أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل الشيخة - تاريخ النار عند البشر














المزيد.....

تاريخ النار عند البشر


خليل الشيخة
كاتب وقاص

(Kalil Chikha)


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


جدتي وحكايتها مع الزند والصوان
عندما كنت طفلًا، سمعت جدتي (رحمها الله) تتحدث عن أيام زمان، فقالت إن الأيام الخوالي كانت قاسية وصعبة. وأتت في حديثها على إشعال النار، فتحدثت عن أنها كانت تشعل النار بالزند والصوان، أو كان جدي هو الذي يشعلها؛ لأن ذلك كان يحتاج إلى جهد كبير. والزند هو قطعة من الفولاذ يصنعها الحداد على أشكال متعددة، أشهرها الشكل الهلالي أو على هيئة مقبض يسهل الإمساك به، وتُضرَب بحجر الصوان عدة مرات لإحداث شرارات دقيقة. أما المادة التي تستقبل الشرارة فكانت قطعة من القماش أو القطن المتفحم، وتُسمى في بعض البيئات **الجمرة** أو **المُستقبِل**. وكان لها أيضًا طريقة خاصة في صناعتها؛ إذ توضع قطعة القماش في علبة معدنية صغيرة وتُسخَّن على النار حتى تتفحم دون أن تحترق، ثم تُحفظ لاستعمالها عند الحاجة. والسبب في تفحيمها أنها تصبح شديدة القابلية لالتقاط الشرر والاشتعال. وبعد القدح بالزند والصوان، تتطاير شرارات معدنية دقيقة فتستقر على القماش المتفحم، ثم يبدأ الرجل أو المرأة بالنفخ حتى تتحول إلى جمرة متوهجة، ومنها تُشعل النار بالحطب أو القش. وكان هذا كله قبل أن يخترع البريطاني جون واكر أول أعواد الثقاب الاحتكاكية العملية عام 1826 أو 1827، ثم انتشرت في أنحاء العالم. ومن الطريف أن اختراعه جاء نتيجة ملاحظة عرضية أثناء تجاربه الكيميائية. وبعد ذلك ظهرت القداحات الحجرية، التي تعتمد على حجر صوان صغير ودولاب فولاذي خشن يحتك به فيولد الشرر أمام فتيل مشبع بالوقود، فتشتعل النار بسهولة. وقد كان لدى أبي واحدة من هذه القداحات، وما زلت أتذكرها جيدًا. وأظن أن استعمال أعواد الكبريت في القرى السورية ازداد خلال العقود الأولى من القرن العشرين، بعد أن كانت تُستورد من أوروبا في أواخر العهد العثماني، فسهَّلت على الناس إشعال النار واختصرت كثيرًا من الوقت والجهد. ثم انتشرت بعد ذلك قداحات الغاز في مختلف أنحاء العالم. والنار بحد ذاتها رافقت الإنسان منذ أكثر من مليون سنة، وكان لها دور أساسي في جميع مجالات حياته؛ فهي مصدر للدفء والطهي والإضاءة، كما استُخدمت قديمًا لإبعاد الحيوانات المفترسة عن المغارات التي سكنها الإنسان الأول. وأتذكر أنني شاهدت في الولايات المتحدة، خلال ثمانينيات القرن الماضي، فيلمًا بعنوان **«البحث عن النار»** (Quest for Fire)، وكان فيلمًا رائعًا يتناول حياة الإنسان القديم الذي كان يحصل على النار من الحرائق الطبيعية أو من الصواعق، ثم يحافظ عليها بإمدادها بالأخشاب حتى لا تنطفئ. وعندما انطفأت النار بسبب الأمطار، أرسلت العشيرة شابين للبحث عن نار جديدة. وتدور أحداث الفيلم حول حياة الإنسان البدائي وصراعه مع الوحوش ومع جماعات بشرية أخرى، إلا أن رسالته الأهم تتمثل في اكتشاف الإنسان في النهاية طريقة إشعال النار بنفسه، وهو التحول الذي غيّر مجرى الحضارة البشرية. وقد أُنتج الفيلم عام 1981، وهو مأخوذ عن رواية لكاتب فرنسي كتبها في مطلع القرن العشرين. وهناك أيضًا كتاب مهم حول أهمية النار في تاريخ البشرية بعنوان **«النار: تاريخ مختصر»** (Fire: A Brief History)، ألَّفه الباحث الأمريكي **ستيفن ج. باين** (Stephen J. Pyne). ويشرح الكتاب كيف غيَّرت النار حياة البشرية على سطح الأرض، وأهميتها في الحياة اليومية، وفي تاريخ الأديان، وفي تطور الحضارات، إضافة إلى دورها في الحياة الاجتماعية؛ فالأسرة كانت تجلس حول النار في ليالي الشتاء، تتسامر، وتحكي الجدات والعجائز لأحفادهن قصص الماضي وخبرات الحياة. وربما جاء تقديس النار من أهميتها الكبرى في حياة البشر الأوائل؛ فقد تحولت في نظرهم من مجرد ظاهرة طبيعية إلى رمز للحياة والقوة والنور. فالزرادشتية لا تعبد النار كما يظن بعض الناس، وإنما تعدها رمزًا للنور الإلهي والطهارة والحقيقة، ولذلك يحرص أتباعها على إبقائها متقدة في معابدهم. وترمز النار لديهم إلى حضور أهورا مازدا، إله الخير والنور، في صراعه مع أهريمان، رمز الشر والظلمة. ويقوم رجال الدين، الذين يُعرفون بالمجوس، بخدمة النار المقدسة، ويضع بعضهم قطعة قماش خاصة على الفم والأنف أثناء الطقوس حتى لا تتلوث النار بالنَّفَس. وبالمناسبة، فإن كلمة **«المجوس»** كانت في الأصل تشير إلى طبقة رجال الدين في الديانة الزرادشتية، ثم أصبحت في التراث العربي والإسلامي تُطلق على الزرادشتيين عمومًا. وكان رجال الدين هؤلاء يتوارثون وظائفهم الدينية جيلاً بعد جيل.مثل رجال الدين اليهود (اللاويين) الذين كانوا أيضاً يتوارثون هذه الوظيفة . ولم تقتصر قداسة النار على الزرادشتيين، بل عُرفت عند شعوب كثيرة؛ لما لها من أهمية في مختلف مجالات الحياة. فقد عدَّها الرومان عنصرًا مقدسًا، وربطوها بالإله فولكان، إله النار والحدادة، وكانت تؤدى لها طقوس دينية وتُقدم عندها القرابين، كما كان تدنيس النار يُعد فعلًا مشينًا في نظرهم. وأخيرًا أقول إن النار، منذ أن اكتشف الإنسان أهميتها قبل أكثر من مليون سنة، لم تفقد مكانتها في حياتنا. فهي رمز للدفء والطهي والإضاءة والصناعة، رغم أنها في حقيقتها ليست سوى تفاعل احتراق سريع بين الأكسجين والغازات القابلة للاشتعال التي تنتج عن تسخين المواد. ولدي ملحوظة علمية مهمة، وهي أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الخشب أو البنزين أو السوائل هي التي تشتعل مباشرة، بينما الحقيقة أن الذي يشتعل هو الغازات أو الأبخرة المتصاعدة منها بعد تسخينها، أما المادة الصلبة أو السائلة نفسها فهي لا تحترق إلا بعد أن تطلق تلك الغازات القابلة للاشتعال. ولدي أيضًا ملحوظة لغوية لطيفة، وهي أن النساء في بعض البيئات الشعبية يستخدمن التعبير: **«فلانة تطبخ وتنفخ»**. فالطبخ معروف، أما النفخ، فربما كان أصله يعود إلى الطريقة القديمة في إشعال النار بالزند والصوان؛ إذ كانت النار تحتاج إلى النفخ المستمر حتى تتوهج وتشتعل، قبل ظهور أعواد الثقاب والقداحات الحديثة.



#خليل_الشيخة (هاشتاغ)       Kalil_Chikha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران و تاريخ من الاضطراب والحروب (كامل)
- إيران: تاريخ من الاضطراب والحروب (3)
- إيران: تاريخ من الاضطراب والحروب (2)
- إيران: تاريخ من الاضطراب والحروب (1)
- سيكولوجية الانعزال: بارانويا الأقليات في المشهد السوري
- طبقات الأقليات في سورية
- الحراك في حمص عام 1973
- نقد قصة صطوف ولطوف
- تحليل الرمزية في القص عند خليل الشيخة
- هبّة الطليعة المقاتلة في حمص
- الحركة التصحيحية وسرايا الدفاع
- رياض الترك وحكاية الدكتاتور
- كتاب: الطوطم والتابو - كامل
- كتاب: الطوطم والتابو-3
- كتاب: الطوطم والتابو-2
- كتاب: الطوطم والتابو - 1
- كتاب: الجيش والسياسة - كامل
- كتاب الجيش والسياسة )2)
- كتاب: الجيش والسياسة (1)
- ماتفي كوجيمايكين


المزيد.....




- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى
- من اليمن إلى كابل.. معلمون عرب يدرّسون اللغة العربية من جذور ...
- مثقفون بلا حدود ..خريطة جديدة بالإذاعة الثقافية المصرية  
- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل الشيخة - تاريخ النار عند البشر