أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن














المزيد.....

حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 00:35
المحور: القضية الكردية
    


في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان، حتى الأمس القريب، مصنّفًا في صلب المنظومة الإرهابية العابرة للحدود. من هنا، فإن أي انفجار محتمل في قصر الشعب، إن وقع، لا يُقرأ بوصفه حادثًا أمنيًا معزولًا، بل بوصفه ارتدادًا طبيعيًا لصراع سنّي داخلي ثلاثي، تُحرّكه حسابات إقليمية، وفي مقدمتها الحساب التركي.
هذا الصراع لا يدور حول الدولة السورية حبًا بها، ولا دفاعًا عن سيادتها، بل حول من يحتكر تمثيل “السنّة” ومن يفرض شكل الدولة القادمة. في مستواه الأول، تقف الجماعات التكفيرية المتطرفة، تلك التي لم تؤمن يومًا بالسياسة ولا بالدولة الوطنية، وترى في أي مسار مدني خيانة صريحة لعقيدتها. هذه الجماعات لم تُعوَّم لأن أحدًا يؤمن بها فكريًا، بل لأنها وظيفة إقليمية جاهزة، وجدت في تركيا الحاضنة الأذكى لاستثمارها لا كحلفاء، بل كأدوات.
الدور التركي هنا لا يمكن فهمه بوصفه دعمًا للتطرف حبًا به، ولا دفاعًا عن سوريا، بل كرهًا بالحراك الكوردي أولًا، وبالإدارة الذاتية ثانيًا، وبأي نموذج ديمقراطي لا مركزي يفضح فشل الدولة القومية العنصرية التي يتبناها النظام التركي. تركيا لم تراهن على التكفيريين لأنهم مشروع دولة، بل لأنها تدرك أنهم السلاح الأنجع لضرب التجربة الكوردية، وتشويهها، واستنزافها، وتحويلها من نموذج سياسي إلى “ملف أمني”.
ومن هنا تحديدًا جرى تعويم التنظيمات الراديكالية والمرتزقة، لا بوصفها بديلًا للدولة السورية، بل بوصفها عصا دائمة مرفوعة في وجه روج آفا. فكلما تقدّم المشروع الكوردي خطوة باتجاه التنظيم المدني والتعددي، جرى استدعاء التكفيريين إلى الواجهة، ليس لحماية دمشق، بل لإعادة خلط الأوراق، وشيطنة أي قوة تحمي هذا المسار.
في المستوى الثاني من الصراع، تقف الحكومة السورية الانتقالية، التي تحاول أن تُقنع الداخل والخارج بأنها غادرت الجهاد نحو السياسة، لكنها لم تستطع بعد أن تتحرر من إرثها التنظيمي ولا من ضغوط الرعاة الإقليميين. هذه الحكومة مدعومة من السعودية وأمريكا بوصفها “الخيار الممكن”، لكنها في الواقع محاصرة بين نارين، تكفيريون يرونها مرتدّة، وشارع مدني لا يثق بتحولها. وفي هذه المعادلة، تجد نفسها مضطرة لمجاراة الخطاب التركي أحيانًا، أو الصمت عنه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالكورد وقسد.
أما المستوى الثالث، وهو الأكثر إقصاءً، فيتمثل في السنّة الليبراليين والعلمانيين، ومعهم سائر القوى السورية التي تطمح إلى دولة مدنية لا مركزية، دولة مواطنة لا عقيدة، وقانون لا فتاوى. هؤلاء هم العدو المشترك غير المعلن للتكفيريين وللسلطة الانتقالية معًا، لأن وجودهم ينسف رواية “الضرورة الأمنية”، ويطرح سؤالًا محرجًا، لماذا لا تُبنى دولة مدنية فعلًا؟
في قلب هذا المشهد، يتقدّم موقع الكورد بوصفه العقدة التي تحاول تركيا تفكيكها بكل الوسائل. فالإدارة الذاتية، والحراك الكوردي السياسي والمجتمعي، والهيئة المنبثقة عن مؤتمر قامشلو في نيسان الماضي، لا تمثل خطرًا عسكريًا على أحد، بل خطرًا سياسيًا وفكريًا على النموذج التركي نفسه. إنها تقول، بالفعل لا بالشعارات، إن سوريا يمكن أن تُدار بلا مركز قاهر، وبلا دين مسيّس، وبلا قومية إقصائية.

وفي البعد العسكري، تصبح قوات سوريا الديمقراطية الهدف المثالي لحملات الشيطنة، لا لأنها تنظيم متطرف، بل لأنها تمنع عودة التطرف، ولذلك جرى تحويل قسد إلى “شماعة” جاهزة، مرة بحجة الإرهاب، ومرة بحجة الانفصال، ومرة بحجة تهديد الأمن القومي. هذه الشيطنة ليست بريئة، بل هي المرحلة الأولى من تكفير الكورد سياسيًا وأخلاقيًا، تمهيدًا لتبرير أي عدوان عليهم، أو أي محاولة لكسر مشروعهم.
فحين تُشيطن قسد، لا يُستهدف تنظيم عسكري فحسب، بل يُستهدف كل ما تمثل، حماية المكونات، منع الفوضى، إغلاق الطريق أمام الدولة الدينية. ومن هنا يصبح التكفير أداة سياسية، لا عقائدية، تُستخدم ضد الكورد لأنهم رفضوا أن يكونوا وقودًا في حرب سنّية–سنّية لا تخصهم.
لهذا، فإن أي انفجار محتمل في قصر الشعب، إن حدث، لن يكون بداية مرحلة جديدة، بل ذريعة إضافية لتكثيف الهجوم على المشروع الكوردي، ولتحميل قسد والإدارة الذاتية مسؤولية أزمة لم يصنعوها، بل حاولوا احتواء نتائجها، فالمركز، حين يعجز عن حل صراعاته الداخلية، يبحث دائمًا عن طرف يحمّله الفشل.
وبالتالي، لا يدور الصراع في سوريا حول قصرٍ أو شخص رئيس، بل حول سؤالٍ جوهري واحد: هل تُبنى دولة مدنية لا مركزية، تتّسع للكورد ولغيرهم من مكوّنات البلاد، أم يُعاد إنتاج دولة دينية–أمنية بواجهات متعدّدة ومضمون واحد؟
في هذا السياق، اختارت تركيا أن تراهن على الفوضى، لأنها ترى في أي استقرار كوردي خطرًا وجوديًا يهدد بنيتها الأيديولوجية ومشروعها الإقليمي. ولم يكن التكفيريون يومًا غاية بحد ذاتهم، بل أداة وظيفية، تُستدعى وتُدار عند الحاجة.
والضحية الأولى في هذا المسار ليست دمشق، بل الكورد، لأنهم تجرؤوا على بناء بديل سياسي واجتماعي خارج منطق الإلغاء والتوحيد القسري. أما سوريا، كوطن ودولة، فهي مستهدفة في جوهرها، لأنها لا تنسجم مع أهداف تركيا ولا مع مشاريع التنظيمات التكفيرية، التي لا تريدها إلا بوجه واحد، ولون واحد. وهذه هي البذرة الحقيقية التي ستقضي على سوريا، لا كجغرافيا فحسب، بل كفكرة دولة ووطن.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
30/12/2025م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- كيف تُدار الكراهية ضد الكورد باسم الإسلام
- تكفير قسد اليوم تكفير الكورد غدًا
- نداء أخير إلى قوات قسد
- حين تصمت غزة وتتكلم قسد، الإعلام العربي في خدمة المخطط الترك ...
- حين تتحوّل واشنطن بوست إلى أداة تخوين لا إلى مساءلة
- الحكومة السورية الانتقالية على حافة السقوط
- كيف بدّدت واشنطن بوست ما تبقّى من مصداقيتها في سوريا،
- الحكومة السورية الانتقالية بلا إنسانية: أسرى منذ 2012 بلا عف ...
- من البيت الأبيض
- سياسة واشنطن في سوريا إدارة الإرهاب بدل اجتثاثه
- حوار مع الظلام أم شراكة واعية في محو الكورد؟
- التحالفات المتحوّلة في سوريا
- من يُختطف السُّنّة باسم صدام حسين، حكومة انتقالية أم إمارة ت ...


المزيد.....




- القدس.. اعتقالات وإبعادات ومداهمات ضمن استعدادات الاحتلال لش ...
- القضاء الإيراني ينفي إعدام عرفان سلطاني
- في عهد 4 رؤساء.. إيران تنفذ أعلى معدلات الإعدام لقمع المعارض ...
- بيان من مقرري الأمم المتحدة يطالب بإنهاء منع ثلاثة من مديري ...
- القضاء الإيراني ينفي صدور حكم بالإعدام بحق -عرفان سلطاني-
- من المتضررون من قطع الكهرباء والمياه عن مؤسسات أونروا بالقدس ...
- الإمارات تقدم 1.5 مليون دولار دعما لحقوق الإنسان
- ترامب لصحفيين: عمليات الإعدام في إيران تتوقف -استناداً إلى م ...
- ليبيا.. مقبرة جماعية لضحايا الاتجار بالبشر في إجدابيا تكشف ج ...
- الأونروا: إغلاق إسرائيل مركزا صحيا بالقدس استهتار بالقانون ا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن