أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - التعايش السلمي... الركيزة الاستراتيجية للأمن المجتمعي وبناء اسس العدالة















المزيد.....

التعايش السلمي... الركيزة الاستراتيجية للأمن المجتمعي وبناء اسس العدالة


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:28
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


ثقافة الاعتدال في مواجهة التطرف وصناعة السلام المستدام
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشهد العالم في العقود الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في النزاعات المسلحة، والتوترات الطائفية، وخطابات الكراهية، وصعود الحركات المتطرفة التي تستثمر الدين أو القومية أو الهوية لتحقيق أهداف سياسية. وفي المقابل، برز التعايش السلمي بوصفه أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة، ولم يعد مجرد قيمة أخلاقية أو شعار إنساني، بل أصبح خياراً استراتيجياً لبقاء الدول وتماسك المجتمعات.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول لا تنهار بسبب تنوعها الديني أو العرقي أو الثقافي، وإنما تنهار عندما تعجز عن إدارة هذا التنوع في إطار دولة القانون والمواطنة المتساوية. فالتعددية ليست مصدر تهديد، بل تتحول إلى مصدر قوة عندما تؤسس على العدالة، واحترام الكرامة الإنسانية، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون.

التعايش السلمي... فلسفة لبناء أسس العدالة
يقوم مفهوم التعايش السلمي على الاعتراف بأن الاختلاف سنة كونية وحقيقة إنسانية لا يمكن إلغاؤها أو تجاوزها بالقوة. فقد خلق الله البشر مختلفين في أعراقهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وجعل هذا التنوع مدخلاً للتعارف والتكامل، لا للصدام والإقصاء. ومن ثم فإن إدارة الاختلاف تمثل جوهر بناء الدولة الحديثة، حيث تتحول المواطنة إلى الإطار الجامع الذي يكفل الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، فإن التعايش لا يعني التنازل عن الهوية أو المعتقد، ولا يفرض ذوبان الخصوصيات الثقافية والدينية، بل يؤسس لعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، والالتزام بقواعد العدالة والمساواة.

الأمن المجتمعي يبدأ من العدالة
التجارب التاريخية تؤكد أن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى على الثقة بين الدولة والمجتمع، وعلى قناعة المواطنين بأن القانون يحمي الجميع دون تمييز. وعندما يشعر الفرد أن حقوقه مصونة، وأن القضاء مستقل، وأن الفرص متكافئة، تتراجع أسباب الاحتقان، وتتقلص فرص التطرف والعنف.
ومن هنا، فإن العدالة ليست مجرد قيمة قانونية، وإنما هي شرط أساسي للاستقرار السياسي والاجتماعي، وأحد أهم عناصر الأمن القومي.

التطرف... تهديد للدولة قبل المجتمع
لا يقتصر خطر التطرف على الجانب الأمني، بل يمتد ليهدد أسس الدولة ومؤسساتها. فالفكر المتطرف، أياً كانت مرجعيته الدينية أو الأيديولوجية أو القومية، يقوم على احتكار الحقيقة، ورفض التعددية، وإقصاء المخالف، وتحويل الاختلاف إلى صراع وجودي.
ولا تنشأ هذه الظاهرة من النصوص الدينية ذاتها، وإنما من القراءات الانتقائية والمنغلقة التي تنتزع النصوص من سياقاتها التاريخية والإنسانية، وتوظفها لتبرير العنف أو التمييز أو التحريض. وقد أثبتت التجارب أن كل أشكال التطرف، سواء استندت إلى الدين أو القومية أو العرق أو الأيديولوجيا، تنتهي إلى النتيجة نفسها: تفكيك المجتمع، وإضعاف الدولة، وإنتاج دوائر متجددة من العنف.
ثقافة الاعتدال... استراتيجية وقائية
إن مواجهة التطرف لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ ببناء الإنسان. فالتعليم، والثقافة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، جميعها تشكل منظومة متكاملة لحماية المجتمع من الفكر المتشدد.
ويتطلب ذلك ترسيخ خطاب ديني وفكري يقوم على الوسطية، واحترام التنوع، ونبذ التكفير والتحريض، إلى جانب تطوير المناهج التعليمية بما يعزز التفكير النقدي، ويغرس قيم المواطنة والحوار والتسامح.
كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية وطنية في مواجهة خطاب الكراهية، وعدم تحويل الخلافات السياسية أو الدينية إلى صراعات هوياتية تهدد وحدة المجتمع.

دولة القانون ضمانة للتعايش
لا يمكن لأي مشروع للتعايش أن ينجح في غياب دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على تطبيق القانون بعدالة على الجميع. فسيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق، ومنع التمييز، وتجريم التحريض على الكراهية والعنف، وصيانة الحريات العامة.
والدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على فرض النظام فقط، بل بقدرتها على توفير العدالة، وضمان المساواة، وإدارة التنوع وفق قواعد دستورية واضحة، تجعل المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة.

من إدارة الاختلاف إلى بناء الشراكة
إن المجتمعات المتعددة لا تحتاج إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى إدارته بصورة حضارية. فالاختلاف الفكري أو الديني أو الثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للخصومة أو الإقصاء، وإنما إلى فرصة للحوار والإبداع والتكامل.
ومن هنا، فإن بناء الشراكة الوطنية يتطلب تعزيز ثقافة التعارف، وتوسيع مساحات التعاون، وربط مكونات المجتمع بمصالح مشتركة، بما يعزز الانتماء الوطني ويحد من الانقسامات.

رؤية استراتيجية لتعزيز ثقافة السلام
إن بناء مجتمع متماسك وآمن يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تقوم على المحاور الآتية:-
ترسيخ المواطنة المتساوية باعتبارها أساس الحقوق والواجبات. وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون ومكافحة جميع أشكال التمييز. والعمل على تطوير التعليم لترسيخ قيم الحوار والاعتدال والتفكير النقدي. وتمكين المؤسسات الدينية والثقافية من نشر خطاب الوسطية والتسامح. وتجريم التحريض على الكراهية والعنف وفق معايير حقوق الإنسان. وهذا يتطلب تعزيز دور الإعلام في نشر ثقافة السلام ومواجهة الأخبار المضللة وخطابات التطرف. وتوسيع المشاركة المجتمعية والشبابية في مبادرات الحوار والتماسك الاجتماعي. ودعم دعم التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية باعتبارهما ركيزتين للاستقرار ومنع التطرف.
ونختم بالقول ؟؟ إن التعايش السلمي ليس خياراً مثالياً، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المجتمعات المعاصرة. فكلما تعززت العدالة، وسيادة القانون، وثقافة الاعتدال، تراجعت أسباب الصراع، وازدادت قدرة الدولة على حماية أمنها واستقرارها.
وفي المقابل، فإن التطرف، مهما اختلفت شعاراته أو مبرراته، يبقى تهديداً مباشراً للدولة والمجتمع، لأنه يقوض الثقة، ويعمق الانقسامات، ويغذي دوائر العنف.
إن مستقبل الأوطان لن يُبنى بالإقصاء أو التعصب، وإنما ببناء دولة المواطنة والقانون، وترسيخ ثقافة السلام، واحترام التنوع، وإدارة الاختلاف بالحوار والعدالة. فهذه هي الأسس التي تصنع مجتمعات مستقرة، ودولاً قوية، وتنمية مستدامة، وسلاماً حقيقياً للأجيال القادمة.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغوغائية السياسية والإعلام المضلل: حين تتحول صناعة الوعي إل ...
- معايير اختيار أعضاء المجلس التشريعي... مدخل لإعادة بناء النظ ...
- الاقتصاد الفلسطيني بين مطرقة الاحتلال وسندان الأزمات الداخلي ...
- ليس كل من يترشح يصلح لعضوية المجلس التشريعي
- من يحمي الفلسطينيين من عنف المستوطنين؟
- بين مقتضيات الإصلاح وأزمة الحوكمة... هل آن الأوان لمراجعة شا ...
- هل يُنقذ تشرذم الأحزاب العربية نتنياهو؟
- حين يتحول الوقود إلى مرآة للأزمة الوطنية
- المجلس الثوري لحركة فتح أمام استحقاق المراجعة الوطنية وإعادة ...
- اللجنة الوطنية لإدارة غزة في بروكسل: بين متطلبات التعافي واس ...
- هل يملك عمدة نيويورك سلطة اعتقال نتنياهو؟ بين مقتضيات القانو ...
- بين ضجيج الادعاء وصمت الإنجاز... الوطن لا يبنيه إلا العطاء ا ...
- اختيار مرشحي حركة فتح للمجلس التشريعي... بين استحقاق الإصلاح ...
- من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإع ...
- معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاج ...
- برنامج الأغذية العالمي... شريك إنساني في مواجهة الأزمة وتوسي ...
- مضيق هرمز... حين تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي
- سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافي ...
- الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقل ...
- عندما يغلق -النجمة- أبوابه... فمن التالي؟


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-حرائق هائلة في منشآت نفطية سعودية-.. ما حقيق ...
- -سيدي بوسعيد- التونسية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو
- الوجه الآخر لحقن إنقاص الوزن.. شعرك في خطر!
- -بيلد-: منفذ حادثة الدهس ببرلين من أصول لبنانية ومناصر لـ-دا ...
- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة مسيرة مسلحة من طراز -بيرقدار أكي ...
- نتنياهو يتوجه إلى واشنطن للقاء ترامب ويعلن الاستعداد لتوسيع ...
- الجيش الروسي يحرر بلدة أخرى في دونيتسك (فيديو)
- الجيش اللبناني يداهم بلدة شرق بعلبك لملاحقة متورطين بإطلاق ن ...
- الجيش اللبناني يتهم إسرائيل بإعاقة انتشار وحداته جنوب لبنان ...
- قائد البحرية الروسية يعلن رسميا انضمام أول غواصة حاملة لمسير ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - التعايش السلمي... الركيزة الاستراتيجية للأمن المجتمعي وبناء اسس العدالة