|
|
مرثية روح 4
مارينا سوريال
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 09:24
المحور:
الادب والفن
في عالم آخر، كانت قد أخبرته أن الليل سيئ، لكنه لم يستمع. كان يبحث عن الأقوى فلم يجد، ولم يعد يعنيه إن وجد. صوت صراخ الخائفين من اقترابه كان يثير نشوته… كان الأمر مخيفًا في البداية، لكن مع مرور الوقت أصبح مثيرًا للغاية.
أبواق السيارات المسرعة تمر بلا هوادة، لم يتوقف أحد لصوت الضعيف: "أرجوك… ارحمني." بعضهم يسرع في خوف أو عدم اكتراث، بينما هو توقف لثوانٍ ليفكر. شهقة خانقة… ثم رحيل. ولا تزال السيارات تمضي، تطلق أبواقها وكأن ما يعيقها مجرد إشارات مرور.
عاد الضوء. شروق الشمس. استقر قاربه. ومن بعيد، ظهرت إشارات قوارب قادمة، وأخرى راحلة في اتجاهات مختلفة. واختفى صوت الصراخ. صوتُ دعاءٍ ارتفع من بعيد في خشوع، فرجف جسده. كان صوتًا يشبه الهمس، دندنات تذكّره بلحظات خروج الأنفاس الأخيرة. كان يراقبها كصديق، كرفيق اللحظات الأخيرة... طريق طويل، صندوق خشبي، مربع صغير، جثمان يهوي.
رأى النجوم للمرة الأولى من قاربه، وكأنّه يطوف فوق سطح القمر في رحلة العبور العظيمة. رأى قوارب تطوف من بعيد، أرواحًا منهكة مستسلمة تنتظر. ماذا تنتظر؟ لا أحد يتحدّث.
ماذا تنتظر؟ أهو عالم جديد، موت جديد، ألم، أم صمت؟ خوف، أم راحة؟ أيعقل أن يشعر بالألم الذي لم يشعر به عندما كان يمتلك دماء؟
من بعيد رأى القوارب الخشبية، ورأى النجوم الصغيرة تخرج من بينها وترتفع نحو الأعلى. كان القمر هو من أسرها، فأصبحت تحوم من حوله في أسراب.
تمنّى لو يرى الصغيرة، لو يعرف مصيرها المجهول، هو الذي علّمها كل شيء كان صوت أمه يناديه من بعيد، صوتًا قلقًا حزينًا.. أكان صداها بين النجوم الصغيرة؟ الخوف الذي لم يعرفه في الماضي صار رفيق دربه الآن، الخوف الذي وجد طريقه إليه في هذا العالم المجهول طقطقة جسده.. انهيار. كان ذلك في المساء، والمطر يغطي على كل الأصوات. الوصية الأولى قد تحطمت. أُلقي فوق الجسد طائر حزين، والدماء تسير بجوار الماء جنبًا إلى جنب.
صوت ارتطام الميزان عاد من جديد. القوارب تتحرك ببطء، ومن بعيد ظهر قاربها.. امرأة عجوز، هي ذاتها، تنظر إليه في سكون، في طريقها نحو الميزان. صوت البوق ارتفع من جديد.
أشرقت الشمس من جديد. قدمت من بعيد، تراقب اختفاء الظلام كانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها بكل هذا الضوء يغمر جسده. السكون يملأ المكان البعيد الهادئ. كان ملقى على الأرض، بجوار الأتربة التي تغطي الجسد الملقى في أسفلها. الفارق بينه وبينها، أنه لا يزال في الأعلى… على قيد الحياة. لقد علموه أن البقاء للأقوى، بأقسى أنواع القسوة.
خيم الظلام من جديد على طريق القارب الطويل. كان المشهد مهيبًا… القوارب تسير في اتجاه واحد، بانسجام مستسلم.
راقب من حوله: امرأة ساكنة تبدو في منتصف العمر تتابع الظلام الذي يحيط بها. عجوز منكس الرأس لا يرفع وجهه. قوارب أخرى من بعيد… وجوه أشباح لا يميزها عن بعضها البعض.
