|
|
نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
محمود عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نظام الملالي في إيران إلى زوال، لكن لحظة الزوال لا تُقاس برغبة الشعوب وحدها، ولا بانفعال المعارضين، ولا بضجيج الشعارات. الأنظمة الشمولية لا تسقط دائمًا عندما تبلغ ذروة ظلمها، بل عندما تتحول كلفتها على الداخل والخارج إلى عبءٍ أكبر من جدوى بقائها. والإمبراطوريات، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تتحرك عادةً بمنطق الثأر العاجل، بل بمنطق الصبر الطويل، والاستنزاف، وترتيب اللحظة المناسبة. النظام الإيراني، مهما بدا متماسكًا بقوة الحرس الثوري، والميليشيات، والأجهزة العقائدية، ليس قوةً مستقلة خارج خرائط العالم، بل جزء من معادلة دولية أوسع. حين يكون قابلًا للاستخدام، يُحتوى ويُفاوض. وحين يصبح خطرًا على توازنات الطاقة، وأمن إسرائيل، وحركة الممرات، والنظام المالي، ومصالح القوى الكبرى، تبدأ مرحلة أخرى، تضييق الخناق، خنق التمويل، ضرب الأذرع، إضعاف الداخل، ثم انتظار اللحظة التي يصبح فيها سقوطه نتيجة طبيعية لا مغامرة مكلفة. وقد رأينا ملامح هذه المنهجية في السنوات الأخيرة. فبعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، دخل الاقتصاد الإيراني في مرحلة استنزاف قاسية؛ الريال فقد أكثر من 90% من قيمته أمام الدولار منذ إعادة فرض العقوبات عام 2018، وقطاعات الطاقة والمياه عانت من نقص الاستثمار وتراجع البنية التحتية، بحسب تقارير رويترز. ثم جاءت انتفاضة مهسا/ژينا أميني (الفتاة الكوردية) عام 2022 لتكشف أن أزمة النظام ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضًا؛ فقد قُتل أكثر من 500 شخص، بينهم 71 قاصرًا، واعتُقل الآلاف وفق منظمات حقوقية نقلت عنها رويترز. وما جرى لاحقًا لم يكن انفراجًا للنظام، بل تراكمًا في مسار الاستنزاف. ففي أيلول/سبتمبر 2025 أعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران عبر آلية “سناب باك” المرتبطة بالاتفاق النووي، وهو ما أعاد الغرب إلى البحث عن أدوات جديدة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني ومراقبته. وفي الشهر نفسه وما بعده، حذرت تقارير من خطر دخول إيران في ركود حاد وتضخم شديد، بينما كانت السلطات تحاول الحفاظ على الاستقرار بقدرة مناورة محدودة. ثم جاءت الضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية في حزيران/يونيو 2025 لتؤكد أن الصبر الإمبراطوري لا يعني المهادنة الدائمة. فقد قالت رويترز إن القوات الأمريكية ضربت ثلاثة مواقع نووية رئيسية في إيران، وإن ترامب حذّر طهران من هجمات أشد إذا لم توافق على تسوية. ومهما اختلفت التقديرات حول حجم الضرر، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة، النظام الإيراني لم يعد يُدار فقط عبر العقوبات والمفاوضات، بل صار تحت سقف القوة المباشرة عندما تقتضي الحسابات ذلك. وفي عام 2026، لم يتغير جوهر المعادلة، بل دخلت طورًا أكثر وضوحًا وحدّة. فواشنطن ما زالت تجمع بين التفاوض والتهديد؛ إذ قال ترامب في 18 أيار/مايو 2026 إن هناك “فرصة جيدة جدًا” لاتفاق نووي مع إيران بعد تأجيل ضربة عسكرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة مستعدة لهجوم واسع إذا فشلت الدبلوماسية. وفي اليوم التالي، فرضت واشنطن عقوبات جديدة على شبكات مالية ونفطية مرتبطة بإيران، ضمن حملة تستهدف ما تسميه الخزانة الأمريكية “النظام المصرفي الظلي” و” الأسطول الظلي” الإيراني. ولم تكن الجولة الثانية من الحرب على النظام الإيراني، وما أعقبها من هدنة، خروجًا عن هذه المعادلة، بل امتدادًا لها بوسائل أشد قسوة. فقد بدا واضحًا أن أخطر ما خلّفته الحرب لم يكن في المواقع النووية ولا في البنية العسكرية وحدها، بل في الداخل الإيراني ذاته؛ إذ كشفت هشاشة الدولة التي حاول