أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد














المزيد.....

سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 10:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هيئة تحرير الشام ورئيسها أحمد الشرع لا يؤسسون دولة، بل يعيدون إنتاج نموذجٍ مُقنّع للخلافة؛ لا يكتبون دستورًا، بل يهيئون الأرضية لفرض شريعة مؤدلجة وفق قراءات انتقائية تُنسب إلى تراثٍ فقهي يُستخدم كأداة حكم لا كمنظومة قيم. الحكومة تُقدَّم بوصفها مؤقتة، أما مركز القرار فمصاغٌ بعقلية ديمومة مغلقة، تستند إلى تصورٍ قدري للسلطة، يجعل الحكم “تفويضًا إلهيًا” لا يخضع للمساءلة، ويحوّل المجتمع إلى تابعٍ لإرادة تُقدَّم بوصفها فوق التاريخ وفوق الإنسان.
هنا تتشكل أخطر معادلة سياسية، خطابٌ مرن في الواجهة، وممارسة صلبة في العمق. تُفتح مساحات شكلية للاعتراض، تُنظَّم المسيرات، ويُسمح بالكلام، لكن ما يُقرَّر يُنفَّذ بوصفه “حكمًا نهائيًا”، لأن مصدره ليس قابلًا للنقاش. هكذا يُصاغ وعيٌ مزدوج، سلطة تقول شيئًا، وتفرض نقيضه، وتُقنع المجتمع أن الاعتراض ممكن، ما دام بلا أثر. هذه ليست براغماتية، بل هندسة دقيقة لتدجين الوعي وتحييد الفعل.
تُصدَّر القرارات كوقائع منجزة، ويُمهَّد لها بخطابٍ تعبوي يمنح الناس هامشًا لفظيًا للاعتراض، بينما تُغلق كل المسارات الفعلية للتأثير. وعندما تُربط هذه القرارات بتأويلات دينية، يصبح رفضها مؤطرًا بوصفه رفضًا للنص ذاته، فتتحول السياسة إلى حقل تكفير، ويُدفع المجتمع إلى معادلة قسرية، القبول أو الاتهام. عندها لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يُعاد تعريفه كخروجٍ عن “الحق”، بما يفتح الباب لشرعنة الإقصاء. والإقصاء في هذا السياق مجرد فعل سياسي يُمارَس بأدوات السلطة، بل تحوّل إلى فعلٍ مُؤسَّس لاهوتيًا، تُمنحه الشرعية من داخل خطاب ديني مُسيَّس، لا من خارجه. فحين تُرفَع صرخات “الله أكبر” بوصفها خاتمة لكل قرار، أو غطاءً لكل إجراء، فإنها لا تبقى تعبيرًا إيمانيًا بريئًا، بل تتحول، في هذا الاستخدام، إلى آلية تحصين رمزي، تُغلق باب الاعتراض قبل أن يُفتح.
سوريا في هذا المسار لا تُدار كدولة، بل كفضاءٍ يُعاد تشكيله أيديولوجيًا. تُكسى بالرموز، وتُرفع الشعارات، بينما يجري تفريغ المجال العام من التعدد، وتحويل المؤسسات إلى أدوات لنشر رؤية واحدة. المعارضة تُحتوى شكلًا، لكن البنية الحاكمة تُحصَّن ضد أي تغيير حقيقي. وهنا تكمن الحنكة الأخطر، إظهار الانفتاح كغطاء، وتكريس الإغلاق كجوهر.
لم يعد الرعب في سوريا محصورًا بأجهزة الأمن ومربعاتها، بل تمدّد ليصبح مناخًا عامًا. الخطر لم يعد قابلًا للتحديد في جهة واحدة، لأنه تسلّل إلى الشارع، إلى المدرسة، إلى اللغة اليومية، إلى طريقة التفكير ذاتها. لم يعد القمع حدثًا، بل صار بيئة. لم يعد الخوف رد فعل، بل تحول إلى قناعة تُعاد إنتاجها كل يوم.
هذه المنظومة لا تعمل على إسكات الأصوات فحسب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان ذاته: فردٌ خائف، منغلق، مُطوّع لرؤية واحدة. إنها أخطر من أجهزة القمع التقليدية، لأنها لا تُعاقب فقط، بل تُعيد برمجة المجتمع، وتحوّل الخوف من أداة إلى ثقافة، ومن استثناء إلى قاعدة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، حين يتحول الخوف من سلطة إلى ثقافة، ومن إجراء إلى سلوك يومي، يصبح المجتمع بأكمله رهينة. لا يُقمع فقط، بل يُعاد تشكيله ليقبل القمع كجزء من تعريفه لذاته. عند هذه النقطة، لا يعود الانحدار احتمالًا، بل مسارًا مكتمل الأركان.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الالتفاف الجماهيري حول أحمد الشرع، خصوصًا في المهجر، بوصفه تعبيرًا عن قناعة فكرية أو تبنّيًا واعيًا لمشروعه، بل كارتداد نفسي وسياسي عنيف ضد إرث النظام المجرم البائد. إنه تعبير عن كراهية عميقة لمرحلةٍ سابقة، أكثر مما هو تأييدٌ لمرحلةٍ قادمة. غير أن هذا الارتداد، بدل أن يفتح أفقًا نقديًا، انزلق في كثير من الأحيان إلى اصطفافٍ عاطفي، تُغلَّب فيه الهوية المذهبية على المعايير السياسية والعقلانية.
وهنا يظهر الخلل الأخطر، حين تتحول الهوية إلى معيار وحيد للحكم، يُعلَّق النقد، ويُغضّ الطرف عن الممارسات، مهما بلغت من تطرف أو عنف. لا يعود السؤال، ماذا يُبنى؟ بل، من الذي يحكم؟ فتُختزل الدولة في انتماء، ويُبرَّر المشروع، أيًّا كان، بمجرد توافقه مع هويةٍ معينة. عندها، لا يعود التطرف عائقًا، بل يُصبح تفصيلًا ثانويًا أمام نشوة، التمثيل.
إن هذا المنطق لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج الكارثة بصيغة مختلفة. فحين يُستبدل استبدادٌ بآخر، وتُستبدل أيديولوجيا بأخرى أكثر انغلاقًا، فإن النتيجة لا تكون تحررًا، بل انتقالًا من قمعٍ إلى قمعٍ أشد عمقًا، لأنه يتسلل إلى الوعي قبل أن يفرض نفسه على الواقع.
وهكذا، لا يعود الخطر محصورًا في السلطة أو أدواتها، بل يمتد إلى قابلية اجتماعية تتسامح مع هذا المسار، بل وتبرّره. وهنا، لا تكون الأزمة أزمة نظام فقط، بل أزمة وعيٍ يُعيد إنتاج ما ثار عليه، دون أن يدرك أنه يسير نحو ظلامٍ أشد قسوة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
27/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تمثيل شعب إلى حضور شكلي، ماذا حدث؟
- هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
- الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
- لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...
- سرّ الصمود الإيراني
- لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...
- الحلقة الثالثة، التآكل الداخلي، لماذا يستمر الصراع الكوردي - ...
- الكورد وإيران في زمن الحرب بين لحظة الفرصة وفخّ التاريخ
- إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصاد ...
- إيران بين الاحتواء الأمريكي وسيناريو التفكيك
- دروس للكورد من قلب الصراع الجاري في المنطقة وكيفية إدارة خلا ...
- إيران بعد سوريا هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل؟


المزيد.....




- الأعلى في ولايتي ترامب.. سعر الوقود بأمريكا يصل إلى 4 دولارا ...
- بعد 27 عامًا على رحيلها.. أسلوب موضة كارولين بيسيت كينيدي يع ...
- دبي: التعامل مع حادث سقوط شظايا أدى إلى أضرار بمنازل و4 إصاب ...
- البيت الأبيض: إيران ستواجه -عواقب وخيمة- إذا لم تتوصل إلى ات ...
- ما هو تأثير تطبيق الإغلاق المبكر على الحياة اليومية في مصر؟ ...
- إيران تستهدف ناقلة نفط قبالة دبي بعد تهديد ترامب بتدمير منشآ ...
- مقتل 4 جنود إسرائيليين في معارك مع عناصر من حزب الله بجنوب ل ...
- سوريا: زيارة الشرع لبرلين ولندن توازيها تطورات مفصلية على ال ...
- ولاية فلوريدا تقر إطلاق اسم دونالد ترامب على مطار بالم بيتش ...
- إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة ف ...


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد