أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول سوريا














المزيد.....

الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول سوريا


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 20:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن كلمة وزير الخارجية الأمريكي حول سوريا، على هامش فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن، تصريحًا عابرًا في زحمة الدبلوماسية الدولية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية دقيقة، موجهة إلى أكثر من طرف، وفي أكثر من اتجاه. فقد بدا لافتًا تفضيله الاجتماع بالسوريين على لقاء الوفد الأوكراني، رغم التزامن الزمني، واعتباره الملف السوري “الأهم” في تلك اللحظة. غير أن أهمية الحدث لم تكن في ترتيب الأولويات فحسب، بل في طبيعة الاجتماع ذاته، جمع وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني بالجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد ممثلًا عن الكورد، في مشهدٍ دبلوماسي مدروس بعناية.
ذلك الاجتماع لم يكن مجرد لقاء تنسيقي، بل إعلانًا ضمنيًا عن خيار سياسي أرادت الإدارة الأمريكية تسويقه، الإبقاء على سوريا قطعة واحدة بدل سيناريو (تفكيكها إلى ثمانية عشر جزءًا). هذا التضخيم العددي لم يكن توصيفًا واقعيًا بقدر ما كان أداة خطابية تُظهر رفضًا سياسيًا ونفسيًا للخيار الآخر، أي خيار اللامركزية الفيدرالية، عبر تصويره بوصفه تفتيتًا كارثيًا يهدد الاستقرار الإقليمي. وفي العمق، يعكس هذا الخطاب أن الإدارة لم تكن مقتنعة بالكامل بالخيار المركزي، لكنها اختارته باعتباره الأقل كلفة ضمن موازين القوى الجديدة.
إضافة إلى ذلك، تم التلويح بإشكاليات أخرى لتبرير التحول، سهولة عودة أدوات إيران، احتمال ظهور داعش مجددًا، وخطر الفوضى في المنطقة. غير أن هذه الجدلية لم تكن محل إجماع داخل الإدارة الأمريكية نفسها. فما يصدر عن الكونغرس من حوارات ومداولات حول سوريا يكشف بوضوح استمرار الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بشأن طبيعة الحل. هذا التباين انعكس أيضًا في تكليف الرئيس ترامب وزير الخارجية مباشرة بالمهمة، وإبعاد توماس باراك عن هذا المسار الحواري الذي جرى ضمن هامش فعاليات مؤتمر ميونيخ، في خطوة تعكس إعادة توزيع للأدوار داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.
المعطيات تشير إلى أن الولايات المتحدة وضعت خطتين للتعامل مع الملف السوري. الأولى، التي يسعى ماركو روبيو إلى إظهارها وكأنها أُلغيت، كانت تقوم على دعم نموذج لا مركزي، أقرب إلى الفيدرالية، استنادًا إلى تجربة التعاون الطويل مع قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وهو الخيار الذي حظي بدعم ملحوظ في الكونغرس ولجانه المعنية بالشرق الأوسط، إلى جانب سياسيين كبار من الحزبين. أما الخطة الثانية، فقد دفعت باتجاه دعم نظام مركزي جديد، والتعامل مع حكومة أحمد الشرع بوصفها شريكًا انتقاليًا، مع إزالة صفة الإرهاب عنه وعن هيئة تحرير الشام.
التحول في التكتيك الأمريكي لم يكن وليد قناعة استراتيجية راسخة، بل نتيجة تداخل ضغوط إقليمية ودبلوماسية كثيفة، أموال سعودية وقطرية وإماراتية، تجاوزت 4 تريليون دولار، وضغط تركي مباشر عبر دبلوماسية أردوغان، التي استطاعت، بحسب معطيات متعددة، إقناع إدارة ترامب بإعادة النظر في التحالف مع الكورد والتركيز على مركزية الدولة السورية. وكان لتوماس باراك دور بارز في هذا التحول، قبل أن يُستبعد لاحقًا من مسار الحوار الأخير في ميونيخ.
المفارقة أن وزير الخارجية نفسه، خلال حملته الرئاسية السابقة، كان من مؤيدي اللامركزية في سوريا في ظل نظام بشار الأسد، ما يعني أن التغيير في الموقف لم يكن تحوّلًا فكريًا طويل الأمد، بل إعادة تموضع سياسية حدثت خلال أسابيع، قبيل فتح الباب أمام تركيا لدعم هيئة تحرير الشام عسكريًا، والاتفاق مع روسيا على إخراج الأسد إلى موسكو.
في هذا السياق، تبدو رسالة وزير الخارجية موجّهة في جوهرها إلى الكونغرس الأمريكي، لا إلى السوريين أو الكورد وحدهم. فقد أراد طمأنة نحو خمسين عضوًا في الكونغرس كانوا حاضرين في ميونيخ، وفي مقدمتهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي عقد اجتماعات مع رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ومن ثم مع الجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد، وناقش مع كل طرف القضية الكوردية، بل الكوردستانية، بصيغة أوسع من الإطار السوري الضيق. كان الهدف الإيحاء بأن دعم سوريا المركزية لا يعني التخلي عن الكورد، وأن لقاء مظلوم عبدي وإلهام أحمد يحمل دلالة سياسية واضحة.
لكن السؤال الأهم، هل يقبل الكونغرس بهذه الجدلية؟ تصريحات غراهام وسيناتور آخر حول تمرير قانون لحماية الكورد، والتأكيد على عدم تغيير الموقف من الحكومة السورية الانتقالية، تشير إلى أن الخلاف ما زال قائمًا. وهو خلاف يتجاوز الملف السوري ليصل إلى جوهر الصلاحيات الدستورية، كما ظهر مؤخرًا في تحذيرات الكونغرس للرئيس ترامب بشأن أي تحرك عسكري ضد فنزويلا أو إيران دون تفويض دستوري.
هنا تتضح معالم الصراع المؤسسي داخل واشنطن، إدارة تسعى إلى إعادة صياغة أولوياتها في الشرق الأوسط وفق مقاربة براغماتية قصيرة الأمد، وكونغرس يتمسك برؤية مؤسسية أوسع، ترى في حماية الحلفاء المحليين، وفي مقدمتهم الكورد، جزءًا من المصداقية الاستراتيجية الأمريكية. وبين هذين المسارين تتشكل معادلة سوريا الجديدة، لا بوصفها قرارًا نهائيًا، بل ساحة اختبار لتوازن القوى بين السلطتين، ولحدود البراغماتية الدبلوماسية في مواجهة الالتزامات الأخلاقية والسياسية طويلة الأمد.
وهنا يتكشف المشهد وكأن الولايات المتحدة تخوض صراعًا داخليًا مركبًا، لا يقتصر على خلاف سياسي عابر، بل يعكس تباينًا عميقًا بين مراكز القرار داخل بنية الدولة ذاتها. فمن جهة، ثمة أطراف داخل ما يُسمى اصطلاحًا بـ«الدولة العميقة» تتنازع حول اتجاهات التغيير الداخلي، وحول حدود إعادة تموضع أمريكا في النظام الدولي. ومن جهة أخرى، يظهر تناقض واضح بين منطق “الإمبراطورية التنفيذية” الذي تمثله الإدارة، أي إدارة ترامب، وبين منطق “المؤسسة الحضارية-الدستورية” التي يجسدها الكونغرس بوصفه سلطة تشريعية ذات شرعية مؤسسية راسخة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
15/2/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...
- الكونغرس يضع ترامب أمام حدود السلطة، لا حرب بلا تفويض دستوري
- مؤتمر ميونيخ 2026 يكرّس حضور القيادات الكوردية في معادلة الق ...
- روجافا لم تفشل، بل أُسقِطت على طاولة الصفقات
- بعد جلسة الكونغرس حول سوريا
- خالد مشعل بين إيران وتركيا: تبدّل الرعاة وثبات الوظيفة
- أمريكا تستهدف المركز وإسرائيل تضرب الأطراف، من يدير معركة إي ...
- حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، ...
- حين تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالخوارزميات كوردستان في قلب ال ...
- ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار
- ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني
- نداء إلى كل من يؤمن بالسلام ويقف في وجه الإرهاب
- حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها
- نداء إلى أمتنا الكوردية وإلى حراكنا الكوردستاني


المزيد.....




- شبكة تجنيد سرية.. كيف تستخدم روسيا مجموعة -فاغنر- لتنفيذ عمل ...
- -تغييرٌ للواقع الديمغرافي-.. أكثر من 85 دولة ومنظمة تدين إج ...
- أمريكا وإسرائيل.. توافق على مواجهة إيران واختلاف في الاسترات ...
- مرجعيات بالقدس: القيود الإسرائيلية على الصلاة بالأقصى -تصعيد ...
- لأنه تستَّر على ضلوع كبار موظفيه.. جرائم إبستين تهدّد ستارمر ...
- المتحدث باسم غوتيريش للجزيرة: إجراءات إسرائيل في الضفة مخالف ...
- معلّق سويسري ينتقد مشاركة الإسرائيلي آدام إدلمان في الأولمبي ...
- رمضان يطرق أبواب غزة وفرحة منقوصة تحت ركام الحرب
- موسكو وكييف وواشنطن تنهي أول أيام المفاوضات دون تقدُّم
- كيف تفاعل الداخل الإسرائيلي مع -خطة الضفة الغربية-؟


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول سوريا