أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل أن يُحسم في الخارج؟














المزيد.....

هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل أن يُحسم في الخارج؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 08:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكشف أنماطًا بنيوية تتكرر بأشكال مختلفة. حين نستحضر تجربة الدولة الأموية لا نقارن أشخاصًا بأشخاص، بل نقارب نموذجًا بنموذج، كيف تفقد سلطة ما قدرتها على إدارة التوازنات الداخلية قبل أن تُهزم خارجيًا؟ الدولة الأموية لم تسقط لمجرد هزيمة عسكرية، بل لأنها فقدت تدريجيًا قدرتها على الحفاظ على إجماع داخلي واسع. بدأت التوترات صامتة، صراعات داخل البيت الحاكم، انقسامات قبلية بين قيسية ويمانية، شعور فئات بالتهميش، وتراجع الخطاب الأخلاقي الذي كان يمنح الشرعية الأولى زخمها. وعندما يتآكل الإجماع، تتحول السلطة من مشروع سياسي جامع إلى جهاز ضبط أمني، وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي.
كل سلطة تخرج من صراع دموي تواجه سؤالًا مصيريًا، هل تؤسس شرعيتها على منطق الغلبة أم على عقد اجتماعي جديد؟ إذا استندت إلى فكرة “المنتصر يقرر”، فهي تؤجل الأزمة ولا تحلها، لأن الغلبة تُنتج طاعة مؤقتة لا قبولًا مستدامًا. أما إذا أعادت صياغة العلاقة مع المجتمع على أساس تمثيل حقيقي ومؤسسات مستقلة وتوزيع عادل للسلطة، فإنها تحصّن نفسها من دورة الانتقام السياسي. في التجربة الأموية، حين ضاقت مساحة المشاركة السياسية وتراكم الاحتقان، ظهرت سرديات بديلة استثمرت هذا التململ حتى جاءت الدولة العباسية لا بوصفها صانعة الأزمة، بل مستثمرة لها.
في السياق السوري المعاصر، تتجلى مؤشرات التآكل المبكر إذا توافرت عناصر محددة، غياب مشروع وطني جامع يتجاوز الانتماء الفئوي، احتكار القرار في دائرة ضيقة، تصاعد خطاب التخوين بدل بناء الثقة، وتنامي التململ داخل القاعدة الاجتماعية نفسها التي دعمت السلطة. أخطر مراحل الدولة ليست حين يعارضها خصومها، بل حين تبدأ قواعدها في التساؤل، هل ما زلنا ممثلين؟ هل تغيّرت الأولويات؟ هل تحوّل الخطاب من مشروع جامع إلى سردية دفاعية تبرر الإخفاق؟
اللحظة الأخطر في أي تجربة حكم ليست لحظة المواجهة مع المعارضة، بل لحظة التباعد الصامت بين توقعات الحاضنة وأداء القيادة. حين يشعر جزء من القاعدة أن السلطة لم تعد تعبّر عن أولوياته اليومية، الأمن، الاقتصاد، الخدمات، الاستقرار، يتبدل المزاج العام تدريجيًا. لا يحدث ذلك عبر انفجار فوري، بل عبر تآكل الثقة، وهو أشد فتكًا من الصدام المباشر. ومع مرور الوقت، تتحول المظلومية التي كانت أداة تعبئة في مرحلة المعارضة إلى عبء في مرحلة الحكم، لأن السلطة تصبح مسؤولة عن القرار لا عن الاحتجاج عليه.
صحيح أن القياس الحرفي بين الماضي والحاضر خطأ منهجي، فالدولة الأموية كانت إمبراطورية توسعية في سياق تاريخي مختلف، بينما سوريا اليوم كيان منهك تتقاطع فيه إرادات إقليمية ودولية، وتعمل فيه مؤسسات حديثة وإعلام عابر للحدود وشبكات ضغط دولية. لكن نمط “التآكل الداخلي قبل الانهيار” يبقى صالحًا كنموذج تحليلي، لا كتكرار تاريخي.
في المجتمعات التي لم تنجز مصالحة حقيقية، تتكرر مفردة “الفلول” بوصفها أداة في الصراع السياسي. كل سلطة تُسقط سابقتها بتهمة الفساد أو الخيانة، ثم تجد نفسها لاحقًا موضع الاتهام ذاته. المشكلة ليست في الأفراد، بل في غياب بنية سياسية تمنع احتكار السلطة وتؤسس لتداولها السلمي. حين لا تُبنى مؤسسات مستقلة، يصبح التاريخ سلسلة من البحث عن مذنبين، بدل بناء منظومة تمنع تكرار الخطأ.
السؤال إذن ليس ما إذا كان التآكل سيحدث ضمن الحكومة السورية الانتقالية وحاضنتها المذهبية، بل ما إذا كانت هناك إرادة واعية لبناء دولة تتجاوز منطق الغلبة. الدول لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفشل في تجديد شرعيتها وفي تحويل الحاضنة المؤقتة إلى عقد اجتماعي مستدام. الفارق بين البقاء والتآكل لا يُقاس بحجم القوة المسلحة، بل بمدى القدرة على تحويل الانتصار إلى مشروع دولة يتسع للجميع.
إن كان من درس يُستفاد من التجارب التاريخية، كتجربة بني أمية، فهو أن التماسك لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعدالة والتمثيل والمشاركة. وأي سلطة لا تعي هذه القاعدة تدخل، ولو ببطء، في مسار التآكل، حتى وإن بدا ظاهرها قويًا. المسألة في النهاية ليست من سيُوصَف غدًا بالفلول، بل هل ستُكسر الحلقة المفرغة التي تجعل كل مرحلة انتقالية تمهيدًا لصراع جديد. التآكل يبدأ حين تُهمَل هذه الأسئلة، أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ حين تُطرح بصدق، ويُبنى حولها مشروع دولة لا مشروع سلطة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
21/2/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
- جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السوري ...
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...
- الكونغرس يضع ترامب أمام حدود السلطة، لا حرب بلا تفويض دستوري
- مؤتمر ميونيخ 2026 يكرّس حضور القيادات الكوردية في معادلة الق ...
- روجافا لم تفشل، بل أُسقِطت على طاولة الصفقات
- بعد جلسة الكونغرس حول سوريا
- خالد مشعل بين إيران وتركيا: تبدّل الرعاة وثبات الوظيفة
- أمريكا تستهدف المركز وإسرائيل تضرب الأطراف، من يدير معركة إي ...
- حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، ...
- حين تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالخوارزميات كوردستان في قلب ال ...
- ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار
- ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني


المزيد.....




- -اللون البني يليق بها-..منسّق أزياء منى زكي يكشف كواليس إطلا ...
- ما هي -المدينة ذاتية النمو- التي يخطط إيلون ماسك لبنائها على ...
- مباشر: الاتحاد الأوروبي يبحث فرض عقوبات إضافية على روسيا وسط ...
- عاجل.. مراسل الجزيرة: القوات الأمريكية تبدأ بسحب قواتها من س ...
- رمضان تحت القبضة الأمنية.. خطة بن غفير لتشديد الحصار على الأ ...
- من هو إل مينشو زعيم الكارتل المكسيكي الخطير الذي قُتل في عمل ...
- بعد إحداثيات الخرائط العراقية.. مواقف خليجية والكويت تحتج وب ...
- المكسيك.. هجمات انتقامية بعد مقتل -الزعيم إل مينشو-
- البيت الأبيض يكشف دور واشنطن في اغتيال -آل مينشو- في المكسيك ...
- محادثات -الفرصة الأخيرة- في جنيف، وخامنئي -يُرتّب خلافته- تح ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل أن يُحسم في الخارج؟