أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السورية














المزيد.....

جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السورية


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 09:49
المحور: القضية الكردية
    


أحد أعمق الإشكاليات التي تواجه أي اتفاق بين الشعب الكوردي وأي سلطة سورية، بما في ذلك الاتفاقية الأخيرة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية، ليست بندًا أمنيًا أو تفصيلاً عسكريًا بقدر ما هي سؤال وجودي وسيادي، هل تعترف الدولة أصلًا بوجود جغرافية كوردية داخل سوريا؟ وما حدود هذه الجغرافية؟ لأن الاعتراف بالجغرافيا ليس ترفًا لغويًا، بل هو اعتراف بالتاريخ، وبالمظلومية الديمغرافية، وبالحق السياسي الذي لا تُبنى أي شراكة وطنية بدونه.
إن هذا السؤال يرتبط مباشرة بمدى الاعتراف بالانتهاكات التي استهدفت الديمغرافيا الكوردية لأكثر من سبعين عامًا، من سياسات التعريب المنهجي، إلى مصادرة الأراضي، إلى تغيير أسماء القرى والبلدات، إلى هندسة السكن والإدارة بحيث يتحول الكوردي من صاحب أرض إلى “طارئ” داخل وطنه. ومن هنا، فإن الطعن بالجغرافيا ليس طعنًا بالكورد في سوريا فحسب، بل هو طعن بجغرافيتهم الكوردستانية التي اقتُطعت تاريخيًا وأُلحقت بسوريا الحديثة ضمن سياقات دولية لم يكن للشعب الكوردي فيها إرادة تقريرية.
ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة أن الحراك الكوردي، طوال مسيرته النضالية، نادرًا ما تجرأ على معالجة هذا الملف معالجة علمية مؤسَّسة. ظهرت خرائط كثيرة، لكن معظمها بقي في خانة الانطباع أو الرمز السياسي، لا في خانة التوثيق الطبوغرافي والبحث الميداني المدعوم بالمعطيات السكانية والحدود الطبيعية ومسارات العمران وتاريخ الملكية. وحتى القوى التي حملت مشروع الإدارة الذاتية، حين تبنّت منهجية “الأمة الديمقراطية” بوصفها إطارًا فوق قومي، لم تُنتج مقاربة واضحة لمسألة الجغرافيا الكوردية، لأنها، نظريًا، لا تمنح الحدود بين القوميات معنى سياسيًا حاسمًا، وتستند إلى حجج مثل “التداخل الديمغرافي” لتجاوز سؤال الحدود والاسم والحق التاريخي.
وهنا بالذات وجدت الحكومة السورية الانتقالية، ومعها شرائح واسعة من الخطاب المركزي السوري، فرصةً لتثبيت سردية قديمة بثوب جديد، القول إن الشعب الكوردي “موزع” على كامل الجغرافيا السورية، وإنه لا يوجد نطاق جغرافي محدد يمكن تسميته أو الاعتراف به، وبالتالي لا مجال لأي صيغة لا مركزية حقيقية، ولا لأي نقاش دستوري جاد حول الحقوق القومية، لأن المركزية تصبح “الحل الطبيعي” بحجة أن الكورد ليسوا كتلة جغرافية، بل أفراد منتشرون.
في هذا السياق برزت أهمية الدراسة الوحيدة التي قُدِّمت، ضمن ما كان متاحًا علنًا، من قبل المجلس الوطني الكوردستاني، والتي أشرفتُ عليها بصفتي جغرافيًا، واعتمدت منهجًا طبوغرافيًا علميًا ومراسلات ميدانية مع أفراد ومجموعات من مناطق متعددة شملتها الدراسة، بهدف تحديد النطاق الجغرافي الكوردي وفق معايير الأرض والناس والتاريخ ومسارات العمران. ومع ذلك، لم تكن الدراسة مكتملة من الناحية العلمية، ونُشرت بالخطأ قبل استكمال معاييرها النهائية.
والمفارقة أن تلك الخريطة ذاتها استُخدمت لاحقًا بصورة دعائية، بما في ذلك رفعها من قبل أردوغان في الأمم المتحدة، على أنها “دليل” على رغبة الكورد في تقسيم سوريا، وكأن الاعتراف بالجغرافيا بوصفه حقًا سياسيًا يُعد جريمة. والحقيقة أن الإشكالية ليست في الخريطة، بل في ذهنية ترى في أي تعريف للحقوق تهديدًا، وفي أي تسمية للواقع مؤامرة.
