أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2















المزيد.....

سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 07:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المرحلة الانتقالية إلى حكمٍ بلا نهاية.
قيل لفرعون: من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردّني. وفي سوريا اليوم، تتكرر الحكمة بوجه أكثر خطورة؛ فحين ترفع بعض الشرائح السنية المتطرفة شعارات من نوع: «سوريا لنا إلى الأبد» و«نحن بنو أمية»، فهي لا تعلن شراكة وطنية، بل تبشر بفرعونية جديدة تستبدل طاغيةً بآخر، ومظلوميةً بهيمنة. فالشعب الكوردي ليس من بني أمية، ولا شريكًا في شعارٍ يريد أن يحكم سوريا إلى الأبد؛ وإن أراد بنو أمية أو لم يريدوا، فإن للشعوب خصوصياتها، كما للشعب العربي لغته وسماته وتاريخه، كذلك للشعب الكوردي لغته وسماته وذاكرته وحقه السياسي. وحين يدخل الكوردي قبة البرلمان، فهو لا يدخلها كظلٍّ لهوية غيره، بل يحمل سمته الكوردية أولًا، ثم انتماءه السوري في إطار شراكة عادلة؛ ودون هذا الاعتراف، لا نكون أمام وطن للجميع، بل أمام إعادة إنتاج منطق السيادة والطغيان. والأخطر أن الدعوة إلى برلمان بلا أحزاب ولا كتل سياسية ليست براءة وطنية، بل أسلوب ناعم لإلغاء التعددية، وتفكيك السياسة، واحتكار القرار تحت شعار «الوطن للجميع»، بينما المعنى المضمر: الوطن لهم، والآخرون رعايا في دولة يريدونها على صورتهم. هكذا لا يُصنع الطاغية من الأعلى فقط، بل من جمهور يصفق له قبل أن يحكم، ويقدّسه قبل أن يُسأل، ويمنحه حق تمثيل سوريا كلها باسم أكثريةٍ لم تكن يومًا خارج بنية النظام السابق، بل كانت جزءًا واسعًا من مؤسساته وجيشه وإدارته، كما كانت في الوقت ذاته من ضحاياه.
بعد هذه الشعارات التي تُعيد إنتاج منطق السيادة والغلبة، يصبح السؤال السوري أكثر وضوحًا:
هل يستطيع مجلس الشعب الحالي أن يكتب دستورًا يلائم العصر؟ هل يستطيع أن يضع فصلًا واضحًا بين الدين والدولة؟ هل يستطيع أن يمنع احتكار السلطة باسم الأكثرية؟ هل يستطيع أن يعترف بالحقوق القومية للكورد وبقية المكونات؟ هل يستطيع أن يفرض على أحمد الشرع وحكومته حدودًا دستورية حقيقية؟ هل يجرؤ على تحديد الرئاسة بدورتين فقط، كل دورة خمس سنوات، لا سبع سنوات كما كان في زمن الطاغية حافظ الأسد وابنه؟ أم أننا سنرى نسخة جديدة من الدستور القديم، ولكن بلغة أخرى وعمامة أخرى وواجهة أخرى؟
إن تحديد الرئاسة بدورتين فقط ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو قلب المسألة الديمقراطية. من لا يقبل بتحديد مدة حكمه لا يؤمن بالديمقراطية، مهما تحدث عنها. ومن لا يقبل بتداول السلطة لا يبني دولة، بل يبني سلطة شخصية. ومن يريد أن يبقى فوق الزمن السياسي، سيصنع حوله دستورًا يبرر بقاءه، ومجلسًا يصفق له، ومحكمة تفسر النصوص لصالحه، وإعلامًا يشرح للناس أن بقاءه ضرورة وطنية.
ولا بد من قولها بوضوح: أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا ليس أن يظهر طاغية جديد بوجه قديم، بل أن يظهر طاغية جديد بوجه “انتقالي”. فالطاغية القديم كان مكشوفًا، يعرف الناس لغته وأجهزته وشعاراته. أما الطاغية الجديد فقد يأتي بلغة المصالحة، وباسم الثورة، وبواجهة الحكومة الانتقالية، وبخطاب حفظ الأمن، وبمباركة دولية تبحث عن الاستقرار لا عن الحرية. عندها يصبح الاستبداد أكثر خطورة، لأنه لا يظهر كاستبداد في بدايته، بل كحل مؤقت.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست على اسم الرئيس فقط، بل على بنية النظام. سوريا لا تحتاج إلى حاكم جديد يطلب من الشعب الثقة المفتوحة. تحتاج إلى دستور يمنع أي حاكم من التحول إلى قدر أبدي. تحتاج إلى برلمان مستقل لا إلى مجلس تابع. تحتاج إلى قضاء يحمي المواطن من السلطة لا السلطة من المواطن. تحتاج إلى لامركزية حقيقية لا إلى مركزية جديدة بلباس انتقالي. تحتاج إلى اعتراف بجميع مكوناتها، لا إلى إعادة ترتيبها حسب قوة السلاح أو رغبات الخارج.
إن أي دستور قادم يجب أن يتضمن، بلا مراوغة، تحديد الرئاسة بدورتين فقط، كل دورة خمس سنوات، ومنع أي تعديل يسمح بالتمديد أو إعادة الترشح بعدهما. ويجب أن يضمن فصل السلطات، وحياد الجيش، واستقلال القضاء، وحرية الأحزاب، وحقوق القوميات والمكونات، واللامركزية السياسية، وفصل الدين عن الدولة، ومنع أي تنظيم مسلح أو أيديولوجي من ابتلاع مؤسسات الدولة. من دون ذلك، لن يكون الدستور عقدًا وطنيًا، بل ورقة عبور من استبداد إلى استبداد.
والذين يبررون اليوم ترك الأمور مفتوحة بحجة “حساسية المرحلة” إنما يفتحون الباب لكارثة الغد. فكل طاغية بدأ من استثناء، وكل حكم أبدي بدأ من تمديد مؤقت، وكل دكتاتورية بدأت بالجملة ذاتها: ليس الآن وقت الخلافات، الوطن في خطر. ثم يكتشف الناس بعد سنوات أن الوطن لم يكن في خطر بقدر ما كانت السلطة تريدهم خائفين كي تبقى.
وهذه هي اللعبة التي عرفتها سوريا طويلًا: تُصنع فزّاعة، ثم تُعلَّق عليها كل المطالب الديمقراطية. بالأمس قيل إن اللامركزية ستقسّم سوريا، وإن الفيدرالية بداية الانفصال، فتحولت هذه الدعاية إلى سلاح لتثبيت النظام المركزي، وإبقاء القرار محصورًا في يد سلطة واحدة. واليوم قد تُعاد اللعبة ذاتها بلغة جديدة: لا دستور حقيقي الآن، لا تحديد لفترة الرئاسة الآن، لا تداول للسلطة الآن، لا شراكة واسعة الآن، لأن المرحلة حساسة والوطن في خطر.
لكن الحقيقة أن من يخاف من اللامركزية لا يخاف على وحدة الوطن بقدر ما يخاف على مركزية السلطة. ومن يرفض تحديد مدة الحكم لا يخاف من الفوضى بقدر ما يخاف من مغادرة الكرسي. فالوطن لا تحميه سلطة مفتوحة بلا سقف، بل يحميه دستور واضح، وتداول حقيقي للسلطة، ونظام لا مركزي عادل يمنع عودة الاستبداد تحت أي اسم جديد.
سوريا لا تحتاج إلى منقذ جديد، فقد دفعت ثمن المنقذين طويلًا. تحتاج إلى نظام يمنع صناعة المنقذين أصلًا. تحتاج إلى دستور لا يخاف منه المواطن، بل يخاف منه الحاكم. تحتاج إلى مرحلة انتقالية لها نهاية واضحة، لا إلى انتقال يتحول إلى إقامة دائمة فوق رقاب السوريين.
إذا لم تُحسم هذه المسائل الآن، فستجد سوريا نفسها بعد سنوات أمام السؤال ذاته الذي ظنت أنها خرجت منه: كيف سقط الطاغية ليأتي طاغية آخر؟ وكيف تحولت الثورة إلى سلطة؟ وكيف صار الانتقال السياسي غطاءً لحكم لا يريد أن ينتهي؟
إن الكارثة لا تبدأ عندما يعلن الحاكم أنه باقٍ إلى الأبد. تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يصمت الناس عن دستور لا يحدد مدة بقائه، وعن مجلس لا يستطيع محاسبته، وعن سلطة تقول لهم كل يوم: لا بديل عني. وهذه الجملة وحدها تكفي لمعرفة أن الاستبداد لم يمت؛ لقد بدّل اسمه فقط.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
12/7/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2
- أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن
- التكويع
- من سرق تريليون العراق؟
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...


المزيد.....




- -كأن صدام حسين افتتح مطعم تشيز كيك فاكتوري-.. ما رد ترامب عل ...
- الجيش الأردني ينفذ ضربات جوية ضد تنظيمات إرهابية في جنوب سور ...
- تقارير: التحالف الدولي يستهدف القيادي أبو عبد الرحمن الليبي ...
- زيلينسكي يوقع مرسوما يقضي ببدء إعداد المدن الأوكرانية -للدفا ...
- هل يحسم الصوت العربي مستقبل نتنياهو في الكنيست؟
- موازنة أوروبا.. كييف واحتجاجات الداخل
- طهران ودول حلف مكة تؤكد التعاون الأمني
- البرلمان المصري يوافق على دعم السعودية
- مسؤولون أمنيون لبنانيون: حزب الله يعيد التسلح ويتأهب لاحتمال ...
- RT Arabic ووكالة الأنباء الليبية توقّعان مذكرة تفاهم لتعزيز ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2