ارتفع صوت صخب الأطفال. شمس الصباح، طائرة ورقية، صوت انسكاب الشاي، رياح الخريف، ضحكات فتيات من بعيد. كان يسمع صوت أمه تتنهد من بعيد: إنه فقط… الفراق. الفراق هو كل شيء.
في ذلك اليوم لم يكن يعرف قلبه الخوف. لم يكن قد اكتشفه بعد، أو عرف طريقه. لم يكن قد سمع باسم الشرير من قبل، وعندما علم اسمه لأول مرة سأل: تُرى، كيف يكون هو؟ عرف الخوف للمرة الأولى، ومعنى ارتكاب الخطيئة. لم يفهم ما هي تلك الخطيئة، كيف تبدو، ولماذا هي مخيفة، ولماذا لا تخيف الشرير.
كان يكبر في تلك الغرفة المزدوجة ذات الهواء الخانق. كان يكرهها… والكره هو الكلمة المناسبة لها.
دأب دومًا على ترك ندوب، فتحات، ثقوب صغيرة بين الجدران. كان منهمكًا في الكسر، يستمتع بصوت التحطيم.
وعقابه كان إطعام الطيور. يراقب الطائرة وهي تطير… طائرة ورقية، وأخرى ليست ورقية. لكن الورقية كانت عابسة، تتدلى بعيدًا وسط ضحكات الأطفال.
كانوا يركضون، يكبرون من حولها، بينما هو يبتعد عنها بعيدًا.
صوت النهر يعود. الضوء قادم من بعيد. تذكر… تذكر. كان هول الفتحة عظيمًا. كانت بلا قاع. حفل انتبه لها من قاربه. راقب الوجوه من حوله، والقوارب تسير في طريقها حيث انشقت تلك الفتحة العظيمة. خفق قلبه. عاد الظلام من جديد. تسارع النهر، وجذب القوارب. كان يحاول التماسك.
سمعهم… سمع صراخهم من بعيد. صراخًا عظيمًا. جفل… هل كانت تلك دقات قلبه حقًا؟ هل لا يزال يمتلك قلبًا هاهنا؟
إنهم يسقطون… يسقطون أمامه. صوت صراخ المرأة يشتد، يشبه النحيب، الحسرة بلا مجيب. حاول أن يصدر صوتًا، أن يصرخ. في الماضي كان يمتلك صوتًا جهوريًا. أين ذهب؟
كان السحب أقوى من التوقف. كان هناك على أعتاب الفتحة…
حيث أشرقت الشمس من جديد بقوة. لم يستطع أن ينظر إلى ذلك الضوء. أدار وجهه. أغمض عينيه. أين ذهبت الصغيرة؟
نجا، سقط وسط قاربه. عاد الصوت... صوت طيور تدور من حوله. اختفت الفتحة، اختفت القوارب، وعاد وحيدًا لا يعرف أين يسير.
تذكّر... تذكّر.
#مارينا_سوريال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مرثية روح
-
مرثية روح2
-
لكن ما بال السماء لا تمطر
-
لكنها أمطار مُحمَّلة بالأتربة
-
رأس عام جديد
-
مدفع الإفطار
-
أوراق تطير مع الرياح
-
من يوميات تائه في شقته
-
زقزقة العصافير
-
ماذا عن الغد ..امل
-
لست انا٥
-
لست انا٤
-
لست انا3
-
لست أنا1
-
لست أنا2
-
وثيقة عن حياتي..امل
-
اوليفيا انهضى..مارجو
-
ابنتك ياايزيس٥٥
-
ابنتك ياايزيس٥٤
-
ابنتك ياايزيس ٥٣
المزيد.....
-
مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
-
مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل
-
في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال
...
-
شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
-
فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل
...
-
أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
-
لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
-
-شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال
...
-
أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو
...
-
حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار
...
المزيد.....
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|