غير أن الاعتراف بالجغرافيا الكوردية ليس بالضرورة دعوة إلى الانفصال، ولا يعني تمزيق الوطن السوري، بل هو الشرط الأول لبناء وطن سوري متماسك. لأن الدولة التي تُنكر خرائط مكوناتها، وتُجرّم أسماءهم، وتُخضع حقوقهم لمنطق “الأغلبية” وحده، تعيد إنتاج أسباب الانفجار، لا شروط الاستقرار. وإذا كان منطق “الوطن السوري” قد فُرض تاريخيًا ضمن توازنات دولية رضخ لها الكورد دون إرادتهم، فإن العدالة تقتضي أن يتحول هذا الوطن إلى إطار شراكة حقيقية، لا إلى غطاء إنكار جديد يُطلب من الكورد أن يذوبوا تحته مرة أخرى.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري اليوم من محاولة لتقويض مسيرة الاتفاقية الأمنية والعسكرية الجارية في الجزء الشرقي من المنطقة الكوردية. فمن حيث المبدأ، كان يمكن أن تمضي هذه الترتيبات بسلاسة لو توفرت إرادة سياسية واضحة، ولولا العبث الذي تقوم به مجموعات مغرضة تُحسب على الحكومة الانتقالية، وربما لا تخضع فعليًا لقرارها، سواء كانت مدفوعة بكراهية متجذرة تجاه الشعب الكوردي، أو تتحرك تحت إملاءات تركية، أو تستثمر في الضبابية المتعمدة حول الجغرافيا الكوردية وتسمية هذه الجغرافيا وحدودها. والنتيجة أن الاتفاقات تُترك معلقة في الهواء، تُدار أمنيًا، لكنها تُفخخ سياسيًا، لأن أطرافًا لا تقبل إلا بمنطق السلطة المطلقة والمركزية الكاملة، رغم أن التجربة السورية نفسها أثبتت أن المركزية الصلبة كانت المصنع الأكبر للكوارث، وأن الاستبداد البعثي والأسدي لم يصنع دولة، بل صنع انهيارًا طويلًا باسم الدولة.
إن أي اتفاق بين الكورد وأي حكومة سورية لن يصمد إذا ظلّ ملف الجغرافيا والاعتراف والإنصاف الديمغرافي خارج النقاش. فالاتفاقات الأمنية تُوقّع في يوم، لكن الدولة تُبنى على حقائق الأرض. والحقائق لا تُدار بالإنكار، ولا تُعالج بالمزايدات، بل بتوثيق علمي صلب، واعتراف سياسي شجاع، وترجمة دستورية تضع حدًا لزمن “الضباب” الذي تعيش فيه الحقوق الكوردية: ضباب يسمح للبعض أن يساوم، وللبعض الآخر أن يُخيف، وللخصوم أن يحرّكوا الفتن. أما الوضوح، فهو وحده ما يصنع الاستقرار: وضوح الجغرافيا، وضوح الاسم، وضوح الحق، ثم وضوح الشراكة الوطنية على أساس ذلك.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/2/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...
- الكونغرس يضع ترامب أمام حدود السلطة، لا حرب بلا تفويض دستوري
- مؤتمر ميونيخ 2026 يكرّس حضور القيادات الكوردية في معادلة الق ...
- روجافا لم تفشل، بل أُسقِطت على طاولة الصفقات
- بعد جلسة الكونغرس حول سوريا
- خالد مشعل بين إيران وتركيا: تبدّل الرعاة وثبات الوظيفة
- أمريكا تستهدف المركز وإسرائيل تضرب الأطراف، من يدير معركة إي ...
- حين تختار الإمبراطورية شركاءها ولماذا كوردستان ليست خيارًا، ...
- حين تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالخوارزميات كوردستان في قلب ال ...
- ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار
- ترامب رجل الدولة العميقة العصرية في مواجهة العالم
- لماذا صدر قانون «حماية الكورد»؟ وتحوّل الإجماع الأمريكي إلى ...
- حين يكتب المنتصرون التاريخ: ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وو ...
- ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة في المشرق
- كلما اشتدّ الصراع اقتربت كوردستان
- من يحمي معامل الكبتاغون بعد الأسد؟
- من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني
- نداء إلى كل من يؤمن بالسلام ويقف في وجه الإرهاب
- حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها


المزيد.....




- الأونروا: الظروف الإنسانية في عموم قطاع غزة كارثية تزامنا م ...
- الأونروا: نواصل تقديم المساعدات في غزة ولكن حجم الاحتياجات ي ...
- قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات واسعة بينهم أسرى محررين خلال ...
- تنديد دولي واسع بـ-جرائم حرب- في السودان ودعوات لتحقيقات عاج ...
- الأمم المتحدة تتهم إسرائيل بفرض -ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع ...
- المندوب الفلسطيني بالأمم المتحدة: -الحكومة الإسرائيلية- تسع ...
- الأمم المتحدة تحذر من -ضم فعلي- للضفة الغربية وتؤكد: غزة لا ...
- الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا ينددون بـ-جرائم حرب- محتملة ...
- مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة: هدف إسرائيل كان دوما إزالة ا ...
- شهادة صادمة لأسير محرر من غزة: تعذيب ممنهج واعتداءات جنسية ف ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السورية