أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الثانية عشرة















المزيد.....

إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الثانية عشرة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 21:02
المحور: القضية الكردية
    


مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية.
ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من المؤتمرات واللقاءات والبيانات التي تنتهي غالبًا إلى نتائج محدودة، أو إلى تفاهمات ظرفية لا تلبث أن تتفكك عند أول اختبار جدي.
وهذا لا يعود فقط إلى الخلافات بين الأحزاب أو إلى تضارب المصالح والتنظيمات، بل إلى إشكال أعمق: أن مفهوم الوحدة نفسه جرى اختزاله، في كثير من الأحيان، إلى مسألة تنظيمية أو سياسية سريعة، وكأنها يمكن أن تتحقق بمجرد جمع الأطراف المختلفة حول طاولة واحدة، أو عبر تقاسم النفوذ، أو عبر صياغة بيان مشترك. بينما أثبتت التجربة أن الوحدة التي تُبنى على هذا النحو تبقى هشة، لأنها لا تستند إلى أرضية فكرية متماسكة، ولا إلى تفاهم حقيقي حول طبيعة المشروع الكوردي نفسه.
فالوحدة السياسية ليست قرارًا إداريًا، ولا اتفاقًا فوقيًا بين قيادات، بل هي نتيجة لمسار أعمق من الحوار والتفكير والتقارب التدريجي في الرؤى. وعندما يغيب هذا المسار، تتحول مؤتمرات الوحدة إلى مناسبات شكلية، تُرفع فيها الشعارات الكبيرة، بينما تبقى التباينات الفكرية والسياسية على حالها، بل تتراكم في صمت إلى أن تنفجر من جديد.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى مزيد من مؤتمرات “الوحدة”، بل إلى نوع آخر من المؤتمرات، أكثر عمقًا وأشد فائدة: مؤتمرات التفكير. أي المؤتمرات التي لا يكون هدفها المباشر إعلان اتفاق سياسي سريع، بل خلق فضاء فكري حر يسمح بتبادل الرؤى، ومناقشة الخلافات الحقيقية، وبناء حد أدنى من الفهم المشترك حول الأسئلة الكبرى التي تواجه الشعب الكوردي في هذه المرحلة.
فالتجارب السياسية الكبرى في العالم لم تتقدم فقط عبر الصفقات التنظيمية، بل عبر النقاشات الفكرية التي أعادت تعريف السياسة نفسها، وبلورت تصورات جديدة للمجتمع والدولة والاقتصاد والعلاقات العامة. وفي لحظات التحول التاريخي، لا تكون الحاجة الأكبر إلى من يكرر الشعارات، بل إلى من يطرح الأسئلة الصحيحة.
وبالنسبة للحراك الكوردستاني، فإن هذا النوع من المؤتمرات قد يكون أكثر جدوى من المؤتمرات التي تُعقد تحت ضغط الشارع أو اللحظة السياسية بهدف إنتاج “وحدة” سريعة لا تعيش طويلًا. فالمطلوب اليوم ليس جمع المختلفين في صورة واحدة، بل مساعدتهم على فهم اختلافاتهم أولًا، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تحويلها إلى تنوع منتج، بدل أن تبقى مصدر قطيعة مزمنة.
إن مؤتمرات التفكير التي يحتاجها الكورد اليوم يجب أن تكون مفتوحة على السياسيين والمثقفين والباحثين وأصحاب الخبرة، وأن تُبنى حول القضايا الكبرى لا حول المناصب. يجب أن تناقش، بصدق وعمق، أسئلة من قبيل:
ما طبيعة المشروع الكوردي في المرحلة الجديدة؟
ما الشكل الأنسب للعلاقة بين الكورد والدول التي يعيشون فيها؟
كيف يُعاد تعريف القوة الكوردية في عالم تحكمه التكنولوجيا والاقتصاد؟
ما موقع الجاليات الكوردية في بناء مشروع عالمي للقضية؟
كيف يمكن تحويل المكتسبات المحلية إلى رؤية تاريخية قابلة للحياة؟
وكيف يمكن إدارة التعدد الكوردي نفسه من دون أن يتحول إلى انقسام مدمر؟
إن طرح مثل هذه الأسئلة داخل فضاء منظم للحوار قد يكون أكثر نفعًا للحركة الكوردستانية من عشرات اللقاءات التي تُعقد تحت عنوان الوحدة، بينما هي، في العمق، عاجزة عن معالجة أسباب الانقسام نفسه. فالوحدة لا تُبنى بتأجيل الخلافات، بل بفهمها وإدارتها. ولا تُصنع بإخفاء التباينات، بل بوضعها داخل نقاش ناضج يسمح بتحويلها إلى مادة لتطوير المشروع لا لتفجيره.
وفي غربي كوردستان، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من المؤتمرات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتجربة هناك لم تعد تواجه فقط تحديات الوجود والحماية، بل تحديات المعنى والاتجاه والمستقبل. وهي تحتاج إلى ما هو أكثر من القرارات الحزبية اليومية؛ تحتاج إلى تفكير جماعي أوسع، يشارك فيه مختلف الفاعلين، ويأخذ في الاعتبار التحولات التي جرت في سوريا، وتراجع المكتسبات، وضيق الهامش الدولي، وضرورة إعادة تموضع المشروع الكوردي على أسس أكثر واقعية وعمقًا.
كما أن مؤتمرات التفكير يمكن أن تسهم في تخفيف الاستقطاب الذي بات يخنق كثيرًا من النقاشات داخل الساحة الكوردية. فحين يغيب الحوار الفكري، يعلو صوت التخندق الحزبي، ويصبح كل اختلاف تهديدًا، وكل رأي آخر شبهة. أما حين تتوفر مساحة للنقاش الحر، فإن الثقة يمكن أن تبدأ بالعودة تدريجيًا، ويمكن للاختلاف أن يتحول من عامل شلل إلى عنصر غنى.
ولا يعني هذا التقليل من أهمية الوحدة السياسية، بل على العكس، إنه دفاع عنها من زاوية أكثر جدية. فالوحدة التي تولد من حوار طويل ونقاش صادق وتفاهمات ناضجة، تكون أكثر رسوخًا من الوحدة التي تُصنع تحت ضغط اللحظة أو تحت وهم الصورة العامة. وما لم يُبنَ حد أدنى من الأرضية الفكرية المشتركة، ستظل أي وحدة معلنة معرضة للتفكك، لأنها ستبقى وحدة بين أجسام سياسية، لا بين تصورات متقاربة للمستقبل.
إن الحراك الكوردستاني يدخل اليوم مرحلة لا يكفي فيها أن يعلن أهدافه، بل يجب أن يتعلم كيف يفكر فيها جماعيًا. فالعالم يتغير بسرعة، والأسئلة التي تواجه الكورد لم تعد بسيطة أو قابلة للحسم بالشعارات وحدها. وفي مثل هذه اللحظة، يصبح التفكير الجماعي نفسه فعلًا سياسيًا من الطراز الأول.
ولهذا، فإن الدعوة إلى مؤتمرات التفكير لا تعني الابتعاد عن السياسة، بل تعني إنقاذها من السطحية، وردّها إلى عمقها الطبيعي. فالحركات التي تستثمر في الفكر، وتفتح باب النقاش الحر، وتسمح بتداول الأسئلة الكبرى، تكون أكثر قدرة على قراءة العالم، وأكثر استعدادًا لبناء مشروع سياسي قادر على الاستمرار.
وربما يكون الطريق الحقيقي إلى وحدة كوردية أكثر نضجًا لا يمر عبر مؤتمرات تُعلن فيها الوحدة مسبقًا، بل عبر مؤتمرات يُسمح فيها بالاختلاف أولًا، لأن الاختلاف حين يُدار بالفكر والحوار، قد يصبح الخطوة الأولى نحو تفاهمات أعمق، ووحدة أكثر صدقًا، ومشروع أكثر قابلية للحياة.
يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب
- كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- نحن أمة صنعت الملوك وظلت بلا تاج
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- من خسر أكثر في حرب إسرائيل وإيران وأمريكا؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...


المزيد.....




- السيد عبد الملك الحوثي: الغرب يشطب حرية التعبير عندما يتعلق ...
- إسرائيل توسع عقوبة الإعدام لتشمل الفلسطينيين في الضفة الغربي ...
- الخرطوم تستعيد عافيتها تدريجيا وعودة النازحين إليها -تفوق ال ...
- جندي إسرائيلي: قيل لنا إن قتل الأطفال -أضرار جانبية- والتطهي ...
- -شبكات- يتناول القواعد السرية بالعراق والتمهيد لإعدام أسرى ف ...
- اصطياد هذه الحشرة يعرضك للاعتقال في كينيا
- -أفريقيا- بعد انسحاب الأمم المتحدة.. من يملأ الفراغ الأمني؟ ...
- من السجن إلى المشنقة.. قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يدخل ح ...
- نادي الأسير يحذر من توجه الاحتلال لتوسيع عقوبة الإعدام بالضف ...
- الجيش الإسرائيلي يفعّل أمراً عسكرياً لإعدام الأسرى الفلسطيني ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الثانية عشرة