أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الحادية عشرة















المزيد.....

إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الحادية عشرة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 21:05
المحور: القضية الكردية
    


كيف نبني خطابًا كورديًا عالميًا؟
لا يكفي أن تكون القضية عادلة حتى تجد مكانها في العالم؛ فلا بد أن تمتلك اللغة التي تجعل العالم يراها ويفهمها ويتفاعل معها. وهذه واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في المسار الكوردي الحديث؛ فالقضية الكوردية، رغم عمقها التاريخي واتساع مظلوميتها ووضوح حقوقها، لم تتحول بعد إلى قضية عالمية مكتملة الحضور في الوعي السياسي والفكري الدولي.
لا يعود ذلك إلى ضعف القضية ذاتها، بل إلى أن الخطاب الكوردي ظل، في كثير من مراحله، أسير بيئته الإقليمية وصراعاته المباشرة. فقد تشكّل أساسًا في مواجهة أنظمة أنكرت وجود الشعب الكوردي أو حاصرت حقوقه، وكان طبيعيًا أن يتوجه إلى الداخل الكوردي أو إلى المحيط الإقليمي. غير أن العالم اليوم لا يتفاعل مع المظلومية وحدها، مهما كانت عميقة، ما لم تُصَغ بلغة مفهومة ضمن مفاهيم العصر.
في النظام الدولي الراهن، لا تُقاس قوة الخطاب بحرارته أو صدق انفعاله فقط، بل بقدرته على صياغة قضيته ضمن مفاهيم حقوق الإنسان، والعدالة، والديمقراطية، والتعددية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والاعتراف بالهويات التاريخية. ومن لا يدخل إلى العالم من هذه البوابة، يبقى غالبًا محصورًا داخل صوته المحلي، مهما كانت قضيته عادلة.
لذلك، فإن بناء خطاب كوردي عالمي لا يعني مجرد ترجمة البيانات إلى الإنكليزية أو الفرنسية، بل بناء لغة سياسية وفكرية تنقل القضية الكوردية من ملف إقليمي إلى قضية ذات معنى إنساني وسياسي عالمي؛ من خطاب احتجاجي موجّه إلى الخصوم المحليين، إلى خطاب استراتيجي يخاطب العالم بوصفه طرفًا في صناعة الإدراك والشرعية والتأثير.
فالقضية الكوردية ليست شأنًا قوميًا مغلقًا، ولا ملفًا حدوديًا يخص دول المنطقة وحدها، بل قضية شعب تاريخي حُرم من الاعتراف، وقُسّمت جغرافيته، وشُوّهت هويته، وتعرضت لغته وثقافته وذاكرته للاقتلاع. وإذا أُعيد تقديم هذه الحقيقة ضمن إطار عالمي يتحدث عن الحق والعدالة والتعددية ورفض الإقصاء، فإنها تصبح أكثر قدرة على فرض نفسها في النقاشات الدولية الجدية.
لكن هذا الانتقال يحتاج إلى أدوات ومؤسسات. فالحركات التي نجحت في جعل قضاياها جزءًا من الوعي العالمي لم تعتمد على الشعارات وحدها، بل بنت شبكات مع الجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، والجاليات، والفاعلين الثقافيين. أي أنها لم تكتفِ بإعلان وجودها، بل صنعت الوسائط التي تجعل هذا الوجود مستمرًا ومقنعًا ومؤثرًا.
وهنا تمتلك الجاليات الكوردية في أوروبا وأمريكا دورًا مهمًا لم يُستثمر بعد كما ينبغي. فهي ليست امتدادًا اجتماعيًا أو عاطفيًا فقط، بل يمكن أن تكون جسرًا بين القضية الكوردية والعالم، إذا خرج دورها من العفوية والمبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم. ففي داخل هذه الجاليات طاقات علمية ومهنية وثقافية وإعلامية وقانونية قادرة على نقل القضية من الهامش إلى مواقع التأثير.
غير أن النشاط الكوردي في الخارج ما يزال غالبًا محكومًا بالعمل الحزبي الضيق الذي يعمق الخلافات والتآكل الداخلي، أو الجهود الفردية المتفرقة، أو ردود الأفعال الموسمية. والمطلوب اليوم خطاب يتجاوز اللحظة، يعمل على المدى الطويل، ويربط بين المظلومية التاريخية والرؤية المستقبلية. فالعالم لا يتفاعل باستمرار مع القضية التي تصرخ فقط، بل مع القضية التي تعرف كيف تقدم نفسها بوصفها جزءًا من سؤال عالمي أكبر.
وفي غربي كوردستان، تبدو هذه الحاجة أشد إلحاحًا. فالتجربة التي نشأت هناك لم تعد شأنًا محليًا داخل سوريا، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول الحكم المحلي، والإدارة الذاتية، والتعددية السياسية، ومواجهة التطرف، وحدود الدولة المركزية في الشرق الأوسط. وهذا يفتح أمام الخطاب الكوردي فرصة أن يقدّم التجربة لا كقضية مطلبية فقط، بل كخبرة سياسية واجتماعية يمكن أن تدخل في النقاش العالمي حول مستقبل المنطقة.
غير أن ذلك يتطلب مراجعة في اللغة والأسلوب. فليس كل ما يقال في الداخل يصلح للعالم، وليس كل خطاب تعبوي قادرًا على أن يُفهم دوليًا. العالم يحتاج إلى لغة أوسع، أقل انفعالًا، وأكثر قدرة على الربط بين خصوصية القضية والقيم المشتركة؛ لغة تقدم التجربة الكوردية بوصفها جزءًا من بحث أوسع عن العدالة والاستقرار والتعددية، لا مجرد صراع محلي على السلطة أو الجغرافيا.
إن الخطاب الذي يصل إلى العالم هو الخطاب الذي يربط بين المحلي والإنساني العام؛ بين معاناة شعب معين، والمبادئ التي يستطيع العالم أن يرى نفسه فيها. وحين تُقدَّم القضية الكوردية بوصفها قضية شعب يريد الاعتراف بهويته، وحقه في إدارة شؤونه، وحماية لغته وثقافته، والمساهمة في بناء نموذج أكثر عدالة في منطقة مضطربة، فإنها تصبح أكثر قابلية للفهم والدعم.
وهذا لا يتحقق عبر البيانات السياسية وحدها، بل عبر جهد متراكم، إعلام كوردي أكثر مهنية في مخاطبة الخارج، دراسات أكاديمية حول القضية الكوردية، مؤسسات تفكير وبحث، متحدثون قادرون على مخاطبة العالم، وعلاقات أوسع مع الجامعات والمؤسسات الحقوقية ودوائر التأثير السياسي والثقافي.
فالعالم الحديث لا يتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع الصور التي تصاغ حولها، والروايات التي تفسرها، واللغة التي تقدمها. لذلك، فإن بناء خطاب كوردي عالمي ليس مسألة إعلامية هامشية، بل جزء أساسي من إعادة تعريف النضال الكوردي نفسه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحركة الكوردستانية اليوم لم يعد فقط، كيف نحافظ على قضيتنا داخل حدودنا؟ بل، كيف نجعل هذه القضية مفهومة ومحترمة وقابلة للدفاع عنها في العالم كله؟ وكيف نحول الخطاب الكوردي من خطاب يتحدث عن نفسه فقط، إلى خطاب يجعل العالم يرى في هذه القضية جزءًا من نقاشه حول الحرية والعدالة وحقوق الشعوب؟
ففي عصر تتشكل فيه الشرعية عبر اللغة والصورة والمعنى، يصبح الخطاب نفسه ساحة من أهم ساحات النضال. ومن لا يحسن تقديم نفسه للعالم، يبقى معرضًا لأن يُقدَّم عبر لغات الآخرين ومصالحهم، لا عبر صوته هو.
يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب
- كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- نحن أمة صنعت الملوك وظلت بلا تاج
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- من خسر أكثر في حرب إسرائيل وإيران وأمريكا؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الاحتراق


المزيد.....




- تحت نيران القصف.. الأونروا تنجح في نقل أرشيف اللاجئين الفلسط ...
- ما رسائل واشنطن من اعتقال القيادي بكتائب حزب الله العراقي با ...
- مهاجراني: إيران تدعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير
- أزمة السكن في ألمانيا.. صعوبات مضاعفة أمام المهاجرين
- عشرات التونسيين يطالبون بترحيل المهاجرين غير النظاميين
- تومي روبينسون... يميني بريطاني متطرف مناهض للهجرة والمهاجرين ...
- تركيا تعلن تفكيك شبكة تجسس دولية واعتقال 7 متورطين في 4 ولاي ...
- السودان على شفا المجاعة.. اتهامات للجيش بتسليح الإغاثة
- حاملة الطائرات -فورد- تعود لأمريكا بعد مشاركتها في حرب إيران ...
- في ذكرى النكبة الـ78.. عواصم عالمية ومدن عربية تنتفض دعماً ل ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة الحادية عشرة