أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان















المزيد.....

أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 23:23
المحور: القضية الكردية
    


الحراك الكوردي أمام فخ التمثيل الشكلي في مجلس الشعب.
قد تكون بعض المكاسب الصغيرة، في لحظات التحول الكبرى، أخطر من الخسارة الصريحة. فالخسارة تكشف طبيعة الخصم وتُبقي القضية حية وواضحة، أما الفتات السياسي فقد يتحول إلى غطاء لتصفية القضايا الكبرى باسم الحل، والتمثيل، والمشاركة، والاعتراف الرمزي. وهذا بالضبط ما يواجهه الحراك الكوردي اليوم في سوريا، وهو يدخل واحدة من أخطر مراحله منذ عقود.
ففي ظل ما يسمى بالحكومة السورية الانتقالية، يجري تسويق بعض الصلاحيات المحدودة، أو المقاعد الرمزية في مجلس الشعب، أو القرارات الإدارية المتعلقة باللغة والثقافة، وكأنها فتح تاريخي للكورد. غير أن الخطر لا يكمن في هذه الخطوات بذاتها، بل في الوظيفة السياسية التي قد تؤديها: تحويل القضية الكوردية من قضية شعب وجغرافية وحقوق قومية ودستورية إلى قضية امتيازات إدارية داخل دولة مركزية تُعاد صياغتها بعقل أيديولوجي جديد.
إن الحراك الكوردي لم يناضل طوال عقود من أجل مقعد في مجلس تابع، ولا من أجل حضور رمزي في مؤسسة لا تملك قرارها، ولا من أجل اعتراف لغوي منقوص يمكن سحبه أو تعطيله بقرار إداري آخر. جوهر القضية الكوردية في سوريا لم يكن يومًا مسألة وظيفة أو منصب أو تمثيل شكلي، بل مسألة وجود قومي، وجغرافية تاريخية، وحقوق دستورية، ونظام حكم يضمن الشراكة الحقيقية لا التبعية.
ومن هنا تأتي خطورة التنازل، ولو الضمني، عن المفاهيم المؤسسة للقضية: غربي كوردستان، الفيدرالية، اللامركزية السياسية، الاعتراف الدستوري، إعادة النظر في سياسات الغمر، آثار الإصلاح الزراعي، التغيير الديمغرافي، والتعليم باللغة الكوردية ضمن منظومة تعليمية معترف بها. هذه ليست تفاصيل قابلة للمساومة في سوق المناصب، بل هي أعمدة القضية الكوردية ذاتها. فإذا سقطت هذه الأعمدة، فلن يعوضها أي مقعد أو قرار أو وعد.
الأخطر أن السلطة الجديدة قد تستخدم بعض الفتات المقدم للكورد بوصفه دليلًا أمام العالم على أنها “حلّت” القضية الكوردية. فتقول للعواصم الغربية والمنظمات الدولية: لقد منحناهم تمثيلًا، وسمحنا بلغتهم، وأدخلنا بعضهم في المؤسسات، فلماذا يواصلون الحديث عن الفيدرالية واللامركزية وغربي كوردستان؟ وهنا يتحول المكسب الصغير إلى قيد كبير، وتتحول المشاركة الشكلية إلى أداة لإسكات المطالب القومية الكبرى.
إن عضوية بعض الكورد في مجلس شعب لا يملك قراره لا تعني شراكة سياسية. فالبرلمان، إذا كان تابعًا للسلطة التنفيذية، وإذا كان مصنوعًا بإرادة خارجية، وإذا كانت أغلبيته السياسية والثقافية معادية أو غير مؤمنة بالحقوق القومية الكوردية، فلن يكون منصة لإنصاف الكورد، بل قد يتحول إلى ساحة لدفن مطالبهم تحت غطاء التصويت والأكثرية.
فما قيمة أن يتقدم عضو كوردي بطلب لإعادة النظر في قضية الغمر إذا كان المجلس نفسه محكومًا بعقلية مركزية تنكر أساس المشكلة؟ وما قيمة أن يطرح ملف الإصلاح الزراعي أو التغيير الديمغرافي أو التعليم باللغة الكوردية أمام أكثرية لا ترى في القضية الكوردية حقًا قوميًا، بل ملفًا أمنيًا أو إداريًا؟ وما قيمة الديمقراطية الشكلية إذا كانت الأرقام ستُستخدم ضد شعب حُرم أصلًا من الاعتراف بجغرافيته وحقوقه؟
هنا تصبح الديمقراطية الشكلية معولًا لهدم المطالب القومية. فحين تُطرح قضية شعب داخل مؤسسة لا تعترف أصلًا بأساس هذه القضية، وحين يُحسم الحق القومي بالتصويت العددي داخل دولة مركزية، فإن النتيجة معروفة مسبقًا. سيُقال للكورد: تقدمتم بطلبكم، ناقشناه، وصوّتت الأكثرية ضده. وهكذا يصبح الرفض ديمقراطيًا في الشكل، بينما هو إلغاء قومي في الجوهر.
وهذا هو الفخ الأخطر: أن يُدفع الحراك الكوردي إلى التخلي عن المنصات الدولية، وعن الخطاب القومي الواضح، وعن مطلب اللامركزية والفيدرالية، مقابل اندماج شكلي في مؤسسات لا تملك ضمانات حقيقية. وبمجرد أن يقبل الحراك بهذا المنطق، سيجد نفسه محاصرًا بين خطاب السلطة في الداخل، وضغط الخارج الذي سيقول له: لقد حصلتم على تمثيلكم، فماذا تريدون أكثر؟
ليست المسألة إذن في رفض أي مكسب أو إغلاق الباب أمام أي تفاوض، بل في ترتيب الأولويات. التفاوض مطلوب، والمكاسب الجزئية قد تكون مفيدة إذا جاءت ضمن إطار وطني ودستوري واضح. أما أن تُقدَّم المكاسب الصغيرة بديلًا عن القضية الكبرى، وأن تُستخدم المقاعد والقرارات الرمزية لإلغاء المطالب القومية، فهذه ليست سياسة واقعية، بل انزلاق خطير نحو تصفية الذات باليد الذاتية.
إن الحراك الكوردي، في هذه المرحلة، يحتاج إلى وضوح لا إلى ارتباك، وإلى سقف سياسي لا إلى سباق على المواقع. لا يجوز أن يتحول الاعتراف باللغة الكوردية، إذا صدر، إلى بديل عن الاعتراف بالشعب الكوردي وجغرافيته وحقوقه. ولا يجوز أن يتحول تمثيل بعض الأفراد إلى بديل عن الاعتراف بمؤسسات الحراك الكوردي ومطالبه التاريخية. ولا يجوز أن تتحول المشاركة في إدارة مركزية إلى بديل عن اللامركزية السياسية والفيدرالية.
فالحقوق القومية لا تُحمى بالنوايا، ولا بالوعود، ولا بالابتسامات الدبلوماسية. تُحمى بالدستور، وبنظام الحكم، وبالضمانات الدولية، وبالاعتراف الواضح بأن سوريا ليست ملكًا لقومية واحدة ولا لدين واحد ولا لأيديولوجية واحدة. وأي حل لا يبدأ من هذه الحقيقة سيعيد إنتاج المأساة، حتى لو جاء بلغة جديدة ووجوه جديدة وشعارات انتقالية.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه الحراك الكوردي اليوم ليس الرفض الصريح لمطالبه، بل القبول الجزئي والمشوَّه بها. فالرفض الصريح يُبقي المعركة واضحة، أما القبول المشوَّه فيربك الوعي، ويفتت الصف، ويفتح باب الاتهامات، ويمنح السلطة فرصة للقول إن القضية انتهت. لذلك، فإن الفتات السياسي قد يكون أحيانًا أخطر من الحرمان الكامل، لأنه يُضعف المطلب من الداخل ويجعل الدفاع عنه أكثر صعوبة في الخارج.
