أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3














المزيد.....

الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 06:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هنا لا تعود المسألة مجرد سعر 340 دولارًا للطن، ولا مقارنة حسابية فقط مع أرقام أعلى جرى تداولها في مواسم أو مناطق سابقة، بل تصبح سؤالًا اقتصاديًا عميقًا، هل تريد الحكومة السورية الانتقالية إعادة بناء الزراعة، أم تريد استخدام الفلاح كخزان رخيص للخبز؟ فإذا كانت كلفة البذار، والحراثة، والوقود، والسماد، والعمالة، والنقل، والري ترتفع، بينما يبقى سعر الشراء الرسمي متدنيًا، فإن النتيجة ليست دعمًا للأمن الغذائي، بل دفع تدريجي للفلاح إلى ترك الأرض، وتقليص المساحات المزروعة، والاعتماد أكثر على الاستيراد.
وهذا ما يجعل القرار خطيرًا على بناء الوطن نفسه. فالدولة التي تكسر الفلاح تكسر الريف، والدولة التي تكسر الريف تكسر أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي. الزراعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فقط؛ إنها شبكة حياة كاملة، قرى، عائلات، مواسم، عمل، أسواق محلية، نقل، تخزين، مطاحن، أفران، وأمن غذائي. حين يُضرب القمح، لا يتضرر الفلاح وحده، بل تتضرر الدولة من جذورها.
كان يمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تجعل من موسم القمح نقطة انطلاق لثقة جديدة مع الفلاحين، سعر عادل، دعم للوقود، تمويل للبذار، إصلاح قنوات الري، ضمان شراء سريع، دفع مستحقات بلا تأخير، وتعويضات للجفاف. لكنها حين تختار سعرًا لا يشعر الفلاح أنه يحمي كلفة إنتاجه، فإنها ترسل رسالة معاكسة، الدولة تريد القمح، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن كرامة من زرعه.
هنا يظهر البعد السياسي للتسعيرة. ففي المراحل الانتقالية، حين تكون السلطة هشّة وتبحث عن الشرعية، تميل إلى استرضاء الشارع والريف وامتصاص غضبه. أما حين تشعر أنها ثبتت أقدامها، فقد تنتقل من سياسة الاستمالة إلى سياسة الإفقار، ومن شراء الرضا إلى صناعة الخضوع. الجوع ليس دائمًا نتيجة فشل إداري فقط؛ أحيانًا يصبح أداة حكم. فالإنسان الذي يُرهَق بلقمة يومه لا يملك الوقت ولا الطاقة الكافية ليسأل عن الدستور، والحقوق، والحريات، ومن يحكمه وكيف يحكمه.
وهذا لا يعني أن كل قرار اقتصادي مؤامرة، ولا أن الدولة لا تواجه أزمة مالية حقيقية. سوريا بالفعل تواجه نقصًا في الموارد، وارتفاعًا في الحاجة إلى الاستيراد، وتراجعًا في المساعدات. ففي أيار/مايو 2026 أعلنت منظمة الغذاء العالمي أنها خفّضت مساعداتها الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفًا بسبب نقص التمويل، وأوقفت برنامج دعم الخبز الذي كان يدعم أكثر من 300 مخبز ويؤثر فيما يصل إلى 4 ملايين شخص يوميًا، مع بقاء 7.2 مليون سوري في حالة انعدام أمن غذائي حاد.
لكن الاعتراف بصعوبة الوضع لا يبرر تحميل الفلاح وحده ثمن الانهيار. فإذا كانت الدولة عاجزة عن دعم القمح، فعليها أن تعلن برنامجًا واضحًا، دعم مدخلات الإنتاج، قروض ميسرة، تعويضات جفاف، دفع سريع للمستحقات، وتحسين الري والطاقة. أما أن تُترك كلفة الإنتاج على كتف الفلاح، ثم يُطلب منه تسليم القمح بسعر لا يحميه، فهذا ليس إصلاحًا اقتصاديًا، بل نقل للأزمة من خزينة الدولة إلى جيب الفلاح.
إن أخطر ما في تسعيرة القمح أنها قد تضرب الموسم القادم أيضًا. الفلاح لا يزرع بعاطفة وطنية وحدها؛ يزرع إذا رأى أن الموسم سيغطي كلفته ويحفظ بيته من الدين. فإذا شعر أن الدولة ستشتري محصوله بثمن بخس، فسيقلل زراعته، أو يهرب إلى السوق، أو يترك الأرض، أو يزرع محصولًا أقل مخاطرة. وهكذا تتحول تسعيرة سنة واحدة إلى قرار يراكم العجز في السنوات التالية.
لذلك، فإن المشكلة ليست في الرقم فقط، بل في الفلسفة التي تقف خلفه. الدولة التي تريد إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من المنتج لا من الجباية، من الفلاح لا من المستورد، من الحقل لا من المكتب. أما الدولة التي تشتري قمح الفلاح بثمن يتركه فقيرًا، فهي لا تسرق محصوله فقط؛ إنها تسرق وقته، وكرامته، وقدرته على أن يبقى شريكًا في الوطن.
لقد دمّر النظام السابق الاقتصاد السوري عبر ثلاث مراحل: سيطرة باسم التنمية، ثم نهب باسم الدولة، ثم مافيا حرب باسم الصمود. واليوم، بعد سنة ونصف تقريبًا من زواله، لا يحق للحكومة الانتقالية أن تعيد إنتاج الخراب باسم الضرورة، أو المرحلة، أو ضعف الإمكانات، أو أي خطاب ديني أو سياسي يجعل المواطن تابعًا لا شريكًا. فالفارق بين التخريب القديم والتخريب الجديد ليس في النتيجة فقط، بل في الأداة: سابقًا دُمّر الاقتصاد عبر النهب والفساد والاستبداد؛ واليوم قد يُدمّر عبر الجهل الاقتصادي، وضيق الرؤية، والإيديولوجيا التي ترى المجتمع مادة طاعة لا قوة إنتاج.
القمح السوري اليوم ليس اختبارًا زراعيًا فقط، بل اختبار سياسي واقتصادي للحكومة الانتقالية. فإذا كانت تريد بناء دولة، فعليها أن تحمي من يزرع خبزها. أما إذا كانت تريد سلطة فوق مجتمع جائع، فستعامل الفلاح كيد عاملة لا كإنسان، وكمنتج قمح لا كشريك في الوطن.
الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن. والدولة التي تسرق تعب من يزرع خبزها، لا تبني شرعية؛ إنها تبني جوعًا مؤجلًا وانفجارًا قادمًا.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
18/5/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب
- كلما صعد الكوردي سياسياً هبط قوميًا
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- نحن أمة صنعت الملوك وظلت بلا تاج


المزيد.....




- ماذا نعرف عن سلالة إيبولا التي تثير مخاوف في الكونغو الديمقر ...
- كاتب بواشنطن بوست: حرب إيران اختبار حاسم لترمب قبل التجديد ا ...
- اللعبة الكبرى في المحيط الهادئ.. لا شيء يوقف صعود شي -العنيد ...
- الكونغو الديمقراطية تعلن حصيلة جديدة لضحايا إيبولا
- اليورانيوم عالي التخصيب في حسابات خامنئي وترامب
- مباشر: وصول نشطاء -أسطول غزة- المُرحّلين من إسرائيل إلى تركي ...
- تقرير يكشف أسباب خسارة هاريس أمام ترامب بالانتخابات الرئاسية ...
- روبيو: ترامب -مستاء جدا- من دول في -الناتو- بسبب حرب إيران
- إسرائيل تكثّف غاراتها على جنوب لبنان.. وتستهدف مركزا إسعافيا ...
- بينهم ضابطان في الجيش والأمن العام.. واشنطن تفرض عقوبات على ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3