أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا















المزيد.....

كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 00:11
المحور: القضية الكردية
    


من غرائب ذهنية الشعب الكوردي، ومن أكثر جدلياته إيلامًا، أن كثيرًا من أبنائه ما إن يرتقوا إلى مواقع عليا داخل الدول التي تحتل كوردستان، حتى يبدأ بعضهم بالتخفف من انتمائه القومي، أو بطمسه، أو بتحويله إلى مجرد خلفية شخصية لا أثر لها في الموقف ولا في القرار القومي الكوردي. والمفارقة هنا ليست في وجود كورد في مواقع رفيعة بحد ذاته، بل في أن المنصب كثيرًا ما يتحول من نافذة محتملة لخدمة القضية إلى أداة لإعادة إنتاج الذوبان داخل سردية الدولة المسيطرة.
في إيران، يُشار إلى أن رئيس البرلمان من أصول كوردية خراسانية، وأن رئيس الجمهورية من أم كوردية. وفي العراق، يتولى الكوردي رئاسة الجمهورية، كما يتولى الكوردي وزارة الخارجية. وفي سوريا، يظهر الكوردي أو من تشكل في الوسط الكوردي داخل مواقع وزارية عليا، ثم يختفي كل ذلك تحت عباءة وطنية فضفاضة لا تعترف أصلًا بالحق القومي الكوردي. وفي تركيا، يصل أبناء عشيرة حسنة الكوردية المعروفة إلى وزارة الخارجية والمالية، ثم لا ينعكس شيء من هذا الصعود على مأساة الأمة الكوردية ولا على حقها التاريخي. وهنا تكمن الفضيحة لا الغرابة فقط، يرتفع الكوردي فردًا، بينما تبقى كوردستان تهبط قضيةً ومكانةً واعترافًا.
المسألة هنا ليست أخلاقية فقط، ولا يجوز اختزالها في شتيمة الأشخاص أو اتهامهم المجاني، لأن الجذر أعمق من الأفراد. إنها جدلية أمة حُرمت من دولتها، فعاش أبناؤها طويلًا داخل دول الآخرين، وتعلمت نخب كثيرة منها أن الصعود لا يمر عبر تمثيل الذات القومية، بل عبر إثبات الولاء للدولة الغالبة. وهكذا صار المنصب، في هذا الوعي المشوَّه، لا يُفهم بوصفه فرصة لإدخال القضية الكوردية إلى قلب الدولة، بل بوصفه ثمنًا للخروج منها نفسيًا ورمزيًا. وكلما ارتفع المقام، اشتد الضغط على صاحبه كي يبرهن أنه “وطني” كما تريد الدولة المحتلة، لا كما تفرضه حقيقة أمته.
هنا تظهر واحدة من أخطر عللنا التاريخية، أن الكوردي حين يدخل مؤسسة الدولة المحتلة لا يدخلها غالبًا بوصفه حاملًا لقضيته، بل بوصفه مطالبًا بالتطهّر منها. فيتحول الانتماء القومي عند بعضهم إلى عبء يجب تخفيفه، أو شبهة يجب نفيها، أو ذكرى ثقافية لا يجوز أن تتحول إلى موقف. وبدل أن يكون المنصب موقعًا لتوسيع حضور الأمة، يصير موقعًا لإثبات حسن السلوك أمام المركز المهيمن. ومن ثم نرى كوردًا في القمة، لكننا لا نرى كوردستان في حساباتهم، ولا نرى أثرًا لهذا الحضور على مستوى تثبيت الحق القومي الكوردي.
والأشد مرارة أن هذه العلة لا تقف عند حدود الأفراد الذين يصعدون في مؤسسات الدول المحتلة، بل تمتد إلى صلب الحركة السياسية الكوردية نفسها. وخير مثال على ذلك حزب العمال الكوردستاني، الذي انتقل من منهجية تحرير كوردستان الكبرى إلى مفهوم الأمة الديمقراطية، وكأن العلة ذاتها أعادت إنتاج نفسها ولكن بلباس أيديولوجي مختلف. فبدل أن يبقى المشروع متمركزًا حول القضية القومية الكوردية بوصفها جوهر النضال وهدفه، جرى دفعه نحو صيغة أوسع تذيب الخصوصية القومية داخل خطاب يتحدث عن شعوب وقوميات ومكونات، في وقت تملك فيه تلك القوميات أصلًا أنظمة وسلطات واقتصادًا ودولًا قائمة. وهنا تتجلى المفارقة القاسية، جهة تدعي الدفاع عن الكورد، لكنها تسخر معظم طاقاتها السياسية والعسكرية والفكرية في خدمة قوميات لها دولها وأنظمتها، بينما يبقى الشعب الكوردي، وهو الأمة المنكوبة والمجزأة والمحرومة، بلا مركزية صلبة في هذا المشروع.
وبهذا المعنى، لا يختلف هذا المسار كثيرًا عن أولئك الذين يتدرجون في مناصب الدول المحتلة ثم يذوبون في خطابها ومصالحها، لأن النتيجة في الحالتين واحدة، تراجع مركزية القضية القومية الكوردية، وتحول الكوردي مرة أخرى إلى أداة في مشاريع الآخرين، أو إلى عنصر يُطلب منه أن يخدم خرائط لا تضع كوردستان في قلبها. فالمشكلة لا تكون دائمًا في إعلان التخلي عن الكورد، بل قد تكون أحيانًا في ادعاء تمثيلهم، بينما يجري عمليًا تحويل فائض طاقتهم وتضحياتهم إلى خدمة مشاريع تتقدم فيها قضايا الآخرين على قضيتهم.
إن الدول التي تحتل كوردستان لا تمانع دائمًا في صعود الكوردي الفرد، كما أنها قد لا تعترض على حركة تدعي الدفاع عن الكورد ما دامت قد نزعت من مشروعها مركزية التحرير القومي الصريح. فالمحتل لا يخشى الكوردي بوصفه اسمًا أو منصبًا أو حضورًا عدديًا، بل يخشاه حين يتحول إلى حامل واعٍ لمشروع أمته. يُقبل به ما دام جزءًا من الزينة الوطنية، أو واجهةً لتسامحٍ مزعوم، أو شاهداً على كذبة المواطنة المتساوية، لكنه يُرفض فورًا حين يربط موقعه الرسمي أو خطابه السياسي بالحق القومي لشعبه. وربما كان هذا أحد الأسباب الجوهرية للعداء التركي المستفحل للإدارة الذاتية في غربي كوردستان؛ إذ رغم تبنّيها مفهوم الأمة الديمقراطية، ظلّ الخطاب القومي حاضرًا في الممارسة الواقعية، من حيث اللغة، وبنية الإدارة، والجو العام المسيطر على المنطقة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط، لماذا ينسى بعض الكورد قوميتهم حين يصعدون؟ بل أيضًا، لماذا بقيت مؤسساتنا القومية عاجزة عن إنتاج نموذج مختلف، يربط الموقع بالمسؤولية، والمنصب بالقضية، والنضال بهدفه الأصلي؟ لماذا لم يتحول الوعي الكوردي إلى قوة أخلاقية وسياسية تلاحق أبناءه في مواقعهم، وتحمّلهم مسؤولية تاريخية، بدل أن تتركهم يذوبون تحت عناوين الوطن والدستور والمواطنة كما تعرّفها الدول التي قامت أصلًا على إنكار الكورد؟ ولماذا لم تستطع بعض حركاتنا السياسية أن تصون مركزية القضية، بدل أن تنقل الطاقات الكوردية إلى مشاريع تتقدم فيها شعارات التعايش على حساب حق الأمة في التحرر؟
إن هذه ليست مجرد ملاحظة على سلوك أفراد أو انحراف تنظيم، بل علامة على مأزق تاريخي عميق في البنية الكوردية نفسها، مأزق شعب ما زال يخرّج أفرادًا ناجحين داخل الدول المحتلة، لكنه لم ينجح بعد في تحويل هذا الحضور الفردي إلى رافعة جماعية لقضيته، وما زالت بعض قواه السياسية تنزلق من مشروع التحرير إلى مشاريع تذويب القضية داخل فضاءات أوسع لا تمنح الكورد ما يعادل ما تأخذه منهم. ولهذا تبقى المعضلة قائمة، الكوردي يستطيع أن يصعد في برلماناتهم وحكوماتهم ومؤسساتهم، لكنه نادرًا ما يصعد بقضيته معها.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
20/4/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- نحن أمة صنعت الملوك وظلت بلا تاج
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- من خسر أكثر في حرب إسرائيل وإيران وأمريكا؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الاحتراق
- كيف نُحوّل القتلة إلى عظماء؟
- حرب المهووسين فوق أنقاض العالم
- هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟
- هل تريد إسرائيل حربًا أطول مما يحتمل ترامب؟
- ماذا لو أخطأ الطرفان في الحسابات وتحولت الحرب المحدودة إلى م ...
- ما الذي ينتظر القضية الكوردية في ظل صعود المشروع الإسلامي في ...
- المجلس الوطني الكوردي وقسد بين تمثيل الحقوق وإدارة الواقع ال ...
- سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد
- من تمثيل شعب إلى حضور شكلي، ماذا حدث؟
- هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
- الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
- لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...


المزيد.....




- تقليصات -الأونروا- في الضفة الغربية: أزمة مالية أم تصفية سيا ...
- تفاقم الوضع الإنساني في مخيمات النازحين بالسودان
- بعثة إيران بالأمم المتحدة: أمريكا تتحمل مسؤولية تعطل النقل ا ...
- آخرها التعليم.. لماذا تُقلّص الأونروا خدماتها للاجئين في الض ...
- مخيم مار إلياس.. من مظاهر التضامن في لبنان، لاجئون فلسطينيون ...
- الأمم المتحدة: أطفال دارفور وصلوا لمرحلة حرجة تحت وطأة الجوع ...
- عشرات الاعتقالات في تركيا قبيل احتفالات عيد العمال
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: محكمة الاحتلال تُقرر تمدي ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: المحكمة ترفض طلب الإفراج ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: الاحتجاز التعسفي للطبيب أ ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا