أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم














المزيد.....

ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 23:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة الأولى من سلسلة تحليلية..
لم يعد الصراع في العالم اليوم يدور بين دولٍ وأنظمةٍ فقط، بل بين نماذج حكم ورؤى مختلفة لإدارة القوة والنفوذ. وفي قلب هذا التحوّل، تبرز الولايات المتحدة لا بوصفها حارسًا للنظام الدولي القديم، بل لاعبًا يعيد تعريف قواعده. من هنا، لا يمكن فهم دونالد ترامب خارج هذا السياق البنيوي الأوسع، ولا قراءة سياساته بوصفها مجرد مواقف شخصية أو نزعات خطابية عابرة.
لا يُنظر إلى دونالد ترامب اليوم بوصفه رئيسًا أميركيًا مثيرًا للجدل أو ظاهرة شعبوية طارئة، بل يُقرأ باعتباره التجسيد الأوضح لتحوّل عميق جارٍ في بنية الدولة العميقة الأميركية نفسها. فالرجل الذي يُقدَّم على أنه متمرّد على المؤسسة، يقف في الواقع في قلبها، ممثّلًا نسختها الأحدث، أي الدولة العميقة العصرية، التي لا تُدار بمنطق القيم، ولا تُقاس بمعايير التحالفات الأخلاقية، بل تُحكم بقواعد السوق، ومنطق الصفقة، وحساب الربح الصافي، في الحاضر وما بعده.
ضمن هذا التحوّل المستمر، تتراجع السياسة الخارجية الأميركية عن أي التزام فعلي بالديمقراطية أو بحقوق الشعوب، لتتحول أكثر فأكثر إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، وابتزاز الدول، وإدارة الصراعات بما يخدم الشركات العملاقة ومراكز المال العابرة للحدود. ومن هذا الموقع، لا تبدو مواقف ترامب المتناقضة، ولا صمته الانتقائي عن الاستبداد والتطرّف، ولا حروبه الاقتصادية المتصاعدة، نزوات شخصية أو فوضى خطابية، بل سياسة متماسكة تُمارَس في الحاضر، وتتهيأ للتمدد في المستقبل، وتؤشر إلى انتقال الإمبراطورية الأميركية من إدارة العالم بخطاب الديمقراطية، إلى إدارته ببرودة الحسابات ومنطق القوة الاقتصادية.
لأول مرة أرى شخصية دونالد ترامب السياسية في أحد أكثر تجلياتها اكتمالًا ودهاءً، وذلك في لقائه الصحفي مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي جرى في منتجعه مارا لاغو بولاية فلوريدا بتاريخ 30/12/2025م. لم يكن ترامب هناك ذلك السياسي الفجّ الذي اعتاد أن يصدم خصومه قبل حلفائه بعفويته الصاخبة، بل بدا متحفظًا، محسوب الكلمات، مراوغًا للأسئلة، أقرب إلى السياسي التقليدي منه إلى الشخصية الشعبوية التي صنعت شهرته. كان يختار الصمت حيث اعتاد الإفصاح، ويتفادى الإجابة حيث كان يندفع بلا حساب.
هذا التحفظ لم يكن عابرًا، بل ظهر بوضوح عند الأسئلة المتعلقة بتركيا وأردوغان، ودور الأخير في دعم التنظيمات الإرهابية التي حلّت محل النظام السوري البعثي المجرم، وكذلك في الصراع القائم بين أنقرة وإسرائيل. هنا تعمّد ترامب التعتيم، لا على الدور التركي فحسب، بل أيضًا على الدور الروسي المتواطئ والمتعاون مع أنقرة في إعادة تشكيل المشهد السوري، في تكتيك يتعارض مع ما كان متفقًا عليه أميركيًا بشأن حماية إسرائيل والقضاء على أدوات إيران في سوريا آنذاك. وحدها إيران خرجت من هذا الصمت النسبي، إذ لم يُخفِ ترامب تباهيه بدوره في المواجهة معها وقصفها، بينما ظل حذرًا في مقاربة باقي ملفات المنطقة.
في المقابل، عاد ترامب إلى لغته المفضلة، لغة التباهي الصريح، حين تحدث عن دعمه المطلق لإسرائيل، وعن غزة والجولان، وعن “إنقاذ إسرائيل” كما وصفه، مدّعيًا أنه لولاه لما كانت إسرائيل اليوم على ما هي عليه، ولما كان نتنياهو في موقعه. هذا الخطاب، الذي شكّل إحدى السمات الأبرز لشخصيته السياسية، كان أقرب إلى استعراض القوة منه إلى منطق الدولة، وهو ما أرعب رؤساء دول، وأسّس لنمط جديد من الصراعات في العالم، لا يقوم على المدافع والدبابات، بل على الحروب الاقتصادية.
يتباهى ترامب بأنه أوقف العديد من الحروب العسكرية، لكنه يتناسى، أو يتجاهل، أن الحروب الاقتصادية لا تقل رعبًا ولا دمارًا عن الحروب الكلاسيكية. فهي، وإن لم تترك جثثًا في الشوارع، تخلّف مجاعات صامتة، وأوبئة اجتماعية، وكراهية متصاعدة بين الشعوب، وتفككًا داخليًا يقود إلى حروب أهلية، ودمارًا طويل الأمد لا يقل فتكًا عن القنابل.
الصراعات الجارية في العالم اليوم، بشكل مباشر أو غير مباشر، تتأثر بما يقوله ترامب أو بما يقرره الموقف الأميركي. ففي الشرق الأوسط، لم يعد معيار القيم الإنسانية، ولا حقوق الشعوب، ولا حماية المكونات، ولا حتى النظام الديمقراطي، هو المحدِّد للسياسة الأميركية، بل ميزان الأرباح والخسائر. تلك هي استراتيجية الدولة العميقة العصرية، التي لا تلغي الدولة العميقة الكلاسيكية، لكنها تعيد تشكيلها وتفريغها من مضمونها الأخلاقي.
بهذا المعنى، لا يقف ترامب في مواجهة العالم بوصفه شخصًا أو رئيسًا فقط، بل بوصفه تعبيرًا عن مرحلة جديدة تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق الصفقة لا العدالة، وبميزان السوق لا القيم. والخطر هنا لا يكمن في حدّة الخطاب أو صداميته، بل في تحويل العالم إلى مساحة مفتوحة للمقايضة، تُستهلك فيها المبادئ حين تعيق الربح، وتُعاد صياغة النفوذ على حساب استقرار الشعوب ومستقبل النظام الدولي ذاته.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
31/12/2025م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني
- نداء إلى كل من يؤمن بالسلام ويقف في وجه الإرهاب
- حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها
- نداء إلى أمتنا الكوردية وإلى حراكنا الكوردستاني
- المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية
- لعنة السلطة في سوريا حين تعيد التاريخ بوجهٍ أكثر قبحًا
- دماء السوريين في رقاب الإعلام العربي
- بين الجولاني والشيباني، صراع الأصل والوكيل
- حين يتصارع السنّة في دمشق ويدفع الكورد الثمن
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...
- الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزير ...


المزيد.....




- كيف تتم عملية الترحيل من ألمانيا؟
- شرطة فرنسا تحتج على -انعدام- الحماية القانونية وإرهاق العمل ...
- حريق حضانة أطفال يهز جنوب لندن وتحذيرات عاجلة للسكان
- ناسا تقترب من إطلاق مهمة العودة للقمر بأربعة رواد فضاء
- -ما وراء الخبر- يتناول فرص الحل الدبلوماسي بين طهران وواشنطن ...
- أمير قطر يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي
- هل ينجح -التراجع التكتيكي- الإيراني في نزع فتيل ضربة البنتاغ ...
- ترمب يعلق على وثائق إبستين الجديدة
- ملفا الطاقة والأراضي يتصدران المطالب الأوكرانية في مفاوضات أ ...
- لماذا لا يملّ الشارع الأوروبي من التظاهر من أجل غزة؟


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم