أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق














المزيد.....

ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 03:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشير التطورات المتسارعة في سوريا والعراق إلى تبلور مقاربة أمريكية جديدة لإدارة ملفات المشرق، يمكن رصد ملامحها في السياسات التي يُنسب رسم خطوطها إلى توماس باراك. لا تقوم هذه المقاربة على حلول بنيوية طويلة الأمد، بقدر ما تعتمد على إعادة ترتيب القوى المحلية وفق منطق الوظيفة والاحتواء المرحلي، تحت عنوانين مركزيين، حماية الأمن الإسرائيلي وضمان المصالح الأمريكية في الإقليم.
في هذا السياق، يمكن فهم الانتهاكات التي طالت المكونات العلوية والدرزية، ثم لاحقًا استهداف الكورد وقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها مؤشرات على إعادة تعريف الأولويات الميدانية، أكثر من كونها أحداثًا منفصلة أو ناتجة عن اختلالات أمنية مؤقتة. كما يُرجّح أن ملف الدروز لم يُغلق نهائيًا، بل جرى تأجيله إلى مرحلة لاحقة، تبعًا لحسابات الدور الوظيفي لكل مكوّن في معادلة الاستقرار المرحلي.
وتُظهر القراءة الإستراتيجية أن هذه المقاربة لا تتوقف عند الجغرافيا السورية، بل تمتد منطقيًا إلى العراق، حيث يُتوقع أن تتعرض بنية الحشد الشعبي والعلاقة بين الحكومة العراقية والفاعلين غير الدولتيين إلى ضغوط متزايدة، تحت المبررات ذاتها المرتبطة بالأمن الإقليمي والتوازن مع إسرائيل. ويأتي ذلك في إطار إعادة صياغة المجال الأمني المشرقي، لا عبر التسويات السياسية، بل من خلال ضبط الصراعات وإعادة توجيهها.
في المقابل، يبدو أن تركيا جرى تحييدها جزئيًا عن ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها غزة، مقابل منحها هامش حركة أوسع داخل الساحة السورية. هذا الترتيب غير المعلن يشير إلى مقايضة إستراتيجية، تسمح لأنقرة بلعب دور أمني مباشر في سوريا، مع إبقاء تدخلها ضمن سقوف مرسومة، لا تمس التوازنات الكبرى التي تهم واشنطن وحلفاءها.
أما المسار الأكثر حساسية في هذه الإستراتيجية، فيتمثل في التعاطي مع حكومة أبي محمد الجولاني والتنظيمات السنية المسلحة المرتبطة بها. فعملية رفع بعض القيود السياسية والإعلامية عنه، وإعادة تقديمه بوصفه فاعلًا يمكن التعامل معه، تعكس توجهًا أمريكيًا براغماتيًا لا يستند إلى تغيير جوهري في طبيعة هذه القوى، بقدر ما يقوم على توظيفها كأدوات مرحلية لضبط الجغرافيا السنية في سوريا. ومن دون هذا الغطاء الأمريكي، يصعب تصور قدرة هذه الكيانات على اكتساب شرعية أو وزن سياسي مؤثر، سواء إقليميًا أو داخل البيئة السنية ذاتها.
غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن عمليات التعويم السريع، حين لا تُرافقها عملية تحول بنيوي حقيقي، تحمل في داخلها عوامل عدم الاستدامة. فالصعود المدفوع خارجيًا غالبًا ما يُنتج هشاشة داخلية، ويُسرّع من تآكل الشرعية مع أول اختبار أخلاقي أو سياسي.
وتبرز في هذا السياق مؤشرات مقلقة، تتعلق بالانتهاكات التي رافقت توسع نفوذ هذه القوى، بما في ذلك الاعتداءات على مكونات دينية وقومية مختلفة، والتوتر المتزايد مع الكورد، إلى جانب خطاب إعلامي إقصائي. هذه العوامل، إن استمرت، ستقوّض أي محاولة لتقديم نموذج حكم مستقر أو قابل للتسويق دوليًا.
ومن زاوية مقارنة، يمكن الاستفادة من التجربة العراقية بعد 2003، حيث أدى تمكين قوى طائفية على حساب مشروع وطني جامع إلى تفكك الدولة، وتفشي الفساد، وظهور صراعات داخلية مدمرة. وتشير المعطيات إلى أن إعادة إنتاج نموذج مشابه في سوريا، وإن بمرجعية سنية هذه المرة، يحمل المخاطر ذاتها: تهميش المكونات غير السنية، تقويض الحقوق القومية للكورد، وتكريس سلطة أحادية تؤدي في النهاية إلى التآكل الداخلي.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الإستراتيجية الأمريكية الراهنة قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنها تحمل في بنيتها مخاطر إستراتيجية بعيدة المدى، سواء على استقرار سوريا، أو على التوازن الإقليمي الأوسع. فإدارة الصراع عبر أدوات وظيفية مؤقتة، بدل معالجة جذوره السياسية والاجتماعية، قد تؤدي إلى تأجيل الانفجار لا منعه، وإلى إنتاج دورات عنف جديدة أكثر تعقيدًا.
هذا ليس تحذيرًا نظريًا، بل قراءة لمسارٍ بدأ بالفعل. ومن يصفق اليوم، سيكون أول من يُسحق غدًا، فالإمبراطوريات لا تصنع حلفاء دائمين، بل أدوات مؤقتة، وعندما تنتهي وظيفتها، يُكتب سقوطها بدمٍ جديد.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
26/1/2026



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني
- نداء إلى كل من يؤمن بالسلام ويقف في وجه الإرهاب
- حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها
- نداء إلى أمتنا الكوردية وإلى حراكنا الكوردستاني
- المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية
- لعنة السلطة في سوريا حين تعيد التاريخ بوجهٍ أكثر قبحًا
- دماء السوريين في رقاب الإعلام العربي
- بين الجولاني والشيباني، صراع الأصل والوكيل
- حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- كيف تُدار الكراهية ضد الكورد باسم الإسلام
- تكفير قسد اليوم تكفير الكورد غدًا


المزيد.....




- ترامب يلوّح بقطع الدعم عن العراق.. تحذير صريح في حال عودة نو ...
- تحذير أمريكي - أوروبي من استغلال تنظيم -داعش- أي فراغ أمني ف ...
- انفتاح ليبي على العالم.. طرابلس تُبرم صفقات نفطية مع باريس و ...
- الشرع وترمب يبحثان المرحلة الانتقالية بسوريا ومنع عودة تنظيم ...
- ترمب يرسل -الأرمادا- إلى الشرق الأوسط وسط مخاوف التصعيد
- قافلة مساعدات أممية انطلقت نحو مناطق قوات قسد في الحسكة
- هكذا يستهدف الاحتلال مظاهر اللجوء الفلسطيني في القدس
- هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟
- أفريقيا ودعوة ترمب لنظام عالمي بديل
- سوريا “الجديدة” تتمزَق بين مخاطر الحرب الأهلية ومشاريع القوى ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق