أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟














المزيد.....

لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 23:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في النقاشات التي تدور اليوم داخل مراكز التفكير في واشنطن وبروكسل وطوكيو، لا يُطرح السؤال عن إيران بصيغته التقليدية، هل يسقط النظام أم يبقى؟ بل يُطرح بصيغة أكثر إرباكًا وعمقًا، هل يمكن للعالم أن يتحمّل سقوط النظام الإيراني أصلًا؟ فإيران ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل عقدة مركزية في توازنات تمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى، ومن القوقاز إلى شرق المتوسط. ولهذا فإن أي تحول جذري فيها لا يُقرأ كحدث داخلي فحسب، بل كزلزال جيوسياسي قد يعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.
من هنا يأتي الحذر الذي يبديه كثير من الاستراتيجيين الغربيين، ومن بينهم بعض إستراتيجيي البيت الأبيض، تجاه فكرة انهيار النظام الإيراني. فالمسألة، في نظرهم، ليست مسألة تغيير نظام سياسي فحسب، بل مسألة استقرار دولة كبيرة ومعقدة. إيران ليست دولة صغيرة يمكن احتواء اهتزازاتها بسهولة؛ إنها دولة يزيد عدد سكانها على ثمانين مليون نسمة، تمتلك جيشًا كبيرًا، وبنية نووية متقدمة، وشبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر أكثر من ساحة صراع في الشرق الأوسط. ولهذا يخشى كثير من الباحثين أن يؤدي سقوط مفاجئ للنظام إلى تكرار مشهد الفوضى الذي شهدته المنطقة بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، حين انهارت مؤسسات الدولة واندفعت البلاد نحو سنوات طويلة من الاضطراب والعنف.
لكن المخاوف، وأعني مخاوف الدول الكبرى قبل الإقليمية، لا تقف عند حدود الفوضى السياسية. فإيران دولة متعددة القوميات والهويات، فرس وكورد وأذريون وعرب وبلوش وغيرهم. وفي مثل هذا التركيب الاجتماعي المركّب، قد يؤدي انهيار الدولة المركزية إلى إطلاق ديناميات كامنة من التوترات القومية والإقليمية. إن الدول متعددة القوميات تستطيع أن تعيش طويلًا تحت مظلة الدولة القوية، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تتفكك تلك المظلة. ولهذا يحذر بعض الباحثين من أن انهيار النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية تعيد إنتاج نماذج التفكك التي عرفتها دول أخرى في المنطقة.
ويزداد القلق تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني. فإيران ليست مجرد دولة تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا النووية؛ إنها تمتلك بالفعل بنية علمية وصناعية متقدمة في هذا المجال. وفي حال انهيار الدولة أو تفكك مؤسساتها، قد يصبح السؤال الأخطر ليس من يحكم إيران، بل من يسيطر على هذه البنية النووية الحساسة. وهذا احتمال يثير قلقًا عميقًا لدى القوى الكبرى التي تدرك أن الفوضى في دولة نووية محتملة قد تكون أخطر من استقرارها تحت نظام معادٍ.
وإلى جانب هذه المخاوف، يطرح بعض الباحثين احتمالًا آخر لا يقل إزعاجًا، أن سقوط النظام الحالي لا يضمن بالضرورة ظهور نظام أكثر اعتدالًا. فالتاريخ السياسي مليء بثورات لم تُنتج أنظمة أكثر انفتاحًا، بل أفرزت في بعض الأحيان قوى أكثر تشددًا وصلابة. ومن ثم فإن انهيار النظام الإيراني قد لا يعني نهاية الأيديولوجيا المتشددة والداعمة للإرهاب، بل ربما إعادة تشكيلها في صيغة أكثر حدة، وخير مثال ما حدث بعد قتل قيادة إيران في أول يوم من أيام الحرب، حتى ولو كانت هناك شكوك حول خلفيات تنصيب مجتبى لمركزية آية الله.
ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذه القراءة المتحفظة. فهناك تيار آخر من الباحثين يرى أن تغيير النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام فرص سياسية واقتصادية جديدة للمنطقة. فالكثير من الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط ترتبط بدرجات مختلفة بالسياسات الإقليمية الإيرانية. ومن ثم يعتقد بعض المحللين أن تغيير طبيعة النظام في طهران قد يؤدي إلى تخفيف حدة هذه الصراعات، أو على الأقل إعادة تشكيلها في إطار أقل توترًا، وبالتالي منطقة أقل خطرا على العالم.
كما يرى هؤلاء أن إيران تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة لم تُستثمر بالكامل بسبب العزلة والعقوبات. فالدولة التي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وقاعدة بشرية متعلمة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا بين آسيا والشرق الأوسط، يمكن أن تتحول، في حال تغير سياساتها وإزالة النظام الإيديولوجي المتطرف، إلى قوة اقتصادية إقليمية مندمجة في الاقتصاد العالمي بدل أن تبقى في موقع المواجهة الدائمة معه.
غير أن السيناريو الذي يميل إليه عدد متزايد من مراكز الدراسات لا يقوم على فكرة السقوط المفاجئ للنظام، بل على احتمال تحول بطيء داخل بنية النظام نفسه. فالدول الكبرى في التاريخ نادرًا ما تتغير عبر الانهيار الكامل؛ بل غالبًا ما تشهد تحولات تدريجية في موازين القوى داخل مؤسساتها. وفي هذا السيناريو قد يحدث تغير تدريجي في بنية السلطة، أو إصلاحات سياسية واقتصادية محدودة، أو إعادة ضبط للعلاقات الخارجية، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة نفسها.
وهكذا يتبين أن السؤال الحقيقي لا يكمن في معرفة ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط أم لا، بل في فهم كيف يمكن أن يحدث أي تغيير في إيران دون أن يتحول إلى فوضى إقليمية واسعة. فإيران ليست مجرد دولة أخرى في الشرق الأوسط؛ إنها محور توازنات معقدة تمتد عبر عدة مناطق جيوسياسية. ولهذا السبب تتعامل القوى الكبرى مع الملف الإيراني بحذر بالغ، لأنها تدرك أن أي تحول كبير في طهران لن يبقى حدثًا محليًا، بل قد يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط وآسيا لعقود قادمة.
فيكون السؤال الأكثر إرباكًا ليس، هل سيتغير النظام الإيراني؟ بل، هل العالم مستعد فعلًا لما قد يحدث بعد ذلك التغيير؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
15/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...
- سرّ الصمود الإيراني
- لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...
- الحلقة الثالثة، التآكل الداخلي، لماذا يستمر الصراع الكوردي - ...
- الكورد وإيران في زمن الحرب بين لحظة الفرصة وفخّ التاريخ
- إيران بين الثروة المعطلة والعقوبات، قراءة في موقعها الاقتصاد ...
- إيران بين الاحتواء الأمريكي وسيناريو التفكيك
- دروس للكورد من قلب الصراع الجاري في المنطقة وكيفية إدارة خلا ...
- إيران بعد سوريا هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل؟
- إسقاط النظام الإيراني، مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟
- الحلقة الثانية، هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بع ...
- لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
- هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل ...


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