أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة الثالثة














المزيد.....

إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة الثالثة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 23:21
المحور: القضية الكردية
    


كيف تغيّر مفهوم القوة في العالم؟

لم تعد القوة في العالم الحديث هي ما كانت عليه في العصور السابقة. ففي الماضي، كانت تُقاس أساسًا بعدد الجنود، وسعة الجغرافيا، وحجم الترسانة العسكرية، وقدرة الدولة على فرض سيطرتها المباشرة على الأرض. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. لم يعد السلاح وحده يصنع المكانة، ولم تعد الجيوش وحدها تحدد وزن الدول والشعوب، بل دخلت عناصر أخرى إلى صلب القوة، الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبيانات، والتعليم، والإعلام، والقدرة على التأثير في الوعي وصناعة القرار.
يكفي أن ننظر إلى الولايات المتحدة والصين لندرك أن الصراع بينهما لا يُختزل في الجيوش والأساطيل، بل يتمحور أيضًا حول التكنولوجيا الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والجامعات، وسلاسل الإنتاج، والنفوذ المالي العالمي. كما أن إسرائيل، رغم مساحتها الصغيرة، لم تفرض حضورها فقط بقوتها العسكرية، بل أيضًا بتفوقها التكنولوجي، ونفوذها في مراكز القرار الغربية، وقدرتها على تحويل المعرفة إلى عنصر من عناصر الأمن القومي. وحتى تركيا، التي تقدم نفسها كقوة إقليمية، لم تكتف بجيشها، بل استثمرت في الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيّرة، والإعلام، والانتشار الاقتصادي، واستخدام الجغرافيا السياسية في فرض دورها. هذه الأمثلة تؤكد أن مفهوم القوة لم يعد عسكريًا صرفًا، بل أصبح منظومة متكاملة.
ومن هنا، فإن أي شعب يبحث عن مكانه في هذا العالم لا يمكنه أن يفكر بعقل الأمس. وهذا ينطبق على الشعب الكوردي أكثر من غيره، لأن قضيته لم تكن يومًا مجرد قضية عسكرية، بل قضية وجود قومي، وحق تاريخي، وصراع على الجغرافيا والهوية والمستقبل. لكن الإشكالية أن جزءًا كبيرًا من العقل السياسي الكوردي ما زال ينظر إلى القوة من زاوية تقليدية، السيطرة على الأرض، عدد المقاتلين، التوازنات الأمنية، أو حجم الحضور الحزبي. وهذه عناصر مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية.
لقد أثبتت تجربة كوباني، مثلًا، أن الصمود العسكري قادر على فرض الحضور في لحظة تاريخية حرجة، وأن البطولة تستطيع أن تغيّر نظرة العالم مؤقتًا. لكن ما بعد كوباني كشف أيضًا أن الانتصار العسكري، إذا لم يتحول إلى مؤسسات راسخة، واقتصاد متماسك، وتعليم متطور، وعلاقات سياسية أوسع، يبقى مهددًا بالتآكل. وكذلك الأمر في تجربة الإدارة الذاتية في غربي كوردستان، فقد نجحت في فرض نفسها خلال سنوات الحرب والفوضى، وملأت فراغًا سياسيًا وأمنيًا، لكنها لم تتمكن، من تحويل هذه التجربة إلى قوة متكاملة بالمعنى الاستراتيجي.
فالإدارة التي تنشغل بالأمن أكثر من التنمية، وتبقى بنيتها الاقتصادية ضعيفة، وتعجز عن تثبيت خطاب سياسي قومي واضح، وتسمح بتضخم الهشاشة المعيشية، ستجد نفسها مع الوقت أمام تجربة قابلة للاستنزاف. وهذا ما يواجهه غربي كوردستان اليوم. فالمشكلة لم تعد فقط في تهديدات تركيا، ولا في تبدل الموقف الأمريكي، ولا في صعود سلطة مركزية سورية ذات طابع راديكالي متطرف، بل أيضًا في أن التجربة نفسها لم تُحصّن بما يكفي من الداخل. لم يتحول الوجود الكوردي فيها إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي صلب يفرض نفسه على الجميع.
الأخطر من ذلك أن الشعب الكوردي، رغم كل ما قدمه من تضحيات في غربي كوردستان، لم يُعوَّم حتى الآن على أرضه تعويمًا قوميًا واضحًا. لم تتحول الجغرافيا إلى تعريف قومي صريح يحمي جوهر القضية، بل بقيت الصياغات فضفاضة، وبقيت الإدارة أقرب إلى حالة وظيفية منها إلى مشروع قومي متكامل يحتضن الآخرين من موقع الشعب المؤسس. ومع مرور الوقت، أصبح العرب وغيرهم أكثر حضورًا في مفاصل الإدارة والخطاب العام، بينما تراجع وضوح البعد القومي الكوردي، وكأن الكورد، مرة أخرى، يدفعون الدم ثم يترددون في تثبيت حقهم السياسي على جغرافيتهم.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية في فهم القوة. فالقوة ليست فقط أن تمتلك وحدات مقاتلة أو إدارة محلية، بل أن تملك القدرة على تثبيت هويتك السياسية، وحماية عمقك القومي، وبناء اقتصاد يمنع الهجرة، وتأسيس تعليم يصنع نخبًا جديدة، وإنتاج إعلام يخاطب العالم، وتكوين شبكة مصالح دولية تجعل المساس بك مكلفًا. من دون ذلك، يبقى أي إنجاز ميداني معرضًا للتآكل، وأي حضور سياسي قابلًا للتهميش.
ولعل المقارنة مع إقليم كوردستان العراق، تكشف جانبًا من هذه المسألة. فالإقليم، رغم مشكلاته العميقة والانقسامات المعروفة فيه، والمخاطر الخارجية، استطاع أن يفرض اسمًا سياسيًا وجغرافيًا معترفًا به نسبيًا، وأن يبني قدرًا من المؤسسات والعلاقات الدولية والاقتصاد المحلي جعله أكثر رسوخًا من مجرد حالة عسكرية. أما في غربي كوردستان، فإن التضحيات كانت جسيمة، لكن الترجمة السياسية والقومية لهذه التضحيات كانت دون مستوى الدم المبذول.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الحراك الكوردي اليوم ليس فقط، كيف نصمد؟ بل، كيف نبني قوة تجعل صمودنا قابلًا للاستمرار؟ كيف نمنع أن تتحول تضحياتنا إلى مجرد ذاكرة بطولية؟ كيف نربط بين البعد القومي الكوردي وبين الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية؟ وكيف نجعل من الكفاءات الكوردية في أوروبا وأمريكا، ومن الطاقات الشابة في الداخل، ومن الخبرة المتراكمة، عناصر قوة استراتيجية لا مجرد طاقات متناثرة؟
إن العالم الجديد لا يعترف فقط بمن يقاتل، بل بمن يعرف كيف يحوّل قتاله إلى موقع سياسي واقتصادي ومعرفي مستقر. وهذه هي المعضلة الكوردية اليوم، أن النضال ما زال حاضرًا، لكن مفهوم القوة الذي يجب أن يحمله هذا النضال لم يكتمل بعد. ومن هنا، فإن إعادة تعريف القوة ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط البقاء القومي.
فالمستقبل لن يكون للشعب الذي يملك ذاكرة التضحيات فقط، بل للشعب الذي يعرف كيف يحوّل هذه الذاكرة إلى مؤسسات، وهذه المؤسسات إلى نفوذ، وهذا النفوذ إلى اعتراف. وإلا، فإن الكورد سيبقون، مرة أخرى، قوة في الميدان، وضعفًا في الترجمة السياسية.

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحن أمة صنعت الملوك وظلت بلا تاج
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- من خسر أكثر في حرب إسرائيل وإيران وأمريكا؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الاحتراق
- كيف نُحوّل القتلة إلى عظماء؟
- حرب المهووسين فوق أنقاض العالم
- هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟
- هل تريد إسرائيل حربًا أطول مما يحتمل ترامب؟
- ماذا لو أخطأ الطرفان في الحسابات وتحولت الحرب المحدودة إلى م ...
- ما الذي ينتظر القضية الكوردية في ظل صعود المشروع الإسلامي في ...
- المجلس الوطني الكوردي وقسد بين تمثيل الحقوق وإدارة الواقع ال ...
- سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد
- من تمثيل شعب إلى حضور شكلي، ماذا حدث؟
- هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
- الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
- لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...
- سرّ الصمود الإيراني


المزيد.....




- تقليصات -الأونروا- في الضفة الغربية: أزمة مالية أم تصفية سيا ...
- تفاقم الوضع الإنساني في مخيمات النازحين بالسودان
- بعثة إيران بالأمم المتحدة: أمريكا تتحمل مسؤولية تعطل النقل ا ...
- آخرها التعليم.. لماذا تُقلّص الأونروا خدماتها للاجئين في الض ...
- مخيم مار إلياس.. من مظاهر التضامن في لبنان، لاجئون فلسطينيون ...
- الأمم المتحدة: أطفال دارفور وصلوا لمرحلة حرجة تحت وطأة الجوع ...
- عشرات الاعتقالات في تركيا قبيل احتفالات عيد العمال
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: محكمة الاحتلال تُقرر تمدي ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: المحكمة ترفض طلب الإفراج ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: الاحتجاز التعسفي للطبيب أ ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة الثالثة