أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟















المزيد.....

لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 23:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط عبر ميناء جيهان فحسب، بل تعبير عن أزمة سياسية واقتصادية أوسع تتصل بطبيعة إدارة الدولة العراقية نفسها، وبمدى احترامها للمبادئ الدستورية التي قامت عليها.
إن الاتهامات التي صدرت عن حكومة بغداد لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد خلاف إداري حول آليات تصدير النفط، بل تبدو أقرب إلى رسائل سياسية موجَّهة إلى أطراف دولية وإقليمية. فهي، من جهة، تحمل في طياتها خطابًا تحريضيًا غير مباشر موجَّهًا إلى الولايات المتحدة قبل غيرها، في محاولة لتصوير حكومة إقليم كوردستان على أنها تعرقل الجهود الدولية الرامية إلى سدّ النقص المتزايد في إمدادات الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل الأزمة التي تفاقمت بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وبهذه السردية تحاول بغداد الإيحاء بأن الإقليم لا يساهم في استقرار سوق الطاقة، أو أنه يقف عقبة أمام الجهود الدولية لتعويض العجز القائم.
ومن جهة أخرى، تبدو هذه الاتهامات أيضًا رسالة سياسية موجهة إلى تركيا، التي يمثل ميناء جيهان أحد أهم منافذ تصدير النفط عبره، وكأنها محاولة لإقناع أنقرة بأن حكومة الإقليم تسعى إلى إدارة علاقاتها الاقتصادية بمعزل عن الحكومة الاتحادية، أو حتى إلى إضعاف الروابط التجارية بين تركيا وبغداد.
إن البيان الذي صدر عن وزارة الثروات في إقليم كوردستان لم يأتِ بلغة التصعيد أو الاتهام المجرد، بل جاء بلغة الوقائع، محاولًا إعادة ترتيب الحقائق التي جرى تشويهها في الخطاب الرسمي لبغداد. فحين تتهم وزارة النفط الاتحادية الإقليم بعدم الاستعداد لاستئناف التصدير، فإنها تتجاهل – أو تتعمد تجاهل – السياق الكامل للأزمة، وهو سياق لا يمكن فصله عن الحصار الاقتصادي غير المعلن الذي يُفرض على الإقليم منذ أشهر، وعن الإجراءات المالية التي أدت إلى شلل واضح في الحركة التجارية، بعد حرمان التجار من الوصول إلى العملة الصعبة بذريعة تطبيق نظام كمركي لم يُمنح الإقليم الوقت الكافي لتكييف مؤسساته معه.
إن من حق أي دولة أن تطبق أنظمتها الإدارية والكمركية، لكن من غير المقبول أن تتحول هذه الأنظمة إلى أدوات ضغط اقتصادي على جزء أساسي من مكونات الدولة نفسها. فالدستور العراقي لم يقم على فكرة المركزية العقابية، بل على مبدأ الشراكة بين بغداد وأربيل، وعلى الاعتراف بخصوصية النظام الفيدرالي الذي يفترض أن يضمن التوازن بين السلطات لا أن يستخدمها أداة للضغط السياسي.
لكن الأخطر من الأزمة الاقتصادية هو الجانب الأمني الذي أشار إليه البيان بوضوح. فالهجمات التي تعرضت لها منشآت الطاقة في إقليم كوردستان ليست مجرد حوادث معزولة، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للبنية الاقتصادية للإقليم ولأحد أهم مصادر الدخل للعراق بأكمله. إن توقف الإنتاج نتيجة تلك الهجمات ليس ادعاءً سياسيًا، بل واقع فرضته الاعتداءات المتكررة على حقول النفط والغاز. وفي مثل هذه الظروف يصبح من غير المنطقي اتهام الإقليم بعدم تصدير النفط بينما البنية الإنتاجية نفسها تتعرض للاستهداف.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الاعتداءات تُنفذ من قبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، في وقت لم تُظهر فيه الحكومة الاتحادية حتى الآن الإرادة الكافية لوضع حد لهذه الهجمات أو منع تكرارها. إن مسؤولية حماية البنية التحتية الاستراتيجية في البلاد تقع أولاً وأخيرًا على عاتق الدولة المركزية، لأن استهداف منشآت الطاقة في كوردستان لا يضر بالإقليم وحده، بل يضرب الاقتصاد العراقي ككل.
وإذا كان من المفارقات المؤلمة التي أشار إليها البيان أن بعض العناصر المتورطة في هذه الاعتداءات تتلقى رواتبها من مؤسسات مرتبطة ببغداد، فإن المفارقة الأكبر تكمن في أن مواطني إقليم كوردستان ما زالوا يعانون من تأخير رواتبهم ومستحقاتهم المالية، التي تصل في كثير من الأحيان منقوصة أو متأخرة، رغم أن هذه الرواتب ليست منّة من أحد، بل حقوق دستورية لموظفين ومواطنين عراقيين.
ورغم كل ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في بيان وزارة الثروات ليس لغة الشكوى، بل لغة المسؤولية. فالإقليم، كما يؤكد البيان، لم يغلق باب الحوار يومًا، بل دعا مرارًا إلى مفاوضات جدية لمعالجة جذور الأزمة. إن هذا الموقف يعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق عبر فرض الإملاءات أو عبر إدارة الأزمات من خلال الإعلام، بل عبر حوار سياسي صريح يعترف بالحقوق المتبادلة ويبحث عن حلول مستدامة.
إن دعم موقف وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي في بناء الدول الحديثة، أن الشراكة لا يمكن أن تقوم على الاتهام، وأن الوحدة لا يمكن أن تُفرض عبر الضغوط الاقتصادية أو الأمنية. فالعراق الذي خرج من عقود طويلة من الصراعات لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات بين مكوناته، بل إلى رؤية جديدة تقوم على احترام الدستور والالتزام بروح الفيدرالية التي نص عليها.
وبالتالي، فإن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن استقرار إقليم كوردستان ليس مصلحة كوردية فحسب، بل مصلحة عراقية وإقليمية أيضًا. فالإقليم كان طوال السنوات الماضية أحد أكثر المناطق استقرارًا في العراق، وساهم في حماية الاقتصاد الوطني وفي مواجهة الإرهاب وفي الحفاظ على توازن سياسي حساس في المنطقة. ولذلك فإن التعامل مع قضاياه بلغة الاتهام لا يخدم أحدًا، بينما يبقى الطريق الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو الحوار الصادق والالتزام بالقانون. وأن استمرار الضغوط الاقتصادية، إلى جانب التهديدات الأمنية، يضعف الثقة في جدية الشراكة الوطنية، بل وقد يدفع بعض الأصوات داخل الإقليم إلى التساؤل عن جدوى هذه الشراكة إذا استمرت سياسات الإقصاء والتضييق.
إن بيان وزارة الثروات الطبيعية لم يكن مجرد رد على اتهامات عابرة، بل تذكير بأن العلاقة بين أربيل وبغداد يجب أن تقوم على الشراكة الحقيقية، لا على تحميل المسؤوليات من طرف واحد. ومن هنا فإن الوقوف إلى جانب هذا البيان هو وقوف إلى جانب الحقيقة، وإلى جانب فكرة العراق الذي يُبنى بالتفاهم لا بالضغوط، وبالعدالة لا بالإقصاء.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
15/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...
- الحلقة الثالثة، التآكل الداخلي، لماذا يستمر الصراع الكوردي - ...
- الكورد وإيران في زمن الحرب بين لحظة الفرصة وفخّ التاريخ
- إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصاد ...
- إيران بين الاحتواء الأمريكي وسيناريو التفكيك
- دروس للكورد من قلب الصراع الجاري في المنطقة وكيفية إدارة خلا ...
- إيران بعد سوريا هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل؟
- إسقاط النظام الإيراني، مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟
- الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بع ...
- لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
- هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل ...
- الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
- جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السوري ...
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...
- الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التفريط بالحلفاء إ ...


المزيد.....




- ترامب: سأعلن -قريباً- عن الدول التي ستساعد في إعادة فتح مضيق ...
- الجيش الأمريكي يعلن عن حصيلة جديدة لجرحاه خلال حرب إيران: -أ ...
- اضطراب تاريخي في سوق النفط.. ووكالة الطاقة الدولية تلوح بطرح ...
- من عام 1982 إلى 2026.. أربعة عقود من المواجهة بين حزب الله ...
- -لا يمكن تحقيق أمن مطلق- في ممر هرمز.. حتى في حال مشاركة الن ...
- راهن على الاستقرار.. برشلونة يختار خوان لابورتا
- الجيش الإسرائيلي يعلن بدء نشاط عسكري بري محدود في جنوب لبنان ...
- الاحتلال يفرّق مصلين بمحيط الأقصى ويُبعد أحد حراسه
- بين هجمات إيران ومخططات إسرائيل.. كيف تحافظ دول الخليج على أ ...
- رمضان في الدوحة.. -كتارا- وجهة تجمع العائلات والأصدقاء وتكسر ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