|
|
مرثية روح 5
مارينا سوريال
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 11:43
المحور:
الادب والفن
اعتادت يده الدماء. كان الأمر مخيفًا للوهلة الأولى، للمرة الأولى فقط. بعدها لم يعد الأمر مخيفًا، بل معتادًا... حدّ الملل.
صار يهابه الجميع. العفو والمغفرة والرحمة... أصبحت بيده. كان يراقب يديه، تبدوان الآن عملاقتين.
صوت صراخ العجوز تحت الضربات يعلو، وصوت صراخ امرأة جاثمة بجواره يمتد بعيدًا.
كانت الصغيرة تراقب كل شيء بخوف. قدماها تتحركان ببطء نحو العجوز، لكن الخوف يشلّها. شهقت حين توقّف الصراخ، وخرّ الجسد هامدًا أمامها، بينما هو لا يزال يحدّق في يديه الضخمتين. كان صوت الأم يرتفع بدندنة حزينة من بعيد اعتاد سماع ذلك الصوت كانت تجد في المطبخ عالمها
كان صوتها يشبه توديع حبيب ترنيمتها الحزينة كانت تخيفه تخيفه أكثر من أي شيء آخر
في ذلك المكان حيث الإضاءة خافتة غرفة بلا نوافذ الأقوى يحصل فيها على فرصة للنوم المريح
بينما تعلقت روحه في ذلك الوقت بشق في جدار الحائط مكسو بورق الجرائد كان يدّعي في الماضي نافذة
كانت روحه معلقة ما بين السماوات والأرض بكلمة: يدان وأخرى: يبرر
فكر: أكان ينتمي للنور أم للظلام؟ وبأي ذنب أسال الدماء؟
تمر الوجوه من حوله يتنهد حيث قاربه يسير في بطء كان الكون من حوله مدارًا كبيرًا بلا بداية ولا نهاية
سمع صوت بكاء قادم من بعيد كان من قارب يقترب في هدوء ليسبق قاربه
كانت امرأة في منتصف العمر تبدو ذات ملامح هادئة وكأنها لم تعرف الشر قط لم تعرف الذنب أبدًا
لمحته تلاقت أعينهما للحظة كان ينظر إليها بحيرة وكانت تراقبه بحسرة بينما يبتلع الظلام قاربها رويدًا رويدًا ثم يتلاشى شروق شمسٍ بعد ليالٍ طويلة من المطر حجبت السماء. مرت ليلتان دون طلوع الشمس، كانت الأرض تغوص في المياه، والأجساد منهكة.
وسط كل هذا كان يقفز من مكان لآخر بصندوق أشيائه، بين الوجوه المتعبة التي تزفر في حزن، يحاول أن يبيع ما يمكن بيعه.
في ذلك اليوم لم يستطع أن يجلب الكثير من المال. كان ينظر دومًا إلى السماء، وفكر: ماذا لو لم تعد الشمس من جديد؟
كان خائفًا من غيابها، وكان يراقب الوجوه دون أن يسأل. لم يبدُ أن أحدًا منهم مكترث؛ أكانوا واثقين من خروج الشمس من جديد؟ أم كانوا يعلمون أنها لن تعود؟
في طريق العودة حصل على بعض ثمار الفاكهة الطازجة، لم يره صاحبها، أو ربما رآه ولم يكترث. كان يعلم أن المتبقي هناك قليل، كان يعلم، ولكنه أراد فقط — لو لمرة — أن يتذكّروه كان صوت سيول الأمطار يغمر كل شيء من حوله. لم يستطع أن يتوقف، رغم أن جسده بأكمله قد امتلأ بالماء.
كانت هناك قطة تحاول الخروج من بين قضبان المصرف، كانت تبكي، تصرخ طلبًا للمساعدة. كان بينه وبينها خطوتان، وفي كل الأحوال قد غرق بالماء، وسوف يتعرض لغضب أمه على ثوبٍ وحيدٍ مليءٍ بالرقعات.
نظر إليها لثوانٍ، ومد يده كأنه ينتشلها من بين القضبان الحديدية. كانت أيضًا تحاول الإفلات. أمسكها من بين يديه بقوة، فسكنت هادئة، وكانت تراقبه في ضعف، والإمطار تغرق كلاهما. حين خفّض يده وتركها ترحل بين القضبان الحديدية، فتحت عيناها في رعب دون صراخ. كان كل شيء حوله صامتًا عدا صوت الأمطار.
قصدك من كل باب فافتح لي السُّبل— قصدك وأنا أنزف، الجروح… الجرح تلو الآخر. بابك الذي أبكى قلبي واغرقني، وما من مجيب. لم يشعر بالخوف، بل بلى.. شعر بالخوف، لكنه استمر يسير مثلما يفعل، مثلما توقع. لم ينتظروا، كانوا كُثراً، ولم يتبقَّ له سوى الثمرات المسروقة، والحيّز الضيق، وصوت الغضب المكتوم. لسنواتٍ لاحقة، سوف يتذكر نظرات الرحيل في عينيها الصغيرة. يا قدير، هبْ لي ذلك القدر من الغفران. انظر، انظر من حولي — الكل لا يستحق... أو يستحق، أيها القدير؟ لماذا تستثني بائع الكلمات وتغدق عليه العطاء، فأنت في رحمتك الواسعة ونحن في ضيق المدى نعيش؟
انظر: لم يتركوا لي شيئًا، حتى القطة جعلوها ترحل بين القضبان الحديدية. أو لم يتركوا لي البعض. أما كان من الممكن أن أتركها أنا أيضًا؟
أيها القدير، توقف، استمع، ارحم — قاربي يغرق.
عمَّ الظلام. الصراخ من جديد. تلك المرة لم يعرف أي قارب نجا. أغمض عينيه؛ انتظر أن يسقط مثلهم، لكنه لم يفعل. سكن القارب ما بين الضوء والظلام، كأنه التصق بضوء القمر.
فتح عينيه على غضب الأم. كان وجهها يلاصق وجهه. راقبته لثوانٍ. أدركت من جديد أنه لم يكسب المال. تمتمت: "فأل نحس." وغادرت، وأغلقت الباب من خلفها.
لم أخطئ… لم أخطئ. لكن… لقد أخطأت. كنت هناك، تتاخد قرارك.
انحنى جسده في رعب، كان ميزانه يهبط. في ذلك المجلس المهيب توقّف كل شيء. تمنى للحظات أن يرى ضوء الشمس من جديد.
كان يسمع… كأنه صوت قلم يدون دون كلمات. تمنى أن يتوقف عن تدوين المزيد، لكنها كانت تزداد طولًا. شعر بالخوف.
تذكر المرة الأولى التي عرف فيها الخوف، عندما قابل وجه الشرير للمرة الأولى واتخذه له صديقًا. وفي المرة الثانية… أين اختفى الآن؟
أتحول إلى ريشة؟ أم كان القلم؟ أم كانت الكلمات؟
وقف أمام العجوز: – "لِمَ لم تنقذني؟"
كان بجسده النحيل… لم يكن ذلك الضخم ذو اليد القاسية، ولا الجبار المخيف.
راقبه العجوز في رثاء… في خوف. تحلق الصغار من حوله، اختفت الوجوه، توقفت القوارب، سكن كل شيء في الكون.
حاول العجوز الهروب، لكن جسده لم يتحرك. كتفاه الضخمتان انخفضتا، صار هزيلاً، ضعيفًا، قصير النظر.
بينما كانت نظرات الصغير حادة، قاسية، ترفض الحركة. ظلالٌ سوداء تمرّ من كل جانب بلا هوادة، في طريقها إلى وجودٍ آخر. كان ساكنًا ينتظر قدره. في الماضي، كان يظنّ أن قدره له وحده، أما الآن، فيجلس مسلوب الإرادة. دقّت الساعة الحادية عشرة صباحًا. كان المكتب نظيفًا، كل شيء في موضعه الصحيح، المظهرية تحمل رائحة الورود التي يفضّلها. النافذة هادئة، متناغمة مع الديكورات الكلاسيكية القديمة. قديمة بالفعل، بل كل شيء من حوله يحمل رائحة القِدم. طابورٌ طويل بالخارج. البعض متعب، والآخر متحفّز. انتهز القليل منهم طول الانتظار واختار أن يُريح نبضات قلبه التي تخفق بشدة. لابدّ له أن يُخفيها — ممنوع الشعور هنا. رائحة الدخان تتصاعد، تمتزج برائحة البنّ المطحون. هناك صوتُ لهاثٍ يأتي من بعيد. المتأخرون دوماً يأتون متأخرين، لكنهم — بطريقةٍ ما — يلحقون الركب. إذ لا شيء يسير هنا بالسرعة الكافية. في آخر الطابور، يقف بعيدًا ينتظر دوره، على بُعد خطوتين من الآخرين. هو دومًا يفعل ذلك. خارج القائمة، خارج الدعوة، فلم يأتِ بخطابٍ مسبق، ولا كلمة. كان يحمل أوراقًا مبعثرة، يراقب الجميع من حوله. وعندما غادروا — ولم يُعره أحد اهتمامًا — لم يفكّر إلا في الصغيرة. لا تزال تحب رؤية الطائرات الورقية وهي ترتفع، بل لم تكتفِ بذلك، فقد أقنعتهم أيضًا بضرورة بناء منزلٍ خاصٍّ لأجل حمامها الصغير. كان الحمامُ — مثلها — يحب مصاحبة الطائرات الورقية عندما تهبّ الرياح. تلك كانت لحظات الصفاء القليلة، قبل أن يهبط الليل من جديد. الليل... كلّ شيءٍ يدفعه إلى هناك، نحو الأسفل. في عالم الأسفل، كان هناك آخر — لا يحمل اسمًا أو عنوانًا. وكان القدر قد اختار ألا يكون له اسم. يعرف الدروب القديمة القذرة، التي لم يعد أحد يعرف لها وجودًا. وفي تقاطعٍ مظلم، عرف له نِدًّا — قويًّا، شديد البأس، لا يخشى ما يراه أو ما لا يُرى. كان كأنه الملعون بذاته، متعدّد الألوان والوجوه، لا يحب الفرار. كان ذلك في يومٍ ممطر، حين غضبت الأم ولفظته، حين فشل في المهمة التي أُحضر إلى هذا العالم لأجلها. لكنها قررت فقط أنه فشل في تأديتها، فأرسلته نحو الأسفل. دائمًا ما عرف حركة الموج من أسفله، كانت تصحبه نحو المجهول. هناك، راقب متعدّد الأوجه والألوان، حيث لا يُرحم أحد ولا يُغفر لشيء. في البداية، كان يخشاه، لكن لا، لا يمكن لأحدٍ من الآخرين أن يلاحظ الخوف في عالم الظلام ذلك مهما امتلكت يداه من دماء. في ليلةٍ اختفى فيها القمر، وعمَّ الظلام، وقفت الوجوه تراقب المعركة الدائرة بينهم. كان الفائز سيُعلِن نفسه ملكًا للظلام. أما هو، بعد أن نبذه عالم الأعلى، فقد كان يعلم أن عليه أن ينتصر في الأسفل. كان كل شيءٍ يحجب عقله وقلبه، إلا صوت الصغيرة: "لماذا الشرير شريرًا؟ ماذا يعني الشر أصلًا؟ هل يمكننا أن نصنع صُلحًا معه؟ ربما هو فقط غاضب. هل جرَّبت أن تُعطيه الحلوى؟ ربما نَهَرَته أمه مثلما تفعل أمي معي. لو أعطيناه قطعةً واحدةً، لربما صار واحدًا منا، ربما صديقًا يستمع لنصائحنا..." كان صوت تكسير العظام يعلو فوق كل شيء الآن، ولا أحد من الوجوه الخبيثة أو الخائفة يعلم مَن منهما الفائز الحقيقي.
#مارينا_سوريال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مرثية روح3
-
مرثية روح 4
-
مرثية روح
-
مرثية روح2
-
لكن ما بال السماء لا تمطر
-
لكنها أمطار مُحمَّلة بالأتربة
-
رأس عام جديد
-
مدفع الإفطار
-
أوراق تطير مع الرياح
-
من يوميات تائه في شقته
-
زقزقة العصافير
-
ماذا عن الغد ..امل
-
لست انا٥
-
لست انا٤
-
لست انا3
-
لست أنا1
-
لست أنا2
-
وثيقة عن حياتي..امل
-
اوليفيا انهضى..مارجو
-
ابنتك ياايزيس٥٥
المزيد.....
-
-مصر الروسية-.. معرض في موسكو يستكشف حضور الثقافة الروسية في
...
-
مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
-
أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون
...
-
شركة الكهرباء في جزيرة كيش: عودة التيار الكهربائي إلى المناط
...
-
محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات
...
-
يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع
...
-
افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف
...
-
خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ
...
-
موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات
...
-
من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ
...
المزيد.....
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|