|
|
طبقات الأقليات في سورية
خليل الشيخة
كاتب وقاص
(Kalil Chikha)
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 18:18
المحور:
الادب والفن
سورية: طبقات الأقليات انفجرت مؤخراً مشكلة ما يسمى بالأقليات في سورية بعد أن هرب وريث حافظ الأسد إلى موسكو وترك كما يقول المثل السوري (الشقا على من بقى). قد ينخدع البعض بأن يقول لم تكن هناك في عهد آل الأسد هذه المشكلة، فما الذي استجد حتى تتحول هذه الأقليات أو بعضا منها إلى أدوات للتنغّيص وبذرة سهلة في يد الخارج، خاصة إسرائيل؟ رغم التطمينات المبالغ بها من ناحية العهد الجديد والتسابق في ارضائهم ووضعهم فوق حقوق المواطن السوري العادي. هل الأقيات طبقة واحدة كما يظهر لنا، ولماذا يتحالفون ضد الدولة مستغلين أي تحرك أو مطالب لكي يتباكون بالمظلومية التاريخية ويضعون أنفسهم في موقع الضحية؟ هذه كلها أسئلة منطقية، بعديداً عن لغة الشجب والتخوين، لأنني هنا لا أحاكم بل أعرض واقعاً مريراً تمر به سورية بعد انتصار على عائلة كبلت سوريا واستنزفت خيراتها لمدة 55 عاماً. كي نلمس تطراف الإجابة على كل التساؤلات المطروحة، علينا أن نفرّق بين طبقات الأقليات في سورية. وعندما نعرف طبيعة هذه الطبقات ونسبتهم للمكان والحالة الاقتصادية، سنعرف لماذا شكلت هذه الأقليات حجرعثرة في وجه أي تقدم للبلد نحو مستقبل أفضل للجميع. هنا نرى أن أكثر الأقليات حضوراً على المسرح السوري هم: العلويون (وكان يطلق عليهم الثصيريون سابقا قبل قدوم الإنتداب الفرنسي، وهذا الاسم نسبة إلى المؤسس الأول محمد بن نصير)، وهناك الدروز ( ويطلق عليهم أحيانا الموحدون الدروز)، وهناك الكرد ( ويطلق عليهم الأكراد نسبة للفعل العربي كرد)، وهناك المسيحيون (وكان يطلق عليهم أحياناً النصارى). هناك الكثير من الكتب عن الأقليات في الوطن العربي، لكن استوقفني كتاب رائع للمؤلف الأمريكي الفلسطيني (حنا بطاطو)، فقد الف كتاب عن الفلاحين في سورية وطبقاتهم ( فلاحو سورية ..) ومن يقرأ هذا الكتاب سيجد الكثير من الأجوبة التي تفسر كل هذا العداء للدولة ومؤسساتها. لقد قسم بطاطو طبقات الفلاحين السوريين إلى عدة طبقات. هناك فلاحو السهول مثل المزارعين في الغوطة أو في حمص ويطلق على هؤلاء مزارعين لأنهم أقرب إلى المدينة منهم إلى القرية اجتماعيا وثقافيا، وهناك فلاحو الجبال وهذا يضم كل من العلوييين والدروز وجزء كبير من الأكراد. ويتميز فلاحو السهول أو المزارعون بسهولة التعامل والمسالمة كونهم يعيشون في المدينة أو قريبون منها، فهم على تواصل مع السكان واقتربت حياتهم من حياة أهل المدن. أما فلاحو الجبال، فقد اتسمت طبائعهم بالقسوة نتيجة الحياة الصعبة التي يعيشون، وقد لجؤوا للجبال في الأصل بعيداً عن المدينة خوفاً على أنفسهم من المحيط حولهم وكونهم قد اختلفوا عقائديأ أو اثنياً عن مجمل السكان في سورية. ولو نظرنا إلى تاريخ أهل الجبال لوجدنا أن تاريخهم يبدأ بالصراعات في بلدهم الأم مع مكونات أخرى، فهربوا لائذين إلى أطراف سورية خوفاً من الملاحقة، ومع هذا التاريخ القلق، نشأ عندهم هذا التوحش في النظرة للآخر وحملوا في ذاكرتهم مفهوم المظلومية، كونهم عاشوا منعزلين بعيدين عن المدينة وتشابكاتها. فإذا نظرنا في مسألة المظلومية للأقليات، سنرى أن أكثر من تعرض للظلم في عهد الدولة العثمانية، هم المسيحيون، وغالبيتهم في سورية من سكان المدن أو قرى قريبة جداً من المدن أي هم فلاحو سهول وليس جبال. لكنهم لم يتوقفوا عند هذه المظلومية فلم يتباكوا على الماضي، بل انخرطوا في المجتمع السوري واندمجوا في النسيج الاجتماعي منذ القدم، وبالمناسبة، المسيحيون في سورية يمتد تاريخهم إلى الالاف السنين فقد انتقلوا سابقاً من العبادة الوثنية في الدولة الرومانية إلى المسيحية، ثم عندما أتى الإسلام اسلم أكثرهم وبقي القليل منهم على دينهم عبر الصور. بشكل عام عاش معظم سكان العالم العربي تحت سلطة الدولة العثمانية بحالة من السكون عندما كانت أوروبا تغير جلدها وتنتقل من دول منكفئة على ذاتها إلى دول مؤثرة. كل هذا التاريخ تشكل في المجتمعات العربية سواء الأكثرية أم الأقلية. النقاط التي لعبت في تكوين شخصية الأقليات في سوريا (واعني هنا الأقليات المنعزلة) هي القوقعة على الذات، والخوف من الآخر، وهذا الخوف ولد القلق ومن هذا القلق نتجت الكراهية وهذه الكراهية ورفض الآخرلاتراهما إلا عندما ينهار حكم الدولة المركزية وتتشكل الحقائق التي كانت قبل ذلك غير بائنة أو متخفية تحت شعارات زائفة. هناك الأقلية الإسماعلية، وهي تسكن في غالبيتها في مدينة سلمية وسهل الغاب. وهي أقلية سهول، ولذلك اندمجت في المجتمع السوري مثل المسحيين ولم تسمع أي تظاهر مها أو اعتراض على الحكم الجديد. أما ألأكراد أو الكرد، فهم يقّسمون إلى فئتين، الفئة الأولى وهم سكان المدن الكبرى مثل حلب ودمشق وحماة، وهولاء أو الكثير منهم أتى مع الأيوبيين كمحاربين ومن ثم استوطنوا في المدن واندمجوا حتى نسي معظمهم لغتهم الأم واستعربوا، ومن هؤلاء ملك حماة (أبو الفداء) وهو من الأيوبيين وكان مؤرخ وفيلسوف، ومنهم أول ضابط قام بالانقلاب على الشرعية عام 1949 وحكم بضعة أشهر وهو حسني الوعيم ثم قام ضابط آخر ذو أصول كردية بالانقلاب عليه وهو فوزي سلو ولم يمكث إلا بضعة أشهر أيضاً. ثم منهم أول رئيس لسوريا وهو العابد أيام الانتداب الفرنسي. وهناك مئات وألالف العائلات الكردية في سورية من الذين ساهموا ثقافيا وفنيا. أما الفئة الأخرى التي تسكن على أطراف سورية أو الحدود، فهم في الغالبية أتوا بعد المجازر التي قام بها نظام اتاتورك خاصة عندما قام الشيخ سعيد بيران بانتفاضة شعبية ضد التغيرات التي احدثتها تركيا الفتاة بقيادة مصطفى اتاتورك. واتاتورك هذا يعتبر البطل القومي التركي كونه حرر تركيا من الحلفاء وأسس لما نراه اليوم بتركيا الحديثة. لكن حملت هذه التغيرات كم هائل من الشوفينية القومية مما اثار غضب العرب في مسألة التتريك ثم الأكراد. وبعد قيام الشيخ بيران بانتفاضة فاشلة، تهجر الالاف من الأكراد باتجاه العراق وسورية، خاصة القامشلي والمالكية وعامودا وعفرين وعين العرب. ويجب أن لا نغفل عن أن القضية الكردية كانت ورقة مساومة بيد الإستعمار الفرنسي والبريطاني سابقاً. فقد ارغموا تركيا بعد الانتصار في الحرب العالمية الأولى على التوقيع على معاهدة سيفر والتي تمنح الأكراد حكم ذاتي وتكفل جميع حقوقهم القومية والثقافية في تركيا وإدارة مناطقهم. لكن ارتطم هذا الحلم بمعاهدة لوزان التي انتصر اتاتورك فيها على الحلفاء وحرر تركيا، فاقام الحلفاء معاهذة جديدة هي كما قلنا لوزان حيث اغفلت كلياً ما كان واردأ عن حقوق الأكراد واعتبرهم اتاتورك أتراك الجبال ومنع عنهم حتى التكلم بلغتهم. وقفة تاريخية أخرى، كانت في إيران عندما دخل الاتحاد السوفيتي وبريطاني ايران فاستغل احد زعماء مهاباد قاضي محمد، وساعده مصطفى البرازاني واعلنوا جمهورية مهاباد بمساعدة السوفيت، لكن اخمد مشروع الدولة مرة أخرى، عندما انسحب السوفيت بعد اشهر بتوافق مع بريطانيا، فدخلت جحافل الجيوش الايرانية وسيطرت على مهاباد وشنقت قاضي محمد في نفس البقعة التي اعلن فيها الدولة الكردية. لكن البرزاني حاول مرة أخرى في العراق وفشل، حتى أتت جيوش الولايات المتحدة صانعة حظر للطيران في الشمال، فأعلن مسعود البرزاني حكم ذاتي وظل هذا الكيان مستمر حتى اليوم. السبب في هذه البدايات هو ظهور الدولة الوطنية أو القومية التي أتت بعد أن تجازوتها أوروبا، ولذلك ولدت ولادة متعثرة وسببت أزمات في المجتمعات الشرقية. خاصة في سورية والعراق وتركيا، فقد كانت الدولة في سورية هشة ولم تستطع تثبيت مؤسساتها إما بسبب الثقافة المتواردة أو بسبب الإستعمار الفرنسي الذي كرس جهده على فشل أي مشروع وطني، وفي العراق عندما حاول البريطانيون نشر الديمقراطية، اصدر بعض رجال الدين الشيعة فتوى بتحريم الانتخابات ومن ينخرط فيها هو خارج عن الملة والدين. اما في سورية، تاسس البرلمان السوري وجرت انتخابات على زمن النتداب الفرنسي ومابعده حتى أتى حزب البعث وألغى الحياة السياسية كلياً. أما ألأقلية الأقلية الأخرى التي نسبها بطاطو للجبال فهم الدروز، فقد بدأ تدفقهم في بداية القرن الثتمن عشر بعد صراعات داخلية على السلطة، وانتصر فيها الدروز المتواجدون في لبنان الآن وتهجر الباقي إلى أطراف السويداء أو جبل العرب بسسب ولعهم بسكن الجبال خوفاً وحماية من المجتمع حولهم. سبب آخر، ساهم في إشعال الأزمات هو أن الاحتلال العثماني أهتم بتحصيل الضرائب بغض النظر عن تنمية المناطق أو ادارتها على الوجهة الصحيحة، لأن الولاة ارسلوا من الأستانة على المدن الكبيرة والواسعة، أما مناطق الأقليات خاصة الجلية الوعرة، فقد اعطوهم حكم ذاتي أو إدارة ذاتية مع الموافقة على أرسال الضرائب إلى الأستانة. وعندما شهدت هذه المناطق تمرداً مثل جبل لبنان أيام فخر الدين المعني، عالجته السلطة بالقوة وقضت عليه. وعندما نالت سوريا الإستقلال عن فرنسا، حاولت الدولة الناشئة إدارة البلد بسلطة مركزية وصناعة مؤسسات مركزية، فاعتراضت، بعض الأقليات التي كانت تعيش من قبل ادارة ذاتية مثل الدروز، على قرارات اشكري القوتلي، فنشب خلاف كاد أن يطيح بالدولة الناشئة.
ختاماً لما سبق ذكره، فكي نفهم مايجري اليوم في سورية من تمردات على السلطة، يجب أن نفهم طبيعة الأقليات التي تثور وتسبب هذا الصراع، فإن كانت أقلية سهول وغير متحصنة في مجموعات خالصة أو أماكن وعرة، فهي أقلية مسالمة سهلة التعامل والاندماج في البلد، أما الثانية فقد عاشت العزلة والقلق وساهم قادتهم السياسيون بتكرار وتثبيت المظلومية في ذهنهم حتى جعلت من الصعب عليهم الإندماج في الوطن أو المساهمة كمواطنين في بناء البلد. أخيراً أتمنى الخير والسلامة لسورية ولجميع مواطنيها، كما أرجو من الجميع تغليب الوعي والعقل على التهم الجاهزة أوالسلبية في تناول الأمور.
#خليل_الشيخة (هاشتاغ)
Kalil_Chikha#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحراك في حمص عام 1973
-
نقد قصة صطوف ولطوف
-
تحليل الرمزية في القص عند خليل الشيخة
-
هبّة الطليعة المقاتلة في حمص
-
الحركة التصحيحية وسرايا الدفاع
-
رياض الترك وحكاية الدكتاتور
-
كتاب: الطوطم والتابو - كامل
-
كتاب: الطوطم والتابو-3
-
كتاب: الطوطم والتابو-2
-
كتاب: الطوطم والتابو - 1
-
كتاب: الجيش والسياسة - كامل
-
كتاب الجيش والسياسة )2)
-
كتاب: الجيش والسياسة (1)
-
ماتفي كوجيمايكين
-
حركات العامة الدمشقية كاملا
-
حركة العامة الدمشقية (4)
-
كتاب: حركات العامة الدمشقية (3)
-
كتاب: حركة العامة الدمشقية (2)
-
كتاب: حركة العامة الدمشقية (1)
-
كتاب: جيل الهزيمة – الوحدة والانفصال كاملاً
المزيد.....
-
اغتيال الثقافة في الرّقة؟
-
التطور لغةً ونقداً: سيمياء الحركة
-
حين تُدار الثقافة على مقاعد الصداقة
-
افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب وسوريون للجزيرة مباشر: لا رقا
...
-
تأجيل موعد الانتهاء من وضع اختبارات اللغة للحصول على الجنسية
...
-
خريف الكتاب بمعرض القاهرة.. أي طريق لإنقاذ القراءة في مصر؟
-
مؤثرو منصات التواصل يشعلون صداما جديدا بين نقابة الممثلين وص
...
-
في معرض استثنائي بمراكش.. إيف سان لوران يخرج من عالم الموضة
...
-
ولهذا مات الشاعر!... إلى صديقي عبد الناصر صالح
-
مهرجان فجر في دورته 44 يشهد حالة من التوهج للسينما الإيرانية
...
المزيد.....
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|