أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 1/3














المزيد.....

متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 1/3


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 06:41
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية
لم يكن تحريف تاريخ الشعب الكوردي حادثة عابرة، ولا خطأً منفردًا في رواية هنا أو نسخة هناك، بل يبدو، كلما تعمقنا في النصوص القديمة، وكأنه مسار طويل من الإزاحة والمحو والتذويب. والغريب في هذه الظاهرة أنها لا تبدأ في الأزمنة الحديثة وحدها، ولا مع الدول القومية التي اقتسمت كوردستان لاحقًا، بل تمتد جذورها إلى ما بعد انهيار الإمبراطورية الساسانية، ثم تتصاعد بوضوح في العصور الإسلامية، ولا سيما بعد العصر العباسي، حيث أخذت كثير من الأسماء والهويات والشواهد تُعاد صياغتها داخل سرديات الغالبين.
من هنا جاء السؤال الذي دفعني إلى كتابة كتابي: هل كان للكورد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام؟ لم يكن السؤال بحثًا عن أسماء ضائعة فحسب، بل عن آلية ضياعها أيضًا. كيف يمكن لأمة عريقة عاشت في قلب الحضارات الزاغروسية والميدية والساسانية، وشاركت في جيوش الإمبراطوريات، وفي طرق التجارة، وفي فضاءات الدين والفلسفة واللغة، أن تظهر في كتب الآخرين وكأنها بلا أدب، بلا فكر، بلا فلاسفة، وبلا ذاكرة مكتوبة؟ هل كان الغياب حقيقيًا، أم أن ما غاب هو نتيجة محو منهجي طويل؟
إن أخطر ما تعرض له التاريخ الكوردي لم يكن الحذف وحده، بل التعويم أيضًا. فكل ما اتصل بالإمبراطورية الساسانية جرى لاحقًا اختزاله تحت اسم «فارس»، وكأن الساسانية كانت كتلة فارسية خالصة، لا فضاءً واسعًا متعدد الشعوب واللغات والأقاليم. وكان الكورد، بما يمثلونه من امتداد ميدي–زاغروسي عميق، في قلب هذا المجال لا على هامشه، إلى جانب الفرثيين والديلم وسكان الجبال، فضلًا عن الفرس وغيرهم من مكونات العالم الإيراني القديم والوسيط. وبهذا التعميم، جرى تذويب الكورد داخل اسم أوسع، ثم جرى لاحقًا تذويب شواهدهم في أسماء أخرى: الأعاجم، الجبل، الموالي، الترك، والعرب.
والمثال الذي أتناوله هنا ليس إلا شاهدًا صغيرًا على كارثة كبيرة. إنه بيت شعري منسوب إلى عدي بن زيد العبادي، الشاعر الجاهلي، المولود نحو سنة 550م والمتوفى نحو سنة 600م، والمعروف بصلته بالحيرة والبلاط الساساني، وبمعرفته باللسان العربي وبالفضاء الفهلوي الساساني؛ لا بمعنى «الفارسية» القومية اللاحقة، بل بمعنى اللغة والثقافة الإدارية والفكرية التي كانت تتحرك داخل المجال الساساني الواسع.
وقد عاش عدي في زمن كانت فيه الإمبراطورية الساسانية واحدة من أعظم قوى العالم، وكان موقع الحيرة يضعه على تماس مباشر مع ذلك العالم، سياسيًا ولغويًا وثقافيًا. ومن هنا تأتي أهمية النص المنسوب إليه، لا بوصفه بيتًا شعريًا عابرًا، بل بوصفه أثرًا متصلًا ببيئته وزمنه.
لكن إشكالية هذا الشاهد لا تبدأ من عدي بن زيد نفسه، بل من الطريقة التي وصل بها إلينا لاحقًا، ولا سيما حين يظهر في رواية البحتري بعد ما يقارب ثلاثة قرون، بصيغة مختلفة بدّلت بعض مفاتيحه الدلالية، ونقلته من سياقه الأقرب إلى زمن الحدث إلى أفق عباسي متأخر، مشبع بتصورات أخرى عن الساسانيين والجيوش والشعوب.
فالبحتري، المولود سنة 821م والمتوفى سنة 897م، جاء بعد عدي بن زيد بما يقارب ثلاثة قرون. لذلك لا يجوز أن يُعامل بوصفه شاهدًا على النص في لحظته الأولى، ولا على الحدث الساساني، ولا على الجيش الذي تحرك في القرن السادس الميلادي. البحتري شاعر كبير، نعم، لكنه هنا ناقل ومتخيّر في حماسته، لا صاحب القصيدة ولا ابن ظرفها التاريخي.
ومن هنا يصبح الفرق بين الصيغتين ليس تفصيلًا لغويًا بريئًا، بل مدخلًا لفهم كيف يمكن للرواية المتأخرة أن تعيد تشكيل الذاكرة، وأن تستبدل أسماء الشعوب والجغرافيا بما ينسجم مع وعي عصرها، لا مع حقيقة النص الأولى.
وقد وردت المقطوعة في حماسة البحتري منسوبة إلى عدي بن زيد العبادي بهذه الصيغة، ونكتفي هنا بموضع الشاهد الذي تتصل به الإشكالية:
فَبِتُّ أُعَدِّي كَمْ أَسَافَتْ وَغَيَّرَتْ
وُقُوعُ المَنُونِ مِنْ مُسَوَّدٍ وَسَائِدِ
صَرَعْنَ قُبَاذًا رَبَّ فَارِسَ كُلِّهَا
وَحَشَّتْ بِأَيْدِيهَا بَوَارِقَ آمِدِ
عَصَفْنَ عَلَى الحَيْقَارِ وَسْطَ جُنُودِهِ
وَبَيَّتْنَ فِي لَذَّاتِهِ رَبَّ مَارِدِ
وَجِئْنَ بِتُرْكٍ مِنْ قَرَارِ بِلَادِهِمْ
يَسِيرُ بِجَمْعٍ كَالدَّبَا المُتَسَانِدِ
وهذه الرواية، كما وصلت في حماسة البحتري، تثير إشكالية مركبة لا يمكن المرور عليها بوصفها اختلافًا عابرًا في اللفظ. فهي تجمع بين تعويم المجال الساساني المركب داخل اسم «فارس»، حين تجعل قُباذ «ربّ فارس كلها»، وبين إزاحة اسم الكورد من موضعه المرجّح في سياق القصيدة لصالح قراءة «بترك»، وهي قراءة لا تنسجم، مع زمن الحدث ولا مع جغرافيته.

يبتع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
8/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث


المزيد.....




- مؤلفان يشاركان لـCNN ما حدث عندما سألا ترامب عما إذا كان أقو ...
- أمير سعودي يرد على يوسف زيدان وتصريح -قصة الفيل في مكة- وأبر ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة آخر بهجوم مسيرة أوكرانية
- محادثات سويسرا.. ملفات شائكة تعرقل التوصل إلى اتفاق دائم
- السيارات الكهربائية .. طفرة عالمية بوتيرة أسرع مما كان متوقع ...
- مدرب غانا بعد مواجهة إنكلترا: تقنية الفار ذهبت لشرب القهوة
- ترامب: إيران تترنح والكونغرس يمد لها يد العون -في وقت الحرب- ...
- توقف القطارات في ألمانيا بسبب خلل في نظام الاتصالات الرقمية ...
- مباشر: روبيو يواصل جولته الخليجية سعيا لطمأنة الحلفاء والترو ...
- عاجل | رئيس وزراء قطر: مضيق هرمز ما زال مفتوحا وتلقينا تأكيد ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 1/3