاً أو أن يكون نديماً.. أي أنه كان مُضحكاً سخيفاً بارد النادرة.) –نفسه ص 263-

صنَّف الجاحظ نوادر زمانه على مستويين في التأثير والوقع, فهناك النادرة الحارَّة المُثيرة, وهناك النادرة الباردة, وربط ذلك بشخص قائلها.. ( ولو أن رجلاً ألزَقَ نادرةً بأبي الحارث جُمين والهيثم بن مُطهَّر وبمزبد وإبن الأحمر, ثمَّ كانت باردةً لجرت على أحسن مايكون, ولو أن نادرةً حارَّةً في نفسها, مليحةً في معناها, ثمَّ أضافها إلى صالح بنَ حُنين, وإلى إبن النوَّاء, وإلى بعض البُغضاء, لعدت باردةً ولصارت فاترةً, فإن الفاتر سرٌّ من البارد.) –البخلاء ص 7-
هنا يُشير الجاحظ إلى موهبة الإلقاء ولغة الجسد في التعبير, وقوَّة هذه الموهبة في صنف من الأشخاص, وضعفها أو إنعدامها في غيرهم. وتلك مميزات الخطاب المسرحي. في المسرح تتفاعل منظومة جسدية وصوتية وعلاماتية وحركية في شخص الممثل, المُتكلِّم على المسرح أو أمام حشد من الناس.
أمامنا مصادر أُخرى في تدوين النوادر والحكايات القصيرة والطرائف مثالها كتاب (نشوار المحاضرة وأخبار الذاكرة) للقاضي علي أبي المُحسِّن التنُّوخي, الذي جاء بصيغة الخبر كما سمعه, وكما ذكر ذلك في مقدمة كتابه, فهو حصيلة سماع الحكايات في المجالس, تشبه أخبار الظرفاء والمُكَّدين والشُّطار والعيارين, وحيَّل هؤلاء في التكسّب والنصب, فذكر أخباراً عن قُطّاع الطرق, ومن أطرفها مارواه عن أبيه القاضي أبي القاسم التنُّوخي, حينَ تعرَّض للسلب على أيدي مجموعة من اللصوص, قاربَ عددهم المائة, ثمَّ أنقذه الحظ من القتل والسلب, ذلك أن زعيم هذه العصابة كان إبناً لأحد غلمانه حين تمَّ التعارف بينهما.
في الجزء الثالث من النشوار تحدَّث ابو علي التنُّوخي عن طريقة أبي البيان المؤدب في تدريس الصبيان وذلك ( بأن جمعهم صفاً واحداً بإنتظام, ثمَّ طلب منهم الترديد والإنشاد.. قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ.. وهو يصيح معهم بأعلى صوته وجعلهم يضحكون.)- بتصرّف عن المصدر-

حفظ التدوين العربي قصصاً وحكايات من الغرائب والعجائب, يمكن تصنيفها في باب المسارح المكشوفة أو المقامات, ومن أمثالها ما نقله أبو الفرج الأصبهاني عن أبي بكر الكلبي ما يُفيد: ( أقبل الفند الزماني إلى بني شيبان وهو شيخٌ كبير قد جاوزَ مائة سنة؛ ومعه بنتان له شيطانتان من شياطين الأنس, حتّى إذا إشتدّت المعركة وتردد النصر, تقدمت إحداهنَّ وخلعت ثيابها ورمته وسط المعركة. وما لبثت أُختها أن إقتدت بها, ومشتا بين الصفوف عاريتين تُنشدان.)- د مصطفى بيطام: الغناء وأنواعه عند العرب قبل الإسلام-.

أمّا قصة ضباعة زوجة عبد الله بن جدعان التي يوردها الجاحظ فهي نمط من السرد العجائبي (الكوميديا السوداء). كان زوجها كبير السن وعندما طلب منها هشام بن المغيرة أن تُطلِّقه ليتزوجها, إشترط عليه زوجها أن ينحر مائة من الإبل, وأن تطوف في الكعبة عاريةً.. ووافق هشام على شروطه, فنحرَ الإبل وسمحَ لها الطواف عاريةً وكانت من جميلات العرب.) – د ميثم الجنابي: الجاحظ من عبودية الإماء إلى حريّة القيان والغواني-
إن طواف التعرّي كان معروفاً في الجزيرة العربية قبل الإسلام, وكان يُعرف بالدوار, وفيه بيت أمرئ القيس: (وعنَّ لنا سربٌ كأن نعاجه صبايا دوارٍ في مُلاءٍ مُذيَّلِ).

إلتزم كتّاب ذلك العصر مراعاة القارئ الضمني, والحاضر في المجلس, فقد إنتشر النص المقروء أمام مستمعين, لمحدودية النسَخ الصادرة عن الورّاق. فالسامع طرف مثقف في أغلب الأحيان, ويحضر يومياً للمجلس, ويطلب التنويع في المادة المقروءة, أن تكون مُثمرة من جميع الوجوه والأبواب, وما الهزل إلاّ بابٌ من أبوابها, لتلطيف الهواء الثقافي والنفسي, وهكذا شهد العصر مؤلفات هزلية وجامعة للحكايات الغرائبية والنوادر, منها كتاب إبن الجوزي(أخبار الحمقى والمغفلين) وكتاب (ذيل الأمالي) لأبي علي القالي, وكتب التنّوخي التي مرّ ذكرها, ومن هذا أيضاً ما يتعلق بالسياق النثري لكتابات ذلك العصر؛ حيث غلبت روح الدعابة ومزاج التسلية في الطبقات الوسطى من المثقفين, فالكتاب يجب ألاَّ يكون مصبوباً في قالبٍ واحد, إن كان العمل أدبياُ, في نفس الوقت صدرت كتب تخصصية في ميادين مُحددة. هناك أيضاً المزاج العام في مُجتمع عُرف بالتناقضات بين الفئات الإجتماعية, والمسافات الإقتصادية, وإنتشار تجارة بيع وشراء الجواري والغلمان والعبيد.

الملاحظ أن الفكاهة كانت من بين أسلحة نقد السلطات, وبأساليب لاتخلوا من الذكاء السياسي؛ أن يتجنّب النقد المباشر للخلفاء, فكان مُعظم النقد والتهكم والسخرية مسلَّطاً على عمّال الخليفة أو مادونهم, ومادون الوزراء, ثمَّ الأدنى من الموظفين والقضاة. وقد رصدنا الظاهرة في (أخبار الحمقى والمغفلين) وفي (المقامات), فكانت الشكاوى تُقدَّم إلى الخليفة بصفته أمير المؤمنين العادل, على عامل الخليفة الظالم, فينتهي الأمر بعزله وتعيين عامل آخر في مكانه, وهكذا تُدار مُعضلة العلاقة بين العامّة [الشعب] وبين سلطة الدولة. وإستُخدمت النكتة في مواجهة الخصوم السياسيين, والطوائف والجماعات المُعارضة على مرِّ العصور. وفي عصرنا إنتعشت في أجهزة الإعلام الرسمية, المرئيَّة والمسموعة, ومن قبل خبراء في صناعة النكتة, وإمتدَّ ذلك إلى العلاقات الوظيفية والحياة اليومية, في الهجوم الناعم على الأشخاص والجماعات, خصوصاً بعدما إشتدَّت الخصومات السياسية, وصراع المراكز في العراق.

وخلف تلك الموهبة تكمن الدوافع النفسية الهابطة. يقول الجاحظ في مقدمة البخلاء (إذا أردت أن تعرف عيوب الناس, فتأمل عيَّاباً, لأن فيه ما يكفي من العيوب, لينقلها على الناس.).-بتصرُّف- عن الجاحظ.
ولم تتوقف أسلحة النقد الساخر على النظام السياسي, بل لامست الدين, بما في ذلك النص القرآني والحديث النبوي. ويمكن إعتبار التهكّم في الثوابت الدينية ونصوصها, من ظواهر التمرّد على تنظيم الحياة بشكل عام, فالمجتمع كان يفتقر للمساواة والعدالة والرحمة؛ وهي المبدئ التي تُبشِّر بها الأديان.

الضحك سلاح الضعفاء في مواجهة الأقوياء, ومن خلاله يدّب الإنحلال في مفاصل الدولة القانونية, ويُمهِّد للإنهيار النهائي. هناك أيضاً فلسفة العصر؛ فقد إتَسعت دائرة الفكر الفلسفي المُعارض, وبطبيعتها الجديدة, كانت تقوم على الجدل والمراجعة العقلية للظواهر الوجودية والطبيعية, ومراجعة النصوص الدينية, والثوابت اللغوية والأحكام, فقد طُرحت مسألة أصل القرآن, في زمن المأمون, وتمخضت عن حملات قمع بشعة؛ لتتوقف في عهد المتوكل كما هو معروف في السيرة التأريخيَّة.


في هذا الباب ينقل التوحيدي بعض النوادر كما هي في ألفاظها العّاميّة, كما يورد قراءات للآيات القرآنية بصيغةٍ ساخرة. ومن ذلك سرد مرويات عن الشرائع, وما يُنسب إلى هذا وذاك فيقول: (, ذاتُ أحوالٍ مشتبهةٍ وعلى قدر ما تعيَّن في ذلك أرويه وأكتبه إليك, على أن معرفة الحقائق في سيرةٍ قديمةٍ, ذات أحوالٍ مشتبهةٍ من الصعب العسير.) –البصائر والذخائر- ص 223- ومن ذلك قراءة الآيه بشكل مغلوط, ثم تصحيح الغلط بالغلط فتصبح الآية مادةً للضحك. أو يحتجّ الشيخ بالنص القرآني لتبرير فعل شائن.
سُئلَ إبن عباس أن يشرح (وقد بلغت من الكِبرِ عتيّا)[مريم] قال: خمسة وتسعون. ) – البصائر والذخائر- ص 163-
يُعقّب التوحيدي فيقول:( ليت إبن عبّاس عرّفَنا وجه هذا القول, فإنه فُتيا مُجرّدة, واللفظ لايدل عليه, والعرف لايشهد له).


على وفق المدرسة الجاحظية, تسير الرواية التوحيدية؛ فهو يروي النادرة الجنسية, والنادرة السوقية المبتذلة, نقلاً عن آخرين, روايةً أو شعراً, جاعلاً النادرة محطة إستراحة, ولأن التوحيدي كتبَ مؤلفه في دكّان الورَّاق, ممتهناً النسخ, فالمصادر أمامه عبارة عن أنضاد من أوراق غير مُترابطة ولا مسلسلة, فهو ينقلها بحريَّة, منها مرويات عن فلاسفة اليونان, وكأنها تأليفات عربية, بلسان عربي فصيح..إلخ.
يؤكد التوحيدي على تلوين كتابه بهذه النوادر, وهي كثيرةٌ, وبعضها لايُستساغ نقلها؛ وسنكتفي ببعض النوادر المقولة عن مُتكلمين في المجالس والمنابر:
( قال جحظة: سمعت يعقوب بن فلان يقول: كنت أتفاءل كثيراً, ففتحت المصحف يوماً وقد وُلِّيِّتُ فخرجَ " تمتعوا داركم ثلاثة أيام."-هود- 65- فعُزلتُ بعد ثلاثة أيام.)- البصائر والذخائر- ص 246
ح- قال أبو العنبس: رأيت رجلاً يعرج فقلت له: مالكَ؟ فقال: غداً تُريد أن تدخل في رجلي شوكة.
– قرأ رجلٌ في مجلس سيفويه " وقال نسوةٌ في المدينة إمرأة العزيز تُراود فتاها عن نفسه قد شغفها حُبّاً." –يوسف – فقال سيفويه قد أخذنا بأحاديث القحاب.
– وقرأ قارئٌ في حلقة سيفويه " كأنهنَّ الياقوت والمرجان " – الرحمن 58- فقال سيفويه: هؤلاء بخلاف نسائكم.
– وقيل له: إن إشتهى أهل الجنَّة العصيدة كيف يعملون؟ قال: يبعث لهم أنهار دبس ودقيق ويُقال لهم: إعملوا عسيس, وهو شيء يعمله أهل البصرة.. وكلوا وإعذرونا فليس عندنا نار.
– قال إبن قريعة القاضي: وقف شاطر على قبر فقال: رحمك اللة أبا لاشيء, فقد كنتَ والله أحمر الإزار, حادّ السكّين, فاره الصديق, إن نقّبّتَ فجرذ, وإن تسلقتَ فسنورة, وإن إستلبتَ فحدأة, وإن ضربتَ فأرض, وإن شربتَ فحب, ولكنك اليوم قد وقعتَ في زاوية سوء.
– قال بعض أصحابنا البغداديين: سمعنا شيخاً من العامّة يقول لآخر: وإلك نهر جرى فيه الماء لابد من أن يعود إليه, قال الآخر: وإلك حتى يعود إليه ماتت ضفادعه.. يُضيف التوحيدي: حكيت لفظهم فهو الطريف فلا تَعِب اللحنَ فيه.
– قال المتوكل للجمّاز: ما عندك في النساء؟ قال: أقوِّد عليهنَّ.
– سمع إعرابي المغيرة بن شعبة يقول: مَن زنى تسع زنيات, وعملَ حسنةً واحدةً, مُحيَت عنه التسع, وكتبت له الحسنة, فقال الإعرابي: هلمّوا إذن نتجر في الزنا.) –البصائر والذخائر- ص242-246- 448-
وعن إبن الجوزي يقول: خطب واعظٌ على المنبر فقال: ألله, سبحانه وتعالى, نسفَ قريةً بكاملها على ناقة قيمتها خمسمائة دينار.
ومن نوادر أبي بكر بن دريد (جاءه سائلٌ فلم يكن عنده غير دُن نبيذ فوهبه له, فجاء غلام وأنكر عليه ذلك, فإحتجَّ بقوله تعالى " لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفقوا مما تُحبون."- زكي مبارك – موقع على النت. والمعلوم أن إبن دريد سار على نهج الجاحظ في توظيف النادرة والنكتة الطريفة, وأُخذ عليه تطعيم نثره باللفظ الغريب, وهو من أشهر علماء اللغة ونحوها, وصاحب الأحاديث المعرفة بإسمه, وقد ذكرناها في مقاٍل سابق.
يقول طه الحاجري في تعقيبه على أسلوب الجاحظ في عدم التحرّج من الألفاظ الهجينة في سردياته :( وهذا مذهب للجاحظ لعلّه أول مَن إصطنعه وإجترأ عليه في كتبه, دون أن يُبالي في ذلك لائمة المُتحرّجين, وتنطّس المتنطسين, فقد كانت تحمله عليه نزعته الأدبية القوية التي إتّخذت من حياة الشعب مادةً لها, تُصوّر ألوانها المختلفة.. والتي لم تكن تعبأ في سبيل دقّة التصوير وبلاغة التعبير بتلك القيود الشكليّة إذا كان فيها ما يمنع ذلك.)- طه الحاجري: شرح البخلاء- ص302-

بعد قرن من زمن الجاحظ يواصل بديع الزمان الهمذاني, نهج الجاحظ؛ سرد المُضحك المُبكي حدّ التطرّف والمبالغة, نزولاً إلى البذاءة اللفظية, الأمر الذي دفعَ شارح المقامات الهمذانية, الشيخ محمد عبدة إلى " ترك المقامة الشاميّة وإغفال بعض جُمل من المقامة الرصافيّة وكلمات من مقامةٍ أخرى." ويُبرر هذا الحذف فيقول ".. فقد جرت سنّة العلماء بالتهذيب والتمحيص والتنقيح والتلخيص."- محمد عبدة – مقامات الهمذاني –

أدخل الهمذاني أشعار إبن الحجّاج (2) في مقاماته ومنها الموصلية, وهي من صنف الشعر الساقط والبذيء. ويعترف الهمذاني بتأثره به, وعلى نفس النهج تأثر التوحيدي في حكاية أبي القاسم البغدادي بأشعار إبن الحجّاج. ونلاحظ هنا مدى تأثير الأدب المبتذل على سرديات القرن الرابع الهجري, لتطغي على علمين بارزين من طبقة الهمذاني والتوحيدي.
كان الفضاء الثقافي مُشبّعاً بروح الفكاهة والتندّر والترف الفكري, مع تزايد الطلب على كتب النوادر والجنس وقصص الغرام, ويقال أن نسخة ديوان إبن الحجّاج كانت تُباع بخمسين ديناراً في حياته.
===========
هوامش:
(1) معنى الكلمة مأخوذة عن الإبل إذا تزوّدت بالعشب ووردت الماء, تناولت بعض العشب للإحماض- تفسير الشريشي لمقامات الحريري.
(2)-(أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد الحجّاج النيلي.. ولادته قرابة 335- وفاته في 25جمادى الأولى سنة 391, ولقبه النيلي نسبةً إلى النيل بين الكوفة والبصرة – المصدر الويكيبيديا عن الأعلام العرب.).

*- فنان تشكيلي وكاتب



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع
- المقامة بين الهمذاني والحريري
- الواسطي السارد التشكيلي للمقامات
- لذَّة النَص في الهامش
- تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد
- آرتموفسكي.. المُعلم الإستثنائي
- تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف
- [حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]


المزيد.....




- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...
- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقاف ...
- السيسي يتابع مشروع حماية أضخم -إرث ثقافي- من نوعه في الشرق ا ...
- من “التحويشة” إلى الاستثمار.. عضو بـ”الشيوخ” يقترح استراتيجي ...
- الأردن: مهرجان عمان السينمائي يحتفي بالسينما التونسية في دور ...
- مهرجان الجاز الدولي في بطرسبورغ يسجل رقما قياسيا بـ210 آلاف ...
- المهتران العثمانية.. أقدم فرقة موسيقى عسكرية في العالم
- دمى بلا أطفال.. فعالية مؤثرة لتكريم ضحايا الحرب من أطفال دون ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي