أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الانكسار؟














المزيد.....

الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الانكسار؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 09:14
المحور: القضية الكردية
    


في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة.
هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد التحولات العسكرية والسياسية التي أعادت ترتيب الموازين، وتراجع بعض المكاسب، وانكشاف حدود الرهانات الدولية.
البيئة المحاصَرة أمنيًا وسياسيًا تنتج حساسية مفرطة. حين يشعر المجال بأنه مهدد، تتقلص مساحة الاحتمال، ويصبح الخطاب أكثر توترًا. ومع كل انتكاسة، سواء عسكرية أو سياسية أو في علاقات التحالف، يتعزز القلق الداخلي. القلق لا يبقى شعورًا عابرًا؛ بل يتحول إلى تشدد دفاعي.
ضعف الإنجاز أو تراجعه يعزز هذا القلق. وعندما يصعب تفسير التراجع ضمن خطاب تعبوي سابق، يبحث الخطاب عن تفسير بديل. هنا يبدأ التحول الخطير، بدل مراجعة البنية، يُعاد توجيه الطاقة نحو الداخل، ويُبحث عن “سبب” شخصي أو تنظيمي يمكن تحميله المسؤولية.
في هذه اللحظة يصبح الناقد أسهل هدف.
النقد البنيوي، الذي يفكك الإيديولوجيا أو يحلل الخيارات الاستراتيجية، يُعاد تأطيره بوصفه تشكيكًا في “المشروع”. وحين يرتبط المشروع برمزية قيادات معينة أو بأسماء تاريخية مثل عبدالله أوجلان، يتحول النقاش من مستوى الفكرة إلى مستوى الولاء.
الجدل حول مفهوم “الأمة الديمقراطية” مثال واضح على ذلك. فهناك تيار يرى في هذا الطرح محاولة لتجاوز الدولة القومية، بينما يراه تيار قومي كوردي تقليدي تنازلًا عن الإطار القومي الصريح. ومع تكرار أوجلان من سجنه أن مشروعه “ينقذ تركيا من التفكك”، ينقسم التأويل، هل هو خطاب براغماتي يضغط على الأحزاب التركية للاعتراف بالحقوق الكوردية عبر تحذيرها من نتائج الاستمرار في الإنكار؟ أم هو إقرار ضمني بإبقاء تركيا موحدة ضمن تصور يتجاوز الانفصال القومي؟
هذه الجدلية الفكرية تحولت، في لحظات الانكسار، من نقاش إيديولوجي إلى مادة تنافر. من يختلف مع منهجية “الأمة الديمقراطية” يُتهم بالعداء للمشروع التحرري، ومن يدافع عنها يُتهم بالتفريط بالقومية الكوردية.
وحين تعرضت قوات سوريا الديمقراطية لضغوط عسكرية وسياسية، وحين شعرت الإدارة الذاتية بحدود الحماية الدولية بعد تراجع الالتزام الأمريكي، تصاعدت موجة النقد. لكن بدل أن تبقى في إطار المراجعة، انزلقت في كثير من الأحيان إلى كراهية حادة. القلق الناتج عن الشعور بالتخلي الخارجي يُنتج رد فعل داخليًا دفاعيًا، ويبحث عن تفسير سريع، الخلل في الأشخاص، لا في البنية.
التشدد يحتاج إلى عدو. وفي البيئات المنقسمة، يكون العدو الأقرب هو المختلف في الرؤية. وهكذا يتحول الاختلاف الإيديولوجي إلى اصطفاف أخلاقي، ويصبح السؤال، “مع من أنت؟” بدل “ما الذي تقترحه؟”.
هذه الآلية لا تخص طرفًا واحدًا. إنها نمط متكرر في البيئات التي تعيش ضغطًا وجوديًا. كلما ضاق الأفق السياسي، ارتفع سقف الاتهام. وكلما تراجعت القدرة على الإنجاز، ازداد الميل إلى حماية الرمز بدل مراجعة المسار.
الكراهية لا يحلّ الأزمة؛ بل يعمّقها ويحوّلها من خلافٍ سياسي إلى شرخٍ وطني. فهو ينقل النقاش من مساءلة الفكرة إلى تحصين الهوية، ومن نقد المشروع الكوردستاني إلى الاصطفاف خلف قيادات بعينها. وعندما يُختزل الاختلاف في معيار الولاء لأحد الأطراف الكوردستانية، تنكمش المساحة التي تُبنى فيها التسويات، ويتحوّل النقد من أداة تصحيح إلى قرينة اتهام، وتغدو كوردستان نفسها رهينة حساسيات داخلية بدل أن تكون المرجعية العليا التي يُحتكم إليها.
في نهاية المطاف، لا يستطيع أي مشروع سياسي أن يحتمي طويلًا بلغة التنافر والكراهية. فالمشاريع التي تخاف من النقد البنيوي، مهما بدا قاسيًا، تكشف هشاشتها الداخلية أكثر مما تحمي تماسكها. النقد ليس تهديدًا للوجود، بل شرطًا لاستمراريته؛ أما تحويله إلى جريمة أخلاقية، فهو إعلان ضمني بأن البنية تخشى المساءلة.
حين يصبح التنافر وأحيانا التخوين أداة ضبط داخلي، فإن ذلك لا يدل على قوة المشروع، بل على قلقه من المراجعة. والمشروع القلق لا ينتج استقرارًا، بل ينتج تشددًا دفاعيًا يتغذّى على الاشتباه الدائم.
السؤال الذي يواجه القوى الكوردستانية اليوم ليس، من المخطئ ومن المصيب؟ بل، هل يمكن إدارة الاختلاف بوصفه ضرورة سياسية لا خطرًا وجوديًا؟ هل يمكن صون الرموز دون تأليهها؟ وهل يمكن إعادة بناء الثقة العامة من دون إعادة تعريف مساحة النقد باعتبارها جزءًا من الشرعية لا اعتداءً عليها؟
إن المجال السياسي الذي لا يحتمل ناقديه، يتحول تدريجيًا إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج ذاته بخطاب واحد. وعندها لا يكون الانقسام نتيجة الخلاف، بل نتيجة ضيق الأفق. فالمجال الذي يُقصي المختلفين يضيق شيئًا فشيئًا، حتى لا يختنق إلا بصوته الخاص.



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...
- الحلقة الثالثة، التآكل الداخلي، لماذا يستمر الصراع الكوردي - ...
- الكورد وإيران في زمن الحرب بين لحظة الفرصة وفخّ التاريخ
- إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصاد ...
- إيران بين الاحتواء الأمريكي وسيناريو التفكيك
- دروس للكورد من قلب الصراع الجاري في المنطقة وكيفية إدارة خلا ...
- إيران بعد سوريا هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل؟
- إسقاط النظام الإيراني، مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟
- الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بع ...
- لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
- هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل ...
- الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
- جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السوري ...
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...
- الكونغرس يضع ترامب أمام حدود السلطة، لا حرب بلا تفويض دستوري


المزيد.....




- مطالب بالإفراج عن نشطاء -أسطول الصمود- المعتقلين في تونس
- عاصفة رملية في غزة تُدمر مخيمات الفلسطينيين النازحين.. وتحول ...
- البحرين: اعتقال 6 أشخاص بتهمة نشر مقاطع -تعاطفت- مع هجمات إي ...
- تفكيك خلايا إرهابية في طهران.. اعتقال 25 عنصراً تورطوا في تح ...
- اليونيسف: أطفال غزة يتعرضون لانتهاكات وحشية ويحتاجون إلى الأ ...
- الاعتقال الإداري يلاحق فلسطينيي الداخل.. ملفات سرية وعزل ممن ...
- ملفات سرية وعزل بلا تهم.. الاعتقال الإداري يطال فلسطينيي 48 ...
- غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء وسط خروقات إسرائيلية وعاصفة رملية ...
- غزة: 7 شهداء و13 مصابا وعاصفة رملية تضاعف معاناة النازحين
- 7 شهداء خلال يومين.. عاصفة رملية تضاعف مأساة النازحين في قطا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الانكسار؟