أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية















المزيد.....

المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 20:50
المحور: القضية الكردية
    


بغضّ النظر عن الدوافع المعلنة أو المخططات المضمَرة التي تقف خلف صدور المرسوم رقم (13) لعام 2026 عن رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع، والمؤلّف من ثماني مواد، لا بدّ من التوقّف مليًّا عند مسألة قومية جوهرية، يتعمّد كثيرون من القوى المتربّصة بالأمة الكوردية تجاهلها أو تمييعها عمدًا. فـحقوق المواطنة، بصيغتها القانونية العامة، لم تكن يومًا السقف الذي ناضلت الحركة الكوردية في سوريا من أجله على امتداد ما يقارب قرنًا كاملًا من الزمن.
إن القضية الكوردية، في جوهرها العميق، لم تكن طلب اعتراف إداري محدود، ولا مسعى لتحسين شروط اندماج داخل دولة مركزية صمّاء، بل كانت وما تزال قضية حقوق قومية تاريخية، متجذّرة في الهوية والجغرافيا والتاريخ، ومتشابكة مع بنية المجتمع والاقتصاد وشكل الإدارة السياسية. ومن هنا، فإن اختزال هذا الصراع الطويل في إطار قانوني ضيّق لحقوق المواطنة لا يُعدّ حلًا، بل إعادة إنتاج للأزمة نفسها بلغة جديدة، تُفرغ القضية من بعدها القومي وتحاول فصلها عن سياقها التاريخي والوجودي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لحل ما يُسمّى «الملف الكوردي» عبر مرسوم يُقدَّم بوصفه منّة أو صدقة سياسية، لا عبر حوار سياسي وطني متشعّب، إنما تُفرغ القضية من مضمونها الحقيقي. فحقوق الشعب الكوردي ليست حزمة ثقافية معزولة، ولا يمكن اختزالها في بنود تتعلق بممارسة بعض العادات أو إدخال اللغة في التعليم ضمن مراكز سكنية كوردية محددة. إنها منظومة حقوق متكاملة، تتشابك فيها الأبعاد القومية مع البنى الإدارية والسياسية والاقتصادية، ولا تُحلّ بقرارات فوقية جزئية.
وإذا افترضنا، جدلًا، حسن النية في هذه البنود الثقافية، فإن الأسئلة الجوهرية تبقى معلّقة بلا إجابة:
هل ستُطبَّق هذه القوانين في جميع مناطق تواجد الشعب الكوردي في سوريا، من دمشق إلى حماة وحلب وجبل الأكراد، أم ستظل حبيسة عفرين والجزيرة؟
وهل ستُكرَّس دستوريًا؟
وهل سيُعترف باللغة الكوردية كلغة ثانية على مستوى الدولة السورية، أم ستبقى محصورة في هامش إداري هشّ، قابل للإلغاء أو الالتفاف عليه في أي لحظة؟ هذا السؤال الجوهري يعيد إلى الواجهة تشابهًا مقلقًا في الخفايا السياسية بين هذا المرسوم ومرسوم صدام حسين في آذار عام 1970، حين مُنح الكورد ما سُمّي آنذاك بالحكم الذاتي، قبل أن تنكشف لاحقًا حقيقة ذلك الوعد بوصفه أداة احتواء ومناورة سياسية، انتهت إلى ما انتهت إليه من نكوص وانكسارات.
لقد كان الحراك الكوردي، ولا يزال، يسعى إلى الحوار السياسي الجاد، وكان الأجدر بالحكومة الانتقالية أن تفتح هذا الحوار قبل إصدار مراسيم أحادية الجانب، لا أن تتجاوزه كليًا، دون التشاور أو حتى أخذ رأي أي جهة كوردية تمثيلية، وعلى رأسها الهيئة المنبثقة عن مؤتمر قامشلو في نيسان 2025، التي حملت مطالب قومية واضحة، في مقدمتها النظام اللامركزي السياسي. فبدون هذا الإطار، تفقد الخصوصية القومية الكوردية معناها، ويُعاد اختزال الشعب الكوردي في مجرد مواطنين سوريين بهوية قانونية عامة، منزوعي الهوية القومية.
إن هذا المرسوم، في بنيته العميقة، يبدو قائمًا على منطق عددي إشكالي، يفترض أن الكورد لا يشكّلون أكثر من 12–15% من سكان مناطقهم التاريخية، متجاهلًا أن هذه النسب هي نتاج قرن كامل من التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، وسياسات التعريب الممنهجة. وبذلك، فإن ما طُرح من جهة واحدة لا يُمثّل اعترافًا بالحقوق القومية، بل يُعدّ نكوصًا عنها، ومحاولة التفاف مكشوفة على مطلب الفيدرالية والنظام اللامركزي السياسي.
وعلى الأرجح، فإن هذا المرسوم قُدّم بوصفه خدعة سياسية ـ عسكرية أكثر من كونه تكريمًا حقيقيًا للشعب الكوردي، ولا يُستبعد أن تكون خلفه قوتان أساسيتان:
الأولى تركيا، التي تسعى منذ أكثر من عقد إلى إحداث شرخ بين قوات قسد والإدارة الذاتية من جهة، وبين الشعب الكوردي وبقية حراكه السياسي من جهة أخرى، بهدف إضفاء صبغة «وطنية» على حربها ضد قسد، وتصويرها كصراع مع «مكوّن خارجي»، فضلًا عن التغطية على البنية الفعلية لما يُسمّى الجيش العربي السوري، الذي يتكوّن في جوهره من منظمات ذات خلفيات إرهابية، بعضها صُنّف حديثًا من قبل بريطانيا.
أما القوة الثانية، فهي ناتجة عن الضغوط الأمريكية وضغوط التحالف الدولي، التي باتت تحذّر وتهدّد تركيا والحكومة الانتقالية بسبب عدم التزامهما بقرارات مجلس الأمن وبمواقف الكونغرس الأمريكي، لا سيما ما يتعلق بالبند السابع الذي استُخدم لإخراج أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب بضغط أمريكي. وبعدم الاعتداء على قوات قسد الحليف الأكثر مصداقية لأمريكا في محارية الإرهاب. ويضاف إلى ذلك تنبيهات متزايدة من أعضاء الكونغرس على خلفية المجازر والانتهاكات المتكررة بحق المكونات السورية من علويين ودروز ومسيحيين، وبحق الشعب الكوردي تحديدًا، وهي انتهاكات تُحرج إدارة ترامب التي منحت الشرع فرصة لإثبات «حسن النية» بعد إلغاء قانون قيصر عن سوريا.
إن الصراع الكوردي من أجل حقوقه القومية في سوريا يتجاوز الحلول العسكرية، كما يتجاوز المقاربات الثقافية الضيقة المبنية على مفهوم المواطنة المجردة. فمحاولات الالتفاف على القضية القومية، بمرسوم رئاسي ناقص، والسعي إلى ضرب قوات قسد والإدارة الذاتية، وخلق شرخ داخلي كوردي، جاءت بعد حالة التفاف كوردستاني ودولي واسعة تجلّت عقب الاعتداءات السافرة على الشعب الكوردي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يقطن عشرات الآلاف من مهجّري عفرين منذ عام 2018، نتيجة الاحتلال التركي والمنظمات الإرهابية التابعة له.
ولا يمكن إخفاء أن هذا المرسوم، بصيغته الناقصة والملتبسة، شكّل طعنة في الوجدان الكوردي، لا سيما أنه جاء، على الأرجح، في سياق محاولة احتواء الدعم الكوردستاني والدولي الذي برز دفاعًا عن قوات الأسايش وأهالي الحيين.
نعم، إن تصريحات أحمد الشرع الإيجابية عن الشعب الكوردي وحقوقه كمواطنين سوريين تُعد خطوة تُثمَّن من حيث المبدأ، لكنها تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى مسار سياسي حقيقي.
والأمل اليوم ألا تكون هذه الخطوة محطة شكلية عابرة، بل بداية لمصالحة أوسع بين دمشق والشعب الكوردي، عبر فتح حوارات وطنية جدية مع الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو، وقسد والإدارة الذاتية وعلى أعلى المستويات. فاستمرار الاكتفاء بهذه البنود الناقصة لن يؤدي إلا إلى فتح أبواب صراعات أعمق، وبوجوه مختلفة، قد تعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها، في لحظة تاريخية لم تعد سوريا تحتمل مزيدًا من الدماء والتآكل الداخلي والمناورات الدولية.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
16/1/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعنة السلطة في سوريا حين تعيد التاريخ بوجهٍ أكثر قبحًا
- دماء السوريين في رقاب الإعلام العربي
- بين الجولاني والشيباني، صراع الأصل والوكيل
- حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- كيف تُدار الكراهية ضد الكورد باسم الإسلام
- تكفير قسد اليوم تكفير الكورد غدًا
- نداء أخير إلى قوات قسد
- حين تصمت غزة وتتكلم قسد، الإعلام العربي في خدمة المخطط الترك ...
- حين تتحوّل واشنطن بوست إلى أداة تخوين لا إلى مساءلة
- الحكومة السورية الانتقالية على حافة السقوط
- كيف بدّدت واشنطن بوست ما تبقّى من مصداقيتها في سوريا،
- الحكومة السورية الانتقالية بلا إنسانية: أسرى منذ 2012 بلا عف ...
- من البيت الأبيض


المزيد.....




- الضفة.. اعتقال فلسطيني ومواجهات في اقتحامات لجيش الاحتلال ال ...
- رويترز تكشف عن اتصالات سرية بين واشنطن ووزير فنزويلي قبل اعت ...
- بين لغة السلاح ونداءات الإغاثة.. مأساة السودان تتعمق
- الأونروا: إسرائيل تواصل منعنا من إدخال مواد الإغاثة والإيواء ...
- نص المرسوم الرئاسي الخاص بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا
- نص المرسوم الرئاسي الخاص بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام شخص-قصاصا- وتنشر اسمه وجريمته ...
- الإمام الخامنئي: تم اعتقال عدد كبير من متزعمي وقادة أعمال ال ...
- قوات الاحتلال تشن حملة دهم واعتقالات واسعة في مدن الضفة الغر ...
- ما أهمية اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي البحري؟


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية