أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سرّ الصمود الإيراني














المزيد.....

سرّ الصمود الإيراني


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يُعدّ سؤال صمود إيران أمام العقوبات من أكثر الأسئلة التي شغلت الباحثين في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة. فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تعرّضت إيران لسلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية فرضتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، ثم تعزّزت هذه العقوبات عبر قرارات دولية متعددة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الضغوط الممتدة لأكثر من أربعة عقود إلى انهيار الدولة الإيرانية أو تفكك مؤسساتها كما حدث في تجارب أخرى. ويُفسَّر هذا الصمود بمجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة التي تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية، وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وموقعها في النظام الدولي.
أول هذه العوامل هو البنية التاريخية للدولة الإيرانية. فإيران ليست دولة حديثة التشكّل كما هي حال كثير من دول المنطقة، بل تمتلك تقليدًا دوليًا ممتدًا منذ الإمبراطوريات القديمة، من الميديين والأخمينيين مرورًا بالساسانيين وصولًا إلى الدول الإسلامية المتعاقبة. هذا الإرث التاريخي أسهم في ترسيخ مؤسسات الدولة والإدارة المركزية، بحيث بقيت قادرة على العمل حتى تحت ضغوط خارجية شديدة. وقد أشار عدد من الباحثين في دراسات الشرق الأوسط، مثل المؤرخ الإيراني-الأمريكي ارفاند إبراهيميان، إلى أن قوة الدولة المركزية في إيران هي أحد مفاتيح فهم قدرتها على امتصاص الأزمات.
العامل الثاني يتعلق باقتصاد الموارد الطبيعية. فإيران تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وهو ما يمنحها هامشًا من القدرة على المناورة الاقتصادية. صحيح أن العقوبات حدّت من قدرتها على التصدير بحرية، لكنها لم تستطع إلغاء هذه الموارد أو محوها من الاقتصاد العالمي. وقد أظهرت التجربة أن الدول الغنية بالطاقة تمتلك غالبًا قدرة أكبر على التكيّف مع الضغوط الاقتصادية مقارنة بالدول التي تعتمد على قطاعات صناعية أو تجارية محدودة.
العامل الثالث يتمثل في الاقتصاد الموازي وشبكات الالتفاف على العقوبات. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي طورت إيران منظومات اقتصادية بديلة تعتمد على التجارة غير المباشرة، والوساطة عبر دول ثالثة، والتبادل بالعملات المحلية. وقد ناقش الباحث الأمريكي Vali Nasr هذه الظاهرة بوصفها جزءًا من «اقتصاد المقاومة» الذي نشأ نتيجة العقوبات المستمرة.
أما العامل الرابع فيرتبط بطبيعة التركيبة السياسية للنظام الإيراني نفسها. فالنظام لا يقوم على مؤسسات الدولة التقليدية وحدها، بل يجمع بين بنية دولية راسخة وبنية أيديولوجية تمتلك قدرة واضحة على تعبئة المجتمع سياسيًا. وهذا التداخل بين الدولة والمؤسسة الأيديولوجية منح النظام قدرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى عنصر تعبئة داخلية. فالعقوبات لا تُقدَّم في الخطاب الرسمي بوصفها مجرد إجراء اقتصادي، بل تُصاغ ضمن سردية أوسع تُصوِّرها كجزء من صراع سياسي وسيادي مع الخارج. وقد أسهم هذا الإطار التفسيري في خلق قدر من التضامن الداخلي، أو على الأقل في الحدّ من تفكك الجبهة الاجتماعية، حتى بين فئات من المجتمع لا تتفق بالكامل مع سياسات الحكومة، لكنها تتعامل مع الضغوط الخارجية بوصفها مسألة تمس الدولة والمجتمع معًا.
العامل الخامس يرتبط بالتغير في النظام الدولي. فالعقوبات الأمريكية لم تعد تُفرض في عالم أحادي القطب كما كان الحال في التسعينيات، بل في نظام دولي أكثر تعددية. فقد حافظت إيران على علاقات اقتصادية مع دول مثل الصين وروسيا، وهو ما خفف جزئيًا من تأثير العزلة الغربية الكاملة.
ومع ذلك، فإن صمود إيران لا يعني أن العقوبات لم تُحدث آثارًا عميقة. فقد أدت إلى تضخم مرتفع، وتراجع في مستوى المعيشة، وتوترات اجتماعية متكررة. لكن التجربة الإيرانية أظهرت أن العقوبات الاقتصادية، حتى عندما تكون قاسية وطويلة، لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة السياسية إذا كانت الدولة تمتلك بنية مؤسساتية قوية، وموارد طبيعية كبيرة، وشبكات علاقات دولية بديلة.
ولهذا السبب ينظر كثير من الباحثين إلى الحالة الإيرانية بوصفها مثالًا مهمًا في دراسة حدود فعالية العقوبات الاقتصادية في السياسة الدولية. فالعقوبات قد تضعف الاقتصاد وتخلق ضغوطًا داخلية، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جذري ما لم تترافق مع تحولات داخلية عميقة في بنية المجتمع والدولة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
14/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...
- الحلقة الثالثة، التآكل الداخلي، لماذا يستمر الصراع الكوردي - ...
- الكورد وإيران في زمن الحرب بين لحظة الفرصة وفخّ التاريخ
- إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصاد ...
- إيران بين الاحتواء الأمريكي وسيناريو التفكيك
- دروس للكورد من قلب الصراع الجاري في المنطقة وكيفية إدارة خلا ...
- إيران بعد سوريا هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل؟
- إسقاط النظام الإيراني، مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟
- الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بع ...
- لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
- هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل ...
- الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
- جغرافية غربي كوردستان: الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة السوري ...
- الكونغرس يقيّد ترامب، رسائل ماركو روبيو تكشف صراع السلطة حول ...


المزيد.....




- لماذا تبدو مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز مهمة محفوفة بالم ...
- فيديو منسوب لـ-ضربة إيرانية على قاعدة أمريكية في قطر-.. ما ص ...
- حتى آخر قطرة.. تجارب فيزيائية واكتشافات في المطبخ بدل المختب ...
- حرب إيران.. كيف تحول ميرتس من متفهم لترامب إلى متشكك بنواياه ...
- لبنان: خطر كارثة إنسانية شاملة
- إيران: توسيع ساحات الصراع لكسب الحرب
- معركة مضيق هرمز.. هل مزقت التحالف الغربي؟
- سماء الشرق الأوسط مزدحمة بالإمدادات.. تصاعد الشحن العسكري ال ...
- محمد المسفر: على العرب توجيه رسائل واضحة لأمريكا وإسرائيل بو ...
- وزير الإعلام الباكستاني للجزيرة: مستعدون للوساطة بين أمريكا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سرّ الصمود الإيراني