أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - توماس باراك وإعادة تركيب المشرق















المزيد.....

توماس باراك وإعادة تركيب المشرق


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 22:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكن بناء توقعات واضحة فيما سيقوم به توماس باراك، لكن يجب التفريق بين ما يستطيع توماس باراك فعله تكتيكيًا خلال أشهر، وما يمكن أن يغيّره استراتيجيًا خلال سنة، سنتين أو أكثر. تعيينه ليس مجرد منصب إضافي؛ هو محاولة لوضع رجل واحد على تقاطع تركيا – سوريا – العراق، وهذا وحده يكشف أن واشنطن ترى الملفات الثلاثة كملف واحد لا كجزر منفصلة. روبيو قال إن باراك سيبقى “محاورًا مركزيًا” في سوريا و“يدًا موثوقة” في العراق، وترامب سمّاه ممثلًا رئاسيًا خاصًا لسوريا والعراق مع بقائه سفيرًا في تركيا.
في البعد التكتيكي، يستطيع باراك أن يفعل خمسة أمور سريعة: أولًا، إدارة قناة مباشرة بين أنقرة ودمشق وبغداد وواشنطن، بحيث لا يضيع القرار بين الخارجية والبنتاغون والاستخبارات. ثانيًا، الضغط لتسريع دمج قسد أو إعادة تعريف دورها ضمن الدولة السورية الجديدة، خاصة أن الخلاف بين دمشق وقسد حول شكل الدمج، وليس الاندماج، والاستقلالية العسكرية بقي قائمًا في المفاوضات السابقة. ثالثًا، فتح ملف الفصائل الإيرانية في العراق بوصفه امتدادًا لملف سوريا ولبنان، لا قضية عراقية داخلية فقط. رابعًا، إدارة ملف الحدود: الحدود السورية–العراقية، والحدود التركية–السورية، وممرات داعش والسلاح والنفط. خامسًا، دفع مسار التطبيع والاستثمار في سوريا، لأن تعيينه الأول في سوريا جاء أصلًا في سياق رفع أو تخفيف العقوبات ومحاولة فتح باب إعادة الإعمار والاستقرار.
أما استراتيجيًا، فمهمته الأعمق قد تكون إعادة تركيب المشرق على قاعدة جديدة: سوريا موحدة لكن مضبوطة، العراق أقل ارتهانًا لإيران، تركيا شريك أمني لا مجرد حليف أطلسي، والكورد موضوع قابل للإدارة لا شريكًا مستقلًا في صناعة القرار. هذا لا يعني أن الخطة ستنجح، لكنه يعني أن تعيينه يحاول تحويل سوريا والعراق إلى ساحة واحدة لضبط النفوذ الإيراني، واحتواء داعش، ومنع صدام تركي–كوردي واسع، وفتح ممرات الطاقة والاستثمار. ومن ثم السعي إلى دفع سوريا والعراق نحو المخطط الإبراهيمي، إقناعًا أو ضغطًا، يبدو أحد أهم أدواره، بل ركيزةً تتقاطع مع بقية مهماته. فالمسألة لا تتعلق بالتطبيع وحده، بل بإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، وتفكيك بقايا المحور الإيراني، ودمج البلدين في شرق أوسطي جديد تُدار فيه السياسة عبر الأمن والاقتصاد والتحالفات المفروضة.
ما الذي يستطيع تغييره؟ يستطيع أن يغيّر طريقة إدارة الملف أكثر مما يغيّر الوقائع وحده. أي أنه لن يخلق جيشًا سوريًا موحدًا بقرار، ولن ينهي الحشد الشعبي بخطاب، ولن يحل القضية الكوردية بإعلان، لكنه يستطيع أن يغيّر مركز الثقل، من دبلوماسية تقليدية بطيئة إلى دبلوماسية صفقات مباشرة. وهذا ينسجم مع نمط ترامب في الاعتماد على مبعوثين غير تقليديين وأشخاص موالين له بدل الاكتفاء بالدبلوماسيين المحترفين.
الرابح الأول المحتمل هو تركيا، لأن باراك بقي سفيرًا في أنقرة وأصبح ممسكًا بسوريا والعراق معًا. هذا يعطي تركيا قناة مباشرة على ملف قسد في سوريا، وحزب العمال/الوجود الكوردي المسلح والسياسي في العراق. لذلك قد تستفيد أنقرة في الضغط لتقليص استقلالية قسد، ولمنع أي كيان كوردي متماسك بين غربي كوردستان وجنوب كوردستان.
الرابح الثاني المحتمل هو إسرائيل، إذا نجح باراك في توسيع الضغط على أدوات إيران في العراق وسوريا، لأن العراق لم يعد خلفية بعيدة، بل جزء من طريق طهران–بغداد–دمشق–بيروت. وقد سبقت تقارير أن باراك حذّر العراق من ضربة إسرائيلية قاسية إذا استمرت الميليشيات العراقية في دعم حزب الله، ما يدل على أن العراق كان حاضرًا في دوره قبل التعيين الرسمي الجديد.
الرابح الثالث قد يكون ترامب نفسه، لأنه يحصل على رجل ثقة يستطيع ربط السياسة بالأمن والطاقة والاستثمار، ويتحرك خارج اللغة الدبلوماسية الثقيلة. باراك ليس رجل وزارة خارجية تقليديًا؛ هو رجل أعمال وحليف قديم لترامب، وهذا يفسر لماذا يُستخدم في ملف معقد يحتاج إلى علاقات وصفقات بقدر ما يحتاج إلى بيانات سياسية.
الخاسر المحتمل هو الكورد إذا دخلوا المرحلة بلا موقف موحد ولا ضمانات مكتوبة. الخطر ليس فقط أن يكون باراك “قريبًا من تركيا”، بل أن الأولويات الأمريكية قد تُرتب كالتالي، الاستقرار، تركيا، مكافحة داعش، تقليص إيران، الاستثمار، ثم يأتي الحق الكوردي في آخر السلم. وقد سبقت انتقادات كوردية لباراك بسبب مواقفه التي بدت منحازة إلى دمشق ضد استقلالية قسد.
العراق أيضًا قد يكون خاسرًا إذا تحول إلى مساحة مقايضة بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب وطهران. فباراك سيدفع نحو تقليص نفوذ الفصائل الإيرانية، لكن ذلك قد يفتح صدامًا داخليًا إذا لم يُدار بحذر، وهو ما ظهر اليوم من خلا ل تصريحات بعض الفصائل ككتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء وغيرهما على أن سلاحهم مقدس ولن يسلموها إلى الجيش. كما أن أي مشروع يتعلق بالطاقة أو الممرات النفطية سيصطدم بمصالح الحشد، وإيران، وبعض القوى العراقية، وربما بقلق الإقليم الكوردستاني إذا جرى تجاوزه.
غير أن هذه النافذة التفاؤلية تبقى مشروطة بسؤال جوهري، هل يستطيع توماس باراك أن يتجاوز الضغط التركي ومنهجيته الشخصية القائمة على منطق الصفقات القريبة، أم سيبقى أسير الرؤية التركية التي ترى في أي صعود كوردي خطرًا يجب تحجيمه؟ فباراك، بحكم موقعه سفيرًا في أنقرة ومبعوثًا على سوريا والعراق، يقف على مفترق حساس؛ إما أن يتحول إلى أداة لترجمة الهواجس التركية داخل القرار الأمريكي، وإما أن يدرك أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية الأعمق قد تحتاج إلى قوة كوردية منظمة وموحدة، لا إلى حراك كوردي مفكك يُستخدم ثم يُترك.
وهنا تكمن المفارقة. فشخصية باراك وخلفيته السياسية والاقتصادية، وربما بعض ترسباته الثقافية وميله إلى مقاربة الملفات بمنطق الصفقة لا بمنطق حقوق الشعوب، قد لا تنسجم طبيعيًا مع الطموحات الكوردستانية. لكنه في الوقت نفسه ليس حرًا تمامًا في إدارة الملف وفق الرؤية التركية وحدها؛ فإذا رأت واشنطن وتل أبيب أن الورقة الكوردية ضرورة استراتيجية لضبط إيران، وموازنة تركيا، ومنع عودة التطرف، وفتح ممرات الطاقة، فقد يجد باراك نفسه مضطرًا إلى التعامل مع الكورد كقوة لا يمكن تجاوزها، لا كملف قابل للمساومة فقط.
لذلك فإن مستقبل الدور الكوردي لن يتحدد بإرادة باراك وحده، بل بقدرة الكورد أنفسهم على فرض حضورهم. فإذا بقوا مشتتين، سيقرأهم باراك وأنقرة وبغداد ودمشق كورقة ضعيفة قابلة للتجزئة. أما إذا استطاعوا توحيد خطابهم ومطالبهم وضماناتهم، فقد تتحول الحاجة الأمريكية والإسرائيلية إليهم من احتياط مؤقت إلى اعتراف سياسي أوسع. وهنا تبدأ الفرصة التي ترعب تركيا وإيران، أن يتحول الكورد من بند في صفقة الآخرين إلى طرف في صناعة الصفقة نفسها.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
2/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني


المزيد.....




- 3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
- هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
- حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
- تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب ...
- بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
- سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
- -باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
- زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
- قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
- لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - توماس باراك وإعادة تركيب المشرق