النظام تغطيتها لعقود بشعارات القوة والممانعة. فالاقتصاد المنهك، والعملة المتآكلة، والبنية التحتية المتعبة، وانقطاع الثقة بين المجتمع والسلطة، كلها تحولت إلى جبهات صامتة لا تقل خطورة عن الجبهة العسكرية. الحرب، في معناها العميق، لم تكن مجرد صدام بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، بل كانت اختبارًا لبنية النظام من الداخل، ولمدى قدرته على امتصاص الضربة، وإقناع شعبه بأنه لا يزال يملك مشروعًا للدولة، لا مشروعًا للموت المؤجل. ومن هنا قد لا يكون إسقاط النظام الإيراني نتيجة الضربة الأولى أو الثانية، بل قد يُترك للمرحلة الثالثة من الحرب، تلك المرحلة التي لا تستهدف فقط تحجيم البرنامج النووي أو كسر أذرعه الإقليمية، بل ضرب البنية التحتية للدولة بصورة مروعة، بحيث يصبح النظام عاجزًا عن إدارة المجتمع، وعاجزًا عن حماية اقتصاده، وعاجزًا عن ترميم صورته أمام الداخل. عندها لا تكون الحرب قد دمّرت منشآت عسكرية فحسب، بل تكون قد فتحت الطريق أمام لحظة الاجتثاث السياسي، حين يصبح بقاء النظام عبئًا داخليًا وخارجيًا في آن واحد. لكن الإشكالية الكبرى لا تكمن في زوال النظام وحده، بل في سؤال البديل. فالإمبراطوريات لا تُسقط الأنظمة لأنها تحب الشعوب، ولا تغيّر الخرائط بدافع العدالة، بل تفعل ذلك حين تنضج مصالحها وتصبح كلفة النظام أكبر من فائدته. لذلك قد لا يعني إسقاط نظام الملالي ولادة إيران ديمقراطية بالضرورة؛ فقد تأتي واشنطن، كما فعلت في العراق بعد صدام حسين، ببديل فاسد ومفكك، أو كما جرى في سوريا، ببديل متطرف يلتهم ما تبقى من المجتمع والثقافة والحضارة بعد أن يكون النظام البائد قد دمّر معظمها. فالخطر لا يكمن فقط في النظام الذي يزول، بل في الفراغ الذي يليه، وفي القوى التي تُحضَّر لوراثته، وفي نوع الدولة التي ستُصنع فوق أنقاض الدولة القديمة. لذلك فإن المرحلة القادمة في إيران قد تكون أشد خطورة من مرحلة المواجهة الحالية. فالنظام الإيراني، إذا دخل طور الانهيار النهائي، لن يسقط كجدار منفرد، بل قد يسحب معه مؤسسات الدولة، وشبكات الاقتصاد، ومراكز المدن، وأعصاب المجتمع، تمامًا كما فعلت أنظمة استبدادية أخرى حين فضّلت أن تترك الخراب خلفها بدل أن تترك دولة قابلة للحياة. ولهذا فإن زوال نظام الملالي سيكون، من حيث المبدأ، نهاية لواحدة من أكثر السلطات ظلامية وإجرامًا في المنطقة، لكنه لن يكون بالضرورة بداية خلاص إن لم يُمنع تحويل إيران إلى عراق آخر أو سوريا أخرى، أي إلى ساحة مفتوحة لصراعات البدائل الفاسدة والمتطرفة والمستوردة من غرف القرار الإمبراطوري. بهذا المعنى، فإن الحرب على إيران لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها مواجهة عسكرية، بل كعملية طويلة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والسلطة. المرحلة الأولى كانت استنزافًا بالعقوبات والخنق الاقتصادي. والمرحلة الثانية كانت كسر الهيبة والردع عبر الضربات العسكرية المباشرة. أما المرحلة الثالثة، إذا وقعت، فقد تكون مرحلة تفكيك القدرة الداخلية للنظام، وتحويله من سلطة قمعية متماسكة إلى جسم سياسي عاجز ينتظر لحظة الاستبدال. عندها ستكون خطة إزالة النظام قد نضجت، لا لأن الشعب الإيراني وحده أراد ذلك، بل لأن القوى الكبرى تكون قد قررت أن زمن استخدام هذا النظام قد انتهى، وأن البديل، مهما كان ناقصًا أو فاسدًا أو خطرًا، أصبح أكثر قابلية للتوظيف من النظام القائم. لهذا لا ينبغي قراءة ما يفعله النظام الإيراني اليوم كعلامة قوة، بل كحركات نظام يعرف أن الطوق يضيق حوله. الصواريخ، والميليشيات، والشعارات، والتهديدات، والمناورات النووية، كلها أدوات تمديد عمر لا أدوات صناعة مستقبل. الأنظمة التي تدخل مرحلة الاستنزاف التاريخي غالبًا ما تخلط بين القدرة على الإزعاج والقدرة على البقاء؛ تظن أن رفع الكلفة على الآخرين سيجعلهم يقبلون بها إلى الأبد، بينما قد يكون ذلك بالضبط ما يدفع القوى الكبرى إلى قرار التخلص منها. تجارب الشرق الأوسط واضحة. صدام حسين ظن أن القبضة الأمنية، والحروب، والشعارات القومية، واللعب على تناقضات الدول الكبرى تكفي لبقاء نظامه، لكن لحظة الحساب جاءت حين تجاوزت كلفة بقائه وظيفة استخدامه. وبشار الأسد ظن أن الدم، وروسيا، وإيران، والميليشيات، وتحويل سوريا إلى سوق حرب، ستمنحه خلودًا سياسيًا، لكن النظام الذي يحكم على خرائب شعبه لا يبقى إلا بقدر حاجة الآخرين إليه، لا بقدر قوته الذاتية. نظام الملالي يشبه هذه الأنظمة في جوهره، سلطة عقائدية أمنية، تخلط الدين بالدولة، والثورة بالمصالح، والمقاومة بالهيمنة، وتعتقد أن امتلاك الأذرع في العراق وسوريا ولبنان واليمن يمنحها حصانة تاريخية. لكنها لا تدرك أن الأذرع نفسها بدأت تتحول إلى عبء، وأن الإمبراطوريات لا تكره الأدوات ما دامت نافعة، لكنها تتخلص منها عندما تتحول إلى خطر على هندسة النفوذ. أمريكا تصبر كإمبراطورية، لكنها لا تهادن إلى النهاية. قد تفاوض، تؤجل، تستخدم العقوبات، تفتح أبوابًا وتغلق أخرى، تترك النظام يضعف من الداخل، وتختبر قابليته للتراجع. لكنها حين ترى أن كلفة بقاء النظام أصبحت أعلى من كلفة تغييره، تبدأ مرحلة مختلفة. لذلك، فإن مصير النظام الإيراني لن تحدده صرخاته، ولا شعاراته، ولا وهمه العقائدي، بل لحظة التقاء ثلاثة عوامل، انهيار داخلي يتسع، وضغط اقتصادي خانق، وقرار دولي يرى أن زمن الاستخدام انتهى. النظام الإيراني لم يسقط بعد، لأن اللحظة لم تنضج تمامًا. لكنه دخل زمن ما قبل السقوط، زمن الاقتصاد المنهك، والشارع الغاضب، والمرأة المتمردة، والأقليات المضطهدة، والحرس المتخم، والعملة المنهارة، والميليشيات التي صارت عبئًا، والغرب الذي لم يعد يراه خصمًا قابلًا للتهذيب فقط، بل مشروع خطر يجب تقليصه ثم اقتلاعه حين تنضج الظروف. ولهذا، فإن زوال نظام الملالي ليس نبوءة عاطفية، بل قراءة في منطق التاريخ السياسي الحديث، كل نظام يحوّل الدولة إلى عقيدة، والمجتمع إلى رهينة، والاقتصاد إلى أداة حرب، والخارج إلى ساحة نفوذ، يصل في النهاية إلى لحظة لا يعود فيها قابلًا للإصلاح ولا للاحتواء. عندها لا تسقط الأنظمة لأنها ضعفت فقط، بل لأنها فقدت وظيفتها في عيون القوى التي صبرت عليها طويلًا.
د. محمود عباس الولايات المتحدة الأمريكية 19/5/2026 م
#محمود_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
-
الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
-
الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
-
كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
-
صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال
...
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا
...
-
اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب
-
كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا
-
إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال
...
المزيد.....
-
أمير قطر وولي العهد السعودي يبحثان جهود التهدئة في المنطقة
-
مصدر لـCNN: اتصال بين ترامب وقادة الخليج لبحث مقترح إيران لإ
...
-
نصائح لحماية عقلك من مخاطر المستقبل والتفكير بذكاء أكبر في ا
...
-
ترامب: نقترب من التوصل لاتفاق مع إيران -أو سأقضي عليهم-
-
قوات مصرية في الخليج.. ماذا تريد القاهرة وما الذي تخشاه؟
-
-كونتيسة وحشية- أم -ملكة بريئة-.. باحثة تبرئ إليزابيث من دما
...
-
غزة.. تراكم النفايات في مناطق النزوح يساعد على انتشار الأمرا
...
-
-حياة أسوأ من الموت-.. الاحتلال يحاصر سكان غزة بالنفايات
-
فورين بوليسي: كتاب عن الجيش الأمريكي ينبغي على الجميع قراءته
...
-
-تسرب سام أو انفجار كارثي-.. سيناريوهان مرعبان في كاليفورنيا
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|