أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، بل ضرورة














المزيد.....

حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، بل ضرورة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 23:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة السادسة من سلسلة تحليلية
لم يعد العالم يُدار اليوم بالخرائط وحدها، ولا تُعاد صياغة الشرق الأوسط بالجيوش فقط، بل بخوارزميات الأسواق، وذكاء البيانات، ومنطق السيطرة الناعمة التي تسبق القوّة وتُرافقها. ففي زمن الطفرة التكنولوجية المتسارعة، لم تعد الدولة العميقة الأميركية بنية جامدة تستند حصريًا إلى ترسانة عسكرية، بل تحوّلت إلى منظومة عصرية هجينة، تمزج بين أدوات الهيمنة الكلاسيكية وأدوات السيطرة الخوارزمية، وتعيد عبرها ترتيب الجغرافيا السياسية بما ينسجم مع مصالح الإمبراطورية في طورها الجديد.
ضمن هذا التحوّل، لا تُعاد هندسة الشرق الأوسط بوصفه ساحة صراع عقائدي أو ديني بقدر ما يُعاد تشكيله كمجالٍ وظيفي للاختبار والإدارة، حيث تُستبدل الأنظمة، وتُعاد تسمية الخصوم، وتُصاغ التحالفات وفق معيار واحد: القدرة على إنتاج استقرارٍ قابلٍ للاستثمار. في هذا السياق، جرى تحويل العراق من دولة ذات بنية سنّية حاكمة إلى عراقٍ شيعيّ النفوذ، ويُراد لسوريا العلوية–الشيعية أن تُدفع نحو نموذج سنّي تكفيري، كما تحوّلت تركيا من الكمالية إلى الأردوغانية السنّية، وقبلها انتقلت إيران من علمانيتها إلى دولة دينية شيعية، وتكرّرت التحوّلات ذاتها في لبنان ومصر وليبيا وتونس، بينما تطرق ارتداداتها اليوم أبواب الخليج، إيذانًا بمرحلة مراجعة شاملة للجغرافيا السياسية والقومية للشرق الأوسط.
وفي قلب هذا المشهد المعاد تشكيله، لا تظهر كوردستان كطارئ سياسي أو مطلبٍ مؤجَّل، بل كإحدى النتائج البنيوية لتحوّل النظام العالمي نفسه، وكفاعلٍ يتماهى موضوعيًا مع منطق الدولة العميقة العصرية أكثر مما يتصادم معه. فهي تتقدّم من الهامش إلى القلب، لا عبر الخطاب، بل عبر الوظيفة، السياسية، والاقتصادية، والأمنية.
من هنا، يأتي هذا النص بوصفه محاولة لقراءة هذا التحوّل من منظور بنيوي أوسع، لا من زاوية الحدث العابر أو القرار الآني، رابطًا بين الإمبراطورية الأميركية في طورها الخوارزمي، وإعادة هندسة الشرق الأوسط، ومكانة كوردستان في هذا المشهد الجديد، حيث تُعاد صياغة النفوذ لا بالقوة وحدها، بل بمنطق الاستقرار القابل للإدارة في زمن الخوارزميات.
قريبًا، لن يكون السؤال المطروح أمام الولايات المتحدة هو من يحكم الشرق الأوسط، بل أي شرق أوسط يمكن إدارته ضمن منطق الإمبراطورية الخوارزمية. فالعالم يتجه سريعًا نحو مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد القواعد العسكرية، بل بمدى السيطرة على سلاسل التكنولوجيا، والبيانات، والطاقة، وممرات الاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو إدارة دونالد ترامب، في ولايتها الثانية، جزءًا من هذا التحوّل لا استثناءً عنه، مهما بدت مواقفها متناقضة أو صادمة على السطح.
الدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة لم تعد معنية بإنتاج «حلفاء أيديولوجيين»، بل بشركاء قادرين على ضمان الاستقرار، ومنع الفوضى، وتأمين المصالح بأقل كلفة ممكنة. ومن هنا، فإن محاولات تعويم قوى متطرفة، أو إعادة تدوير تنظيمات ذات خلفيات تكفيرية تحت عناوين سياسية مؤقتة، لن تصمد طويلًا أمام اختبارات الواقع. فالتجربة أثبتت، مرارًا، أن الاستثمار في الفوضى يعود دائمًا بنتائج عكسية، وأن الإرهاب، مهما تغيّر اسمه أو شكله، لا يتحول إلى شريك مستدام.
في المقابل، تبرز كوردستان، بشطريها السوري والعراقي، بوصفها أحد النماذج القليلة في الشرق الأوسط التي أثبتت قدرتها على التكيّف مع منطق العصر، ليس لأنها «مفضّلة» أخلاقيًا، بل لأنها مفيدة استراتيجيًا. فالمجتمع الكوردي، بقواه السياسية والعسكرية، قدّم نموذجًا مختلفًا، مقاومة عملية للإرهاب، انفتاح على الاقتصاد العالمي، قبول بالتعددية، واستعداد للاندماج في منظومة إقليمية لا تقوم على الإلغاء.
قريبًا، ستدرك واشنطن، إن لم تكن قد بدأت تدرك بالفعل، أن تقليص دور القوى الكوردية لصالح ترتيبات هشة، خاضعة لضغوط إقليمية أو لإغراءات مالية قصيرة الأمد، ليس سوى مقامرة خاسرة. فالكورد لم يكونوا حليفًا ظرفيًا في الحرب على داعش فحسب، بل خط دفاع متقدم ضد عودة الإرهاب بأشكاله الجديدة، وضامنًا لاستقرار نسبي في منطقة تعاني من فراغ الدولة وانهيار البنى التقليدية.
أما دونالد ترامب، فسيُقرأ، في نهاية المطاف، لا بوصفه رئيسًا أحدث فوضى، بل كأحد رموز المرحلة الانتقالية بين إمبراطوريتين، إمبراطورية السلاح، وإمبراطورية الخوارزميات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تُخطئ الإمبراطوريات حين تخلط بين الربح السريع والمصلحة بعيدة المدى. وكوردستان، في هذا المعنى، ليست عبئًا على الاستراتيجية الأميركية، بل أحد شروط نجاحها.
إن المشهد القادم لن يُدار بمنطق الشعارات، ولا بالخطابات الشعبوية، بل بقدرة الشركاء على إنتاج الاستقرار، وضمان المصالح، ومنع الانهيار. وفي هذا المشهد، لن يكون السؤال،
هل تحتاج أمريكا إلى الكورد؟
بل، هل تستطيع الاستغناء عنهم دون أن تدفع الثمن؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
2/1/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالخوارزميات كوردستان في قلب ال ...
- ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار
- ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني
- نداء إلى كل من يؤمن بالسلام ويقف في وجه الإرهاب
- حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها
- نداء إلى أمتنا الكوردية وإلى حراكنا الكوردستاني
- المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية
- لعنة السلطة في سوريا حين تعيد التاريخ بوجهٍ أكثر قبحًا
- دماء السوريين في رقاب الإعلام العربي
- بين الجولاني والشيباني، صراع الأصل والوكيل
- حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟


المزيد.....




- ريم الهاشمي: تصرفات إيران -غير عقلانية- و-غير مقبولة-
- هل ستستخدم إسرائيل سلاحًا نوويًا ضد إيران؟ ترامب يعلق
- ترامب يطالب بحماية مضيق هرمز ويدعو لإرسال سفن حربية.. فكيف ر ...
- خليجيون يشنون هجوما على مصر بسبب الهجمات الإيرانية بالتزامن ...
- مسلسل -أب ولكن- يفتح ملف حق رؤية الأب لأطفاله بعد الطلاق في ...
- كيف تستمر طائرات الركاب في التحليق أثناء الحرب؟
- تحقيق -أمن مطلق- في هرمز غير ممكن.. حتى مع مشاركة الناتو؟
- -لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب- لأسماء عزايزة: الشعر في مواج ...
- كيف تفاعل المغرّدون مع العملية الإسرائيلية البرية بلبنان؟
- رحلات الضرورة.. كيف يعمل الممر الجوي الآمن في قطر؟


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، بل ضرورة