على الحراك الكوردي ألا ينسى أن قضيته لم تبدأ مع الحكومة الانتقالية، ولن تنتهي بقرار رئاسي أو مقعد برلماني. إنها قضية شعب تعرّض للإنكار، والتعريب، والتغيير الديمغرافي، والحرمان اللغوي والثقافي، والإقصاء السياسي، والتهجير، والاحتلال. ومن العبث اختزال كل هذا التاريخ في صيغة تمثيل شكلية داخل مجلس لا يملك مصيره.
لذلك، فإن أي مشاركة كوردية في المرحلة القادمة يجب أن تكون مشروطة وواضحة: الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي، تثبيت اللامركزية السياسية، حماية الجغرافية الكوردية في غربي كوردستان، ضمان التعليم باللغة الكوردية، معالجة آثار الغمر والتغيير الديمغرافي، ورفض أي دستور ديني أو مركزي أو أيديولوجي يعيد إنتاج الاستبداد بلباس جديد.
أما الدخول في مؤسسات السلطة الجديدة دون هذه الضمانات، فسيكون انتقالًا من موقع صاحب القضية إلى موقع الشاهد على تصفيتها. وسيُقال يومًا إن الكورد كانوا حاضرين، وإنهم شاركوا، وإنهم لم يعترضوا. عندها لا تكون الخسارة في عدد المقاعد، بل في معنى القضية نفسها.
إن الحراك الكوردي اليوم أمام امتحان تاريخي: إما أن يحافظ على جوهر مطالبه، حتى لو طال الطريق واشتدت الضغوط، وإما أن ينجرّ إلى فتات سياسي قد يبدو مكسبًا في اللحظة، لكنه قد يتحول غدًا إلى وثيقة دفن للمطلب القومي. والتاريخ لا يرحم الحركات التي تخلط بين التكتيك والتنازل، ولا بين الواقعية والانكسار، ولا بين المشاركة السياسية والتصفية الناعمة للحقوق.
إن الشعب الكوردي لا يحتاج إلى مقاعد تذكارية في دولة مركزية جديدة، بل إلى شراكة دستورية حقيقية في وطن لا يُدار بعقلية الغلبة. ولا يحتاج إلى اعتراف لغوي مجتزأ، بل إلى اعتراف قومي وسياسي كامل. ولا يحتاج إلى فتات يُقدَّم له باسم المرحلة، بل إلى ضمانات تمنع تكرار المأساة.
فالفتات قد يُشبع لحظة، لكنه لا يبني مستقبلًا. وما لم يدرك الحراك الكوردي هذه الحقيقة، فقد يجد نفسه أمام أخطر مفارقة في تاريخه: أن يُهزم لا لأنه حُرم من كل شيء، بل لأنه قَبِل بالقليل حين كان عليه أن يدافع عن الأصل.



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن
- التكويع
- من سرق تريليون العراق؟
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...


المزيد.....




- اليونيسف: 500 ألف مدني معرضون للخطر في الأُبيّض السودانية
- تعثر صفقة تبادل الأسرى في اليمن وتبادل للاتهامات بين الحكومة ...
- الحكومة السودانية واليونيسف تحذران من تدهور الأوضاع الصحية ف ...
- المبعوث الأممي لليمن يؤكد التزام الحكومة والحوثيين بتنفيذ ات ...
- مسئول حكومي يمني يتهم الحوثيين بتعطيل تنفيذ صفقة تبادل المعت ...
- مركز فلسطين لدراسات الأسرى: العالم عاجز عن إطلاق سراح حسام أ ...
- انسحاب المجتمع المدني من هيئة الشفافية يعيد الجدل حول حوكمة ...
- جهود إماراتية لتطوير آليات الإغاثة
- تدهور أوضاع اللاجئين مع تراجع التمويل
- سوريا.. شهود يواجهون عاطف نجيب بجرائم تعذيب أطفال


